اسحق قومي
شاعرٌ وأديبٌ وباحثٌ سوري يعيش في ألمانيا.
(Ishak Alkomi)
الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 09:23
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
سألني أحدُ الإخوةِ المنتمينَ إلى الحضارةِ الآشوريّةِ قائلاً:الأستاذ الباحث اسحق قومي.
في الآونةِ الأخيرةِ بدأنا نقرأُ لجماعاتٍ عِرقيّةٍ تدّعي أنّ الحضارةَ الآشوريّةَ قد أخذتْ من حضاراتٍ تخصُّهم، ويزعمونَ أنّهم أحفادُ تلكَ الحضاراتِ. فماذا تقولُ في هذا الأمرِ للرّدِّ على هؤلاء؟ إنّي أنتظرُ ردَّكَ.(وبسيما رابا، شكرًا كثيرًا.)
وبناءً على سؤالِ الأخِ الذي رفضَ ذكرَ اسمِهِ، أقولُ:
ماذا يعني لو وجدنا مجموعةً من الكلماتِ تتشابهُ لدى هذه الحضارةِ أو تلكَ، ولا سيّما إذا استخدمتِ الحضارةُ اللاحقةُ مفرداتٍ استُخدمتْ في حضاراتٍ سبقتْها؟
هل يُنفي ذلكَ أهميّةَ الحضارةِ الآشوريّةِ العظيمةِ عندما يأتي أحفادُ بعضِ الحضاراتِ التي سبقتْها أو جاءتْ بعدها ليُثبِتوا أنّهم أصحابُ التاريخِ والجغرافيا والعلومِ؟
وماذا لو قرأنا واكتشفنا بأنَّ الحضارةَ الآشوريّةَ استخدمتْ آلةً حربيّةً كانتْ لحضارةٍ سبقتْها، فهلْ يُقلِّلُ ذلكَ من شأنِ وعظمةِ الحضارةِ الآشوريّةِ التي ستبقى عصيّةً على أعدائِها؟
وهل يحقُّ لنا تبنّي مفاهيم الامتلاك المطلق ؟ وماذا عن ظاهرةِ التّلاقحِ الحضاريِّ، خاصّةً بينَ الحضاراتِ القديمةِ؟
إنَّ الحقيقةَ التي تفرضُها المعطياتُ العلميّةُ والمادّيّةُ والبحوثُ التاريخيّةُ تقولُ بوضوحٍ: إنَّ الحضاراتِ لا تبدأُ من الصفرِ، ولا تختفي دونَ أن تتركَ أثرًا.
وردًّا على هذه الأسئلةِ التي طرحها الأخُ، لا بدَّ لي من الإجابةِ بأسلوبٍ علميٍّ خالٍ من الانفعاليّةِ، ومتّسمٍ بالموضوعيّةِ والدقّةِ.
والبدايةُ ستكونُ بطرحِ تساؤلاتٍ أساسيّةٍ من جديدٍ:ما الحضارةُ؟ وما معناها؟
ممَّ تتكوّنُ الحضارةُ؟ وما مفرداتُها؟
وما الحضاراتُ القديمةُ التي قامتْ في الشرقِ الأوسطِ، في بلادِ ما بينَ النهرينَ، وفارسَ، وعيلامَ، والأناضولِ، وأورارتو، وسوريا؟
وعليّ أن أبدأُ بتحديدِ الإطارِ المفاهيميِّ قبلَ الدخولِ في التفصيلاتِ؛ إذ إنَّ فهمَ معنى الحضارةِ ومكوِّناتِها يُعدُّ خطوةً أساسيّةً لأيِّ نقاشٍ علميٍّ لاحقٍ.
فما هي الحضارةُ وما معناها؟
أفهمُ الحضارةَ بوصفِها حالةً متقدِّمةً من التنظيمِ الإنسانيِّ تظهرُ عندما ينتقلُ المجتمعُ من أنماطِ العيشِ البدائيّةِ إلى أنماطٍ أكثرَ تعقيداً تقومُ على الاستقرارِ، وتقسيمِ العملِ، وظهورِ مؤسَّساتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ وثقافيّةٍ. ولا تقتصرُ الحضارةُ على التقدُّمِ المادّيِّ فحسب، بل تشملُ كذلكَ النتاجَ الفكريَّ والرمزيَّ والقيميَّ الذي يُعبِّرُ عن رؤيةِ الإنسانِ للعالمِ ولنفسِهِ.
