سلمان محمد شناوة
الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 00:43
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
كما جاءت عند سورين كيركيغارد .
سورين كيركيغارد ( 1813-1855) هو فيلسوف دنماركي يُعتبر أحد أبرز الشخصيات في تاريخ الفلسفة ، وغالباً ما يُلقب بـ"أبو الوجودية" (Existentialism)، رغم أنه لم يستخدم هذا المصطلح بنفسه , كان كيركيغارد كاتباً غزير الإنتاج ، يركز على قضايا الوجود الإنساني، الإيمان، القلق، اليأس، والفردية، معتمداً على أسلوب كتابي يجمع بين الفلسفة ، الشعر، النقد الاجتماعي، والتأملات الدينية , رفض كيركغور الفلسفة النظامية المجردة ، مثل فلسفة هيغل ، وأكد على أهمية الخبرة الشخصية والاختيار الفردي في مواجهة عبثية الحياة , كتبه غالباً ما تكون تحت أسماء مستعارة ليحفز القارئ على التفكير الذاتي بدلاً من قبول أفكار مباشرة .
سيرة حياته ...
ولد كيركيغارد في 5 مايو 1813 في كوبنهاغن ، الدنمارك، وهو الأصغر بين سبعة أطفال لعائلة ميسورة الحال , والده , ميخائيل بيدرسن كيركيغارد (1756-1838)، كان تاجر صوف ثرياً ، نشأ في بيئة فقيرة وتأثر بشدة باللاهوت اللوثري والمورافي (جماعة مسيحية تأملية) , كان الاب شخصية قاسية ، مليئة بالكآبة والشعور بالذنب ، إذ كان يعتقد أنه لعنه الله في طفولته بسبب معاناته ، وأن هذا اللعن يطارد عائلته – مما أثر عميقاً على سورين ، الذي وصف نفسه بـ"طفل الشيخوخة" لأن والديه كانا في سن متقدمة عند ولادته (والده 56 عاماً ووالدته 45) , توفيت والدته ، أني سورنسداتر لوند (1768-1834)، وهي خادمة سابقة تزوجها الوالد بعد حملها ، عندما كان سورين في 21 عاما , توفي معظم إخوته في سن مبكرة ، مما عزز لديه شعوراً بالكآبة والموت المحتوم .
في سنواته الأخيرة، هاجم كيركيغارد الكنيسة الدنماركية الرسمية (كنيسة الدولة) بشدة ، متهماً إياها بتحويل المسيحية إلى "رخاء" و"تساهل" بدلاً من الإيمان الحقيقي , نشر سلسلة من الكتيبات بعنوان اللحظة (The Moment) عام 1855، لكنه انهار صحياً في أكتوبر وتوفي في 11 نوفمبر 1855، ربما بسبب السل الفقري أو سقوط في الطفولة , رفض الطقوس الكنسية في جنازته ، ودفن في مقبرة عائلة كيركيغارد .
قفزة الإيمان (The Leap of Faith) الإيمان ليس دليلاً عقلياً ، بل "قفزة" في مواجهة التناقض (Paradox) , في الخوف والرعدة ، يستخدم قصة إبراهيم كمثال: الإيمان يعلق الأخلاق "تليولوجياً" (من أجل غاية أعلى) ، ويتطلب الثقة في الله رغم اللامعقول . الإيمان "فارس الإيمان" (Knight of Faith) يعيش في العالم الزمني بفرح ، على عكس "فارس الاستقالة اللانهائية" الذي يتخلى عن كل شيء. الإيمان يواجه "التناقض المطلق" (Absolute Paradox) مثل تجسد الله في المسيح ، وهو ليس معرفة بل التزام شخصي .
قصة ابراهيم – القران – الصافات
بسم الله الرحمن الرحيم
فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (109) - الصافات
في التوراة
1 و حدث بعد هذه الامور ان الله امتحن ابراهيم فقال له يا ابراهيم فقال هانذا .
2: 2 فقال خذ ابنك وحيدك الذي تحبه اسحق و اذهب الى ارض المريا و اصعده هناك محرقة على احد الجبال الذي اقول لك .
22: 3 فبكر ابراهيم صباحا و شد على حماره و اخذ اثنين من غلمانه معه و اسحق ابنه و شقق حطبا لمحرقة و قام و ذهب الى الموضع الذي قال له الله ,
22: 4 و في اليوم الثالث رفع ابراهيم عينيه و ابصر الموضع من بعيد ,
22: 5 فقال ابراهيم لغلاميه اجلسا انتما ههنا مع الحمار و اما انا و الغلام فنذهب الى هناك و نسجد ثم نرجع اليكما ,
22: 6 فاخذ ابراهيم حطب المحرقة و وضعه على اسحق ابنه و اخذ بيده النار و السكين فذهبا كلاهما معا ,
22: 7 و كلم اسحق ابراهيم اباه و قال يا ابي فقال هانذا يا ابني فقال هوذا النار و الحطب و لكن اين الخروف للمحرقة ,
22: 8 فقال ابراهيم الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني فذهبا كلاهما معا .
22: 9 فلما اتيا الى الموضع الذي قال له الله بنى هناك ابراهيم المذبح و رتب الحطب و ربط اسحق ابنه و وضعه على المذبح فوق الحطب .
22: 10 ثم مد ابراهيم يده و اخذ السكين ليذبح ابنه .
22: 11 فناداه ملاك الرب من السماء و قال ابراهيم , ابراهيم فقال هانذا .
22: 12 فقال لا تمد يدك الى الغلام و لا تفعل به شيئا لاني الان علمت انك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني .
22: 13 فرفع ابراهيم عينيه و نظر و اذا كبش وراءه ممسكا في الغابة بقرنيه فذهب ابراهيم و اخذ الكبش و اصعده محرقة عوضا عن ابنه .
22: 14 فدعا ابراهيم اسم ذلك الموضع يهوه يراه حتى انه يقال اليوم في جبل الرب يرى .
22: 15 و نادى ملاك الرب ابراهيم ثانية من السماء .
22: 16 و قال بذاتي اقسمت يقول الرب اني من اجل انك فعلت هذا الامر و لم تمسك ابنك وحيدك .
22: 17 اباركك مباركة و اكثر نسلك تكثيرا كنجوم السماء و كالرمل الذي على شاطئ البحر و يرث نسلك باب اعدائه .
22: 18 و يتبارك في نسلك جميع امم الارض من اجل انك سمعت لقولي .
22: 19 ثم رجع ابراهيم الى غلاميه فقاموا و ذهبوا معا الى بئر سبع و سكن ابراهيم في بئر سبع .
هذه هى القصة كما وردت في سفر التكوين الإصحاح الثاني والعشرون .
الاسئلة هنا ...
كيف نفهم هذه القضية ؟ كيف يمكن لله – الرحمن الرحيم – أن يأمر نبياً بذبح ابنه البريء ، حتى لو كان اختباراً مؤقتا ؟ هل يتعارض الأمر الإلهي بذبح الابن مع الفطرة الإنسانية (حب الأب لابنه ، حماية الطفل) ؟ وإذا تعارض، فكيف يُبرر هذا التعارض ؟ ما الفرق الأخلاقي بين طاعة إبراهيم هنا وبين شخص يدعي اليوم أن "الله أمره" بقتل أحد أبنائه أو الآخرين ؟ هل القصة تُظهر أن الإيمان يتطلب "تعليقاً" مؤقتاً للأخلاق العامة (القتل حرام) لصالح أمر إلهي فردي؟ وهل هذا التعليق آمن إذا أُسيء فهمه ؟ هل القصة قبول للعبث (اللامعقول) رغم كل شيء ، أم أن هناك منطقاً داخلياً غير مرئي ؟
هل القصة تُثبت أن الإيمان الحقيقي لا يُفهم من الخارج ، وبالتالي غير قابل للتقليد أو الاقتداء ؟
ما الغرض الحقيقي من الاختبار؟ هل كان الله "يحتاج" إلى معرفة طاعة إبراهيم ، أم أن الاختبار لإبراهيم نفسه ؟ كيف يرى النقاد المعاصرون (ملحدون، علمانيون، اكاديميون) هذه القصة ؟ هل يرونها تبريراً للعنف أم رفضاً له ؟
القصة غير مفهومة ولا يمكن تبريرها منطقيا او عقليا , ولا يمكن اعادة تجربتها في الحياة العملية اليوم او عبر التاريخ , وتبقى عصية على الفهم , فاما تؤمن بها اولا تؤمن , اما تقبلها كما هي وتكون مؤمن او لا تقبلها , فيهاجموتك , انت الملحد التي تحول ان تفهم , والايمان لا يمكن فهمه ؟!