وَأما السؤال الثاني يقول:مِمَّ تتكوَّنُ الحضارةُ وما هي مفرداتُها؟
تتشكّل الحضارة من مجموعةِ عناصرَ مترابطةٍ مع بعضها بعضاً، من أبرزِها:
الاستقرارُ العمرانيُّ وبناءُ المدنِ.
النظامُ السياسيُّ وظهورُ السلطةِ المنظَّمةِ والقوانينِ.
النشاطُ الاقتصاديُّ القائمُ على الزراعةِ والتجارةِ والصناعةِ.
التطوُّرُ العلميُّ والتقنيُّ وابتكارُ وسائلِ الكتابةِ والحسابِ.
المنظومةُ الدينيّةُ والفكريّةُ والفنيّةُ التي تمنحُ المجتمعَ هويّتَهُ الرمزيّةَ.
العلاقاتُ الاجتماعيّةُ وتقسيمُ الأدوارِ والطبقاتِ.
هذه المفرداتُ لا تعملُ بصورةٍ منفصلةٍ، بل ضمنَ شبكةٍ من التفاعلِ المستمرِّ الذي يُنتجُ ما نسمّيهِ بالحياةِ الحضاريّةِ.
وعلينا الآن أن نسألْ ما هي الحضاراتُ القديمةُ التي قامت في الشرقِ الأوسطِ بلادِ مابين النهرين وما جاورها شرقا وغربا وشمالا؟
عندَ دراسةِ التاريخِ القديمِ للشرقِ الأوسطِ أجدُ عدداً من المراكزِ الحضاريّةِ الكبرى، من أهمِّها:
حضارةُ بلادِ ما بينَ النهرينِ التي نشأت في وادي دجلةَ والفراتِ، وبرزت فيها دولٌ ومدنٌ مثلَ سومرَ وأكّدَ وبابلَ وآشورَ، وتميَّزت بابتكارِ الكتابةِ المسماريّةِ والتشريعاتِ المنظَّمةِ.
الحضارةُ الفارسيّةُ التي تطوَّرت في الهضبةِ الإيرانيّةِ، وأسَّست إمبراطوريّاتٍ واسعةً مثلَ الأخمينيّةِ، وتميَّزت بالإدارةِ المركزيّةِ والطرقِ التجاريّةِ الواسعةِ.
حضارةُ عيلامَ التي قامت في جنوبِ غربِ إيرانَ، وكانت لها علاقاتٌ وصراعاتٌ مستمرّةٌ مع حضاراتِ الرافدينِ.
حضاراتُ الأناضولِ، ومن أبرزِها الحضارةُ الحثّيّةُ التي عُرِفَت بتنظيمِها العسكريِّ وتطوُّرِها القانونيِّ.
حضارةُ أورارتو في منطقةِ أرمينيّةَ والأناضولِ الشرقيّةِ، والتي تميَّزت ببناءِ الحصونِ وأنظمةِ الريِّ.
الحضاراتُ السوريّةُ القديمةُ مثلَ إيبلا وماري وأوغاريتَ، وقد لعبت دوراً مهمّاً في التجارةِ والثقافةِ وتطوُّرِ الأبجديّاتِ.
بعدَ هذا العرضِ التمهيديِّ أكونُ قد وضعتُ الأساسَ المفاهيميَّ والتاريخيَّ الذي يُمكِّنني لاحقاً من مناقشةِ أسئلةِ السائلِ بطريقةٍ علميّةٍ منظَّمةٍ.
وسأعرضُ كلَّ حضارةٍ مع تحديدٍ تقريبيٍّ لبدايتِها ونهايتِها وفقَ ما تسمحُ بهِ المعطياتُ التاريخيّةُ والأثريّةُ.
حضاراتُ بلادِ ما بينَ النهرينِ
الحضارةُ السومريّةُ :بدأت تقريباً نحوَ 3500 ق م مع ظهورِ المدنِ الكبرى مثلَ أوروك وأور.
وانتهت سياسياً حوالي 2000 ق م بعدَ سيطرةِ الأموريّين وصعودِ بابل.
الحضارةُ الأكّديّةُ :بدأت نحوَ 2334 ق م مع قيامِ دولةِ سرجون الأكّديّ.
وانتهت حوالي 2154 ق م نتيجةَ الغزواتِ الداخليّةِ والخارجيّةِ.