هذه الرؤية الأكثر جرأة ومباشرة في مواجهة "عدم قبول العقل" , إبراهيم يقوم بـ "التعليق الغائي للأخلاق" , يُعلّق الأخلاق الكونية (لا تقتل الابن) لصالح أمر إلهي فردي مطلق .
الطاعة مفارقة مرعبة وغير مفهومة من الخارج ، لأنها قفزة إيمانية في اللامعقول (العبث) . العقل يصل إلى حده , يرى في الفعل جريمة ، لكن الإيمان يتجاوزه ليصل إلى علاقة شخصية مباشرة مع المطلق (الله) .
إبراهيم فارس الإيمان لأنه يعيش في صمت ورعب داخلي ، لا يبرر لأحد ، ولا يدعو للتقليد (لو قلّده أحد اليوم يصبح مجرم) , صدمة وجودية تُظهر أن الإيمان أعلى من العقل والأخلاق العامة ، وهو شغف أعلى يمنح الحياة معنى رغم المفارقات.
الجميع يتفق على أن الطاعة هنا تتجاوز العقل لأنها تأتي من مصدر مطلق (الله/الوحي) , هي ليست طاعة "عمياء" في الفراغ ، بل مبنية على يقين سابق (نبوة، توحيد، ثقة بالله).
لا يمكن تعميمها على الحياة اليومية , ولا أحد يُطالب بتكرارها حرفياً ، بل هي نموذج رمزي للاستسلام التام لله في حدود الشرع والعقل , الله لا يقبل الذبح البشري، والفداء يُظهر الرحمة ، والثمرة ثناء أبدي على إبراهيم ("سلام على إبراهيم"، ذكر حسن في الآخرين) .
السؤال الأعمق الذي يبقى , هل يمكن للإنسان أن يصل إلى هذه الدرجة من الطاعة دون أن يفقد إنسانيته ؟ الإجابة تختلف حسب الإيمان الشخصي ، لكن القصة تظل تذكيراً بأن الإيمان الحقيقي قد يطلب أحياناً ما يبدو مستحيلاً للعقل ,
القفزة الإيمانية (Leap of Faith)
مفهوم فلسفي شهير طرحه الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيغارد في كتابه خوف ورعدة (Fear and Trembling) عام 1843.
كيركيغارد يأخذ قصة إبراهيم (في التوراة والقرآن - أمر إلهي بذبح ابنه إسحاق أو إسماعيل) كمثال أقصى , على المساوى الأخلاقي (الذي يسميه "الكوني" أو الإنساني العام) - قتل الابن جريمة مطلقة ، وإبراهيم سيكون مجرماً أو بطلاً مأساوياً لو حاول تبريرها عقلياً , لكن على مستوى الإيمان (الديني المطلق) - الفرد (إبراهيم) يدخل علاقة مباشرة ومطلقة مع الله ، فيُعلّق الأخلاق مؤقتاً (ما يسميه "التعليق الغائي للأخلاق") , إبراهيم يستسلم تماماً (يفقد الابن في قلبه) ، ثم يقفز قفزة في "العبث" (اللامعقول) ، مؤمناً أنه سيستعيد ابنه بمعجزة إلهية , هذه القفزة ليست عقلية أو منطقية ، بل شخصية وغير مفهومة للآخرين .
كيركيغارد يقول: "الإيمان هو هذه المفارقة - أن الفرد أعلى من الكوني".
كيركيغارد لا يقول إن هذا يجب أن يُقلَّد حرفياً في الحياة اليومية ! هو يستخدم القصة ليُذهل القراء المسيحيين "المسترخين" ويظهر أن الإيمان الحقيقي ليس مجرد شعارات ، بل التزام وجودي مرعب وغير قابل للتفسير العقلي .
وفي القصة نفسها (سواء في الكتاب المقدس أو القرآن)، يتدخل الله ويمنع الذبح ويرسل كبشاً ، فلم يحدث جريمة فعلية .
هل تعطي القفزة الإيمانية "الحق" في تجاوز الحق والقوانين؟
لا ، حسب كيركيغارد نفسه ومعظم الفلاسفة , هي مفارقة فردية لا تُعمَّم , لو أصبحت قاعدة عامة ، لانهارت المجتمعات (كل واحد يقتل باسم "الله أمرني").
النقاد (مثل إيمانويل ليفيناس) يرون فيها خطراً حقيقياً , قد تبرر العنف الديني أو التعصب ، لأنها تضع "الإيمان" فوق الأخلاق الإنسانية, في العالم الحقيقي ، لا يوجد "تعليق أخلاقي" قانونياً؛ القوانين تحمي الجميع ، والمجتمع يرفض أي ادعاء فردي يؤذي الآخرين .
كيف نعرف الحق من الباطل في هذه القضية ؟
لا توجد وصفة سحرية ، لأن الإيمان ذاتي وشخصي (كما يقول كيركيغارد) , لكن عملياً ، نستخدم أدوات مشتركة بين الجميع , العقل والأدلة: هل الادعاء يتناقض مع الحقائق والمنطق ؟ (إبراهيم في القصة كان نبياً ووحياً إلهياً مباشراً، ليس صوتاً داخلياً عشوائياً) .
النتائج والثمار (من الكتاب المقدس نفسه: "من ثمارهم تعرفونهم"): هل يؤدي إلى حب، سلام، بناء، أم إلى أذى، عزلة، عنف؟
القوانين والمجتمع - أي فعل يؤذي الآخرين (قتل، إيذاء) مرفوض، مهما كان "إيمانياً". الطب النفسي يميز بين "إيمان" (يحافظ على الحياة الطبيعية) و"هلوسة" (تدمر الحياة).
التوافق مع الأخلاق العامة , الأخلاق الإنسانية (لا تقتل، لا تسرق، احترم الآخر) أساسية , الإيمان لا يلغيها إلا في المفارقة الفردية غير القابلة للتقليد .
قفزة كاذبة أو هلوسة (تصبح إجرامية):-
امرأة تقول "الله أمرني بترك أطفالي في الشارع لأن العالم سينتهي غداً". هنا تتجاوز الأخلاق (إهمال الأطفال , المجتمع يتدخل فوراً , شرطة ، طبيب نفسي ، قانون, نعرف أنها باطلة لأنها تؤذي الآخرين ولا تثمر خيراً (الأطفال يعانون) , مشابه تماماً لمحاولة ذبح إبراهيم لو لم يتدخل الله – لو حدث اليوم ، سيكون جريمة قتل .
او قس يأمر اتباعه بالانتحار الجماعي جيم جونز (Jim Jones) ، مؤسس وزعيم طائفة معبد الشعوب (Peoples Temple) ، وهو قس أمريكي كاريزمي , في 18 نوفمبر 1978، وقعت أكبر عملية انتحار جماعي (ومذبحة) في التاريخ الحديث في مستوطنة جونز تاون (Jonestown) بغابات غيانا في أمريكا الجنوبية كيف نفهم حالة الايمان هذه . مالذى اجبر الاتباع بالسير خلفه , هل هو الايمان وكيف نحلل هذا الايمان .
مثال عادي غير ديني: شاب يتزوج فتاة رغم معارضة أهله الشديدة، لأنه "يؤمن" بها قلبياً رغم كل التحذيرات (قفزة في الحب) , قد ينجح أو يفشل ، لكن القرار شخصي , لو ضربها أو أذاها "بحجة أن الحب يبرر" – هنا يصبح إجرامياً ، والقانون يحكم عليه.