الحضارةُ البابليّةُ :بدأت كقوّةٍ كبرى حوالي 1894 ق م.وانتهت المرحلةُ القديمةُ سنةَ 1595 ق م بسقوطِ بابل على يدِ الحثّيّين.ثم عادت كإمبراطوريّةٍ حديثةٍ وانتهت نهائياً سنةَ 539 ق م بدخولِ الفرس.
الحضارةُ الآشوريّةُ :بدأت كدولةٍ قويّةٍ نحوَ 1400 ق م.وبلغت ذروتَها بينَ القرنِ التاسع والسابع ق م.
ثم انتهت سنةَ 612 ق م بسقوطِ نينوى.
الحضارةُ العيلاميّةُ :بدأت نحوَ 2700 ق م في جنوبِ غربِ إيران.وانتهت سنةَ 539 ق م بعدَ ضمِّها إلى الدولةِ الفارسيّةِ.
الحضارةُ الفارسيّةُ ،الدولةُ الأخمينيّةُ :بدأت سنةَ 550 ق م مع كورش الكبير.وانتهت سنةَ 330 ق م بعدَ غزوِ الإسكندر.
الدولةُ الفرثيّةُ: بدأت نحوَ 247 ق م.وانتهت سنةَ 224 م مع قيامِ الدولةِ الساسانيّةِ.
الدولةُ الساسانيّةُ: بدأت سنةَ 224 م. وانتهت سنةَ 651 م بعدَ الفتحِ الإسلاميّ.
حضاراتُ الأناضولِ:
الحضارةُ الحثّيّةُ :بدأت كقوّةٍ كبرى نحوَ 1600 ق م.وانتهت حوالي 1200 ق م بسببِ انهيارِ العصرِ البرونزيّ وغزواتِ شعوبِ البحر.
حضارةُ أورارتو :بدأت نحوَ 860 ق م في شرقِ الأناضول. وانتهت حوالي 590 ق م بعدَ صراعٍ مع الميديين.
الحضاراتُ السوريّةُ القديمةُ
حضارةُ إيبلا :بدأت نحوَ 2500 ق م. وانتهت حوالي 1600 ق م بعدَ تدميرِها في الصراعاتِ الإقليميّةِ.
حضارةُ ماري :ازدهرت بينَ 2900 و1759 ق م. وانتهت بتدميرِها على يدِ حمورابي.
حضارةُ أوغاريت :بدأت نحوَ 1400 ق م. وانتهت حوالي 1180 ق م في انهيارِ العصرِ البرونزيّ.
وأما الحضارةُ السوبارتيّة :
تُعدُّ من الموضوعاتِ التي ما زالت محلَّ نقاشٍ بينَ الباحثينَ، لأنَّ المعلوماتِ عنها محدودةٌ وتعتمدُ غالباً على نصوصٍ سومريّةٍ وأكّديّةٍ أكثرَ من اعتمادِها على آثارٍ مباشرةٍ واضحةٍ. لذلك أُقدِّمُ عرضاً علميّاً مع التأكيدِ على الطابعِ التقريبيِّ.
ما هي الحضارةُ السوبارتيّة؟
أفهمُ سوبارتو بوصفِها منطقةً جغرافيّةً وثقافيّةً في شمالِ بلادِ ما بينَ النهرينِ، يُرجَّحُ أنَّها شملت أجزاءً من شمالِ العراقِ وجنوبِ شرقِ الأناضولِ وربما مناطقَ من سوريا. وقد وردَ اسمُها في النصوصِ المسماريّةِ منذُ الألفِ الثالثِ قبلَ الميلادِ.
بدايةُ الظهورِ التاريخيِّ
يظهرُ اسمُ سوبارتو في المصادرِ السومريّةِ حوالي 2500 ق م تقريباً.
ولا توجدُ دلائلُ مؤكَّدةٌ على وجودِ دولةٍ مركزيّةٍ موحَّدةٍ، بل يبدو أنَّها كانت مجموعةَ شعوبٍ ومناطقَ قبليّةٍ أو مدينيّةٍ متفرِّقةٍ.
كما تظهرُ في النصوصِ بوصفِها منطقةً للتجارةِ أحياناً، ومسرحاً للحروبِ أحياناً أخرى، خصوصاً مع الأكّديّينَ والآشوريّينَ. كما ارتبطَ اسمُها في بعضِ الدراساتِ المبكِّرةِ بأسلافِ الحوريّينَ، لكنَّ هذا الربطَ ليس محلَّ إجماعٍ علميٍّ.