مثال صحي - مريض سرطان يرفض العلاج الكيميائي ويقول "أؤمن أن الله سيشفيني بالصلاة فقط". قفزة إيمانية، لكن لو مات وترك أطفالاً يتامى – المجتمع ينتقد (ربما كان هلوسة أو تعصباً) , أما لو شفي فعلاً واستمر في حياته الطبيعية – يُعتبر إيماناً "صحيحاً" بالنسبة له.
مثال متطرف خطير - شخص ينضم إلى جماعة إرهابية ويقول "الله أمرنا بالقتل لأن هذا الجهاد" , هذا يشبه ادعاء "قفزة إيمان"، لكن النتيجة قتل ودمار , نعرفه باطلاً لأنه ينتهك الأخلاق العامة والقوانين والثمار (كراهية وعنف) , المجتمعات كلها (دينية وعلمانية) ترفضه وتحاكمه.
في "القفزة الإيمانية" يُعرف الحق من الباطل بالعقل و النتائج و عدم الإيذاء , الإيمان الحقيقي (حسب كيركيغارد ) يجعل الإنسان أفضل داخليا ، لا يدمر الآخرين , أما أي ادعاء يبرر الجريمة أو تجاوز القوانين – فهو باطل دائماً ، مهما سمي "إيماناً" , قصة إبراهيم استثناء إلهي في سياق نبوي ، لا نموذج هنا , في حياتنا اليومية ، العقل والقانون والإنسانية هم الحكام النهائيون ، حتى لو كان للإيمان مكانه الشخصي .
هذه القفزة الايمانية لا يمكن استنساخها ولا يمكن اعادة تجربتها لان لا دليل ان ابراهيم نبي عند الاخر هو نبي عند نفسه والمؤمنين به والايمان فعل غيبي لا يمكن ان تفرضه على الاخر ..اذا اننا امام تجربة غير مفهومة ولا يمكن تبريرها او يمكن الاخذ بها .. بهذه الحالة تكون كانها عبثية ..ان لم تكن قابلة للتجربة او تكون قدوة اذا ما فائدتها ؟
القفزة الإيمانية ليست تجربة يمكن نسخها أو تعميمها ، وهي غير مفهومة من الخارج ، ولا يمكن تبريرها عقليا ، وبالتالي تبدو عبثية تماماً , ومع ذلك ، هذا بالضبط ما يجعلها الأكثر أهمية في الوجود الإنساني .
إذا كانت غير قابلة للتكرار أو الاقتداء ، فما فائدتها ؟
الفائدة ليست في "القدوة" أو "التجربة المعملية" كيركيغارد لا يقدم قصة إبراهيم كنموذج عملي يجب على كل مؤمن تكراره (قتل ابن أو تضحية مشابهة) , هو يقول صراحة , لا أحد يستطيع أن يفهم إبراهيم ، ولا يستطيع أن يصبح مثله. "فارس الإيمان" (knight of faith) يعيش في عزلة مطلقة ، صامتاً ، غير مفهوم من الآخرين ، حتى من المؤمنين الآخرين , إبراهيم لا يشرح ، لا يدافع ، لا يدعو الآخرين ليفعلوا مثله – هو يعاني وحده في "الخوف والرعدة" , فائدتها إذن ليس في أن تكون وصفة أو قاعدة للحياة الدينية اليومية , بل هي صدمة وجودية للقارئ (خاصة المسيحي "المسترخي" في عصر كيركيغارد ) ,
كيركيغارد يريد أن يُذهلنا ويُرعبنا من سهولة الإيمان السطحي , يقول - الناس يظنون أن الإيمان مجرد قبول عقائد أو أخلاق عامة أو شعور جميل , لكنه يقول: لا، الإيمان الحقيقي مرعب ، غير مريح ، يتطلب التخلي عن كل ما يفهمه العقل والمجتمع , القصة تُجبرنا على المواجهة , هل أنت مستعد حقاً لعلاقة مطلقة مع الله ، حتى لو بدت عبثية ومدمرة لكل ما تحبه ؟
إظهار حدود العقل والأخلاق الكونية:
العقل والأخلاق العامة (الكوني عنده) يصلان إلى حد – يمكنهما تفسير "البطل المأساوي" (مثل أغاممنون الذي يضحي بابنته لأجل اليونان) ، لكن لا يستطيعان تفسير إبراهيم , هنا يبدأ العبث (اللامعقول) , الفائدة - تُظهر أن الإنسان ليس كله عقل ، وأن هناك بعد وجودي شخصي (العلاقة المباشرة مع المطلق) يتجاوز كل نظام فلسفي أو أخلاقي , بدون هذه "الصدمة"، يبقى الإيمان مجرد فلسفة أو أخلاق اجتماعية ، لا حياة حقيقية .