نهايةُ الكيانِ أو اختفاءُ الاسمِ
ومن المؤكد أنَّ اسم سوبارتو يبدأُ بالتراجعِ في النصوصِ بعدَ نحوِ 1500 ق م تقريباً.
ويبدو أنَّ سكّانَ هذه المناطقِ اندمجوا تدريجيّاً في كياناتٍ جديدةٍ مثلَ الممالكِ الحوريّةِ ثمَّ الدولةِ الميتانيّةِ ولاحقاً الآشوريّةِ. لذلك لا يمكنُ تحديدُ تاريخِ نهايةٍ دقيقٍ لها، لأنَّها لم تسقط كإمبراطوريّةٍ واضحةٍ بل ذابت ضمنَ تحوّلاتٍ تاريخيّةٍ أوسعَ.
وسأعرضُ العلاقة بينَ (السوبارتيّينَ والحوريّينَ والميتانيّينَ )بصورةٍ علميّةٍ متسلسلةٍ، مع التنبيهِ إلى أنَّ كثيراً من التفاصيلِ ما زال موضعَ نقاشٍ بينَ المؤرِّخينَ.
أوّلاً :السوبارتيّونَ سكّان منطقة واسعة في شمالِ بلادِ ما بينَ النهرينِ منذُ الألفِ الثالثِ ق م.
لم يُعرَف لهم كيانٌ سياسيٌّ موحَّدٌ، بل كانوا جماعاتٍ متعدِّدةً تعيشُ في مدنٍ ومرتفعاتٍ حدوديّةٍ بينَ الرافدينِ والأناضولِ.
وردَ اسمُهم في النصوصِ السومريّةِ والأكّديّةِ غالباً باعتبارِهم شعوباً شماليّةً.
ثانياً: الحوريّونَ
يظهرُ الحوريّونَ بوضوحٍ أكبرَ في المصادرِ منذُ نحوِ 2200 ق م. وهؤلاء استقرّوا في شمالِ العراقِ وسوريا وشرقِ الأناضولِ.وتميَّزوا بلغةٍ خاصّةٍ غيرِ ساميّةٍ ولا هندوأوروبيّةٍ.
أنشؤوا ممالكَ محلّيّةً متعدِّدةً قبلَ أن تتطوَّرَ قوّتُهم السياسيّةُ.
يرى عددٌ من الباحثينَ أنَّ الحوريّينَ قد يكونون امتداداً أو تطوُّراً لبعضِ جماعاتِ سوبارتو، لكن لا يوجدُ دليلٌ قاطعٌ يثبتُ أنَّ السوبارتيّينَ شعبٌ واحدٌ هو نفسُه الحوريّونَ. لذلك أتعاملُ مع هذه الفرضيّةِ بحذرٍ علميٍّ وأتحفظُ على أقوال وآراء كلّ من يتعامل مع هذه الجزئية بالتأكيد القطعي.
ثالثاً: الدولة الميتانيّة:
تُعدُّ أهمَّ كيانٍ سياسيٍّ حوريٍّ. بدأت نحوَ 1500 ق م في شمالِ سوريا وبلادِ الجزيرةِ.
وكانت قوّةً عظمى في الشرقِ الأدنى ونافست مصرَ والحثّيّينَ والآشوريّينَ.
ولقد انتهت نحوَ 1300 ق م بعدَ الصراعاتِ مع الحثّيّينَ ثمَّ الآشوريّينَ.
تميَّزت ميتاني بطبقةٍ حاكمةٍ تحملُ أسماءً هندوأوروبيّةً مرتبطةً بثقافةِ الفرسانِ والعرباتِ الحربيّةِ، بينما كان معظمُ السكّانِ من الحوريّينَ.
خلاصةٌ علميّةٌ
أستنتجُ أنَّ الشرقَ الأوسطَ كان مسرحاً لتتابعِ حضاراتٍ مترابطةٍ زمنيّاً وثقافيّاً، ولم يكن هناكَ انقطاعٌ حضاريٌّ كاملٌ بل انتقالٌ للقوّةِ والتأثيرِ بينَ مراكزَ مختلفةٍ.
وأنَّ الحضارةَ ليست حدثاً عابراً في التاريخِ، بل مسارٌ طويلٌ من التراكمِ الإنسانيِّ الذي يتجلّى في قدرةِ الإنسانِ على تنظيمِ حياتِهِ وبناءِ المدنِ وإنتاجِ المعرفةِ وصياغةِ القيمِ والنظمِ. فالحضارةُ تمثِّلُ حصيلةَ التفاعلِ بينَ البيئةِ والاقتصادِ والسياسةِ والفكرِ، وهي نتاجُ عملٍ جماعيٍّ مستمرٍّ يتجاوزُ حدودَ الجيلِ الواحدِ.
وأستنتجُ أنَّ الشرقِ القديمِ كان مهداً لتعدُّدٍ حضاريٍّ واسعٍ شملَ حضاراتِ (بلادِ ما بينَ النهرينِ وفارسَ وعيلامَ والأناضولِ وأورارتو وسوريا،). إضافةً إلى جماعاتٍ ومناطقَ مثلَ سوبارتو التي أسهمت في تشكيلِ المشهدِ التاريخيِّ والثقافيِّ للمنطقةِ. وقد تميَّزت هذه الحضاراتُ بالتواصلِ والتنافسِ والتأثيرِ المتبادلِ، ممّا أدّى إلى انتقالِ الخبراتِ والابتكاراتِ عبرَ القرونِ دونَ انقطاعٍ حضاريٍّ حادٍّ.
لذلك أخلصُ إلى أنَّ فهمَ الحضاراتِ القديمةِ في الشرقِ لا يتحقَّقُ من خلالِ دراسةِ كلِّ حضارةٍ بمعزلٍ عن الأخرى، بل عبرَ النظرِ إليها ضمنَ شبكةٍ تاريخيّةٍ متداخلةٍ من العلاقاتِ والصراعاتِ والتطوّراتِ، وهو ما يكشفُ عن وحدةِ التجربةِ الإنسانيّةِ رغمَ تنوّعِ مظاهرِها وأزمنتِها.
وأما لو عدنا إلى أسئلة الأخ السائل نقول:
أرى أنَّ تشابهَ الكلماتِ بين الحضاراتِ يدلُّ غالباً على تواصلٍ حضاريٍّ وتبادلٍ ثقافيٍّ، لا على سرقةٍ أو إلغاءٍ لدورِ حضارةٍ معيّنةٍ.
أما رأيِي في تأثيرِ ذلك على قيمةِ الحضارةِ الآشوريةِ
أعتقد أنَّ الاقتراضَ اللغويَّ أو الثقافيَّ لا ينفي عظمةَ الحضارةِ الآشوريةِ ولا أهميّتَها التاريخيّةَ.
فهذه الحضارةُ كانت قوّةً سياسيّةً وعسكريّةً وإداريّةً بارزةً، كما أنها بدورِها تأثّرت بحضاراتٍ أقدمَ منها مثلَ السومريّةِ والأكادية والبابليّةِ.وهذا أمرٌ طبيعيٌّ في مسارِ تطوّرِ الحضاراتِ كما رأينا سابقاً.
وفي الحقيقة يجب التمييز بين الانتماءِ الثقافيِّ المشروعِ وبين الادّعاءِ الإقصائيِّ.
فالانتماءُ يكونُ مفهوماً عندما تستمرُّ اللغةُ أو العاداتُ أو الذاكرةُ التاريخيّةُ في نفسِ الجغرافيا.
لكنَّ احتكارَ التاريخِ ونفيَ دورِ الشعوبِ الأخرى لا يُعدُّ طرحاً علميّاً متوازناً.
وأرى أنَّ التلاقحَ الحضاريَّ هو القاعدةُ في تاريخِ الإنسانيّةِ، وليس استثناءً.
فالحضاراتُ كانت مترابطةً ومتداخلةً، يؤثّرُ بعضُها في بعضٍ ضمنَ سلسلةِ تطوّرٍ طويلةٍ.
ومن هذا التراكمِ نشأت هويّاتٌ ثقافيّةٌ متعدّدةٌ ومعقّدةٌ.
وأؤمنُ بأنَّ تشابهَ المفرداتِ أو انتقالَها بين الحضاراتِ دليلُ حيويّةٍ وتفاعلٍ تاريخيٍّ، لا دليلُ ضعفٍ أو إلغاءٍ.
كما أرى أنَّ الاعترافَ بتعدّدِ المساهماتِ الحضاريّةِ هو الطريقُ الأقربُ للفهمِ العلميِّ العادلِ لتاريخِ المنطقةِ والإنسانِ.
إسحق قومي
23 / 3 / 2026م
#اسحق_قومي (هاشتاغ)
Ishak_Alkomi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