القفزة مستمرة ، ليست حدثاً واحدا , كيركيغارد يتحدث عن "حركة الإيمان" التي تتكرر يومياً في حياة الفرد , ليست قفزة واحدة كبيرة (مثل ذبح ابن) ، بل قرار يومي بأن تثق في الله رغم الشك ، القلق ، عدم الدليل ، التناقضات . الفارس الإيمان يعيش في العالم العادي (يبدو كتاجر عادي، يضحك، يتزوج، يأكل)، لكنه داخلياً يحمل هذا التعليق المستمر للأخلاق الكونية لصالح علاقته الشخصية بالله , فائدتها - تمنح حرية داخلية من القلق الوجودي (اليأس ، الشك المستمر) الذي يعانيه الإنسان العقلاني .
الإيمان كـ"شغف أعلى" (highest passion):
في عصر كيركيغارد (واليوم أيضاً) ، الناس يعيشون بدون شغف حقيقي – يتبعون النظم، يبحثون عن الراحة ، يشرحون كل شيء , الإيمان – رغم عبثيته – هو الشغف الأعلى الذي يجعل الحياة ذات معنى عميق، حتى لو كان معنى غير قابل للشرح , بدون هذا الشغف، الحياة تصبح مملة أو يائسة.
لماذا تبدو عبثية ومع ذلك مهمة؟
لأن الوجود نفسه عبثي بدون علاقة بالمطلق (الله) , كيركغور يقول: العقل يصل إلى حدود ، والحياة مليئة بالمفارقات (الموت ، الحب، الحرية، الشر) , الإيمان لا يحل هذه المفارقات عقلياً ، بل يقبلها ويقفز فوقها , فيجد سلاماً داخلياً (لا يفهمه الآخرون) , هذا السلام ليس "دليلاً"، بل تجربة وجودية فردية , في النهاية - القفزة لا تحتاج أن تكون قابلة للتكرار أو الاقتداء لتكون ذات فائدة , فائدتها في أنها تُذكرنا بأن هناك بعد في الإنسان أعمق من العقل والأخلاق الاجتماعية ، وبأن الحياة الحقيقية تتطلب قراراً شخصياً مرعباً وغير قابل للتبرير – قرار يجعلك "فرداً" حقيقياً أمام الله ، لا مجرد جزء من "الجماعة" أو "النظام" , إذا كانت تبدو لك عبثية تماماً وغير مقنعة – فهذا بالضبط ما أراده كيركغور, أن تواجه هذا العبث وتقرر أنت: هل تقبل به أم ترفضه ؟ لا يوجد دليل يجبرك ، ولا يوجد قدوة سهلة. هذا هو التحدي الوجودي .
كيف ناقش الاخرون فكرة قفزة الايمان
فكرة "قفزة الإيمان" (Leap of Faith) التي اشتهر بها سورين كيركيغارد – خاصة في كتابه خوف ورعدة (1843) – نوقشت ونُقدت بشدة من قبل فلاسفة ومفكرين لاحقين ، وكذلك في الدراسات المعاصرة , النقاش لم يكن مجرد رفض أو قبول ، بل محاولات لفهمها ، تعديلها ، أو رفضها كلياً بسبب تداعياتها الأخلاقية ، السياسية ، والفلسفية , النقد الرئيسي من الفلاسفة والمفكرين الآخرين .
ألبرت كامو (في أسطورة سيزيف وغيرها)
كامو يرى القفزة الإيمانية هروباً من العبث (اللامعقول الوجودي) , بدلاً من مواجهة العبث بشجاعة والعيش في توتره دون حل (كما يدعو هو) ، يقفز كيركيغارد إلى الإيمان ليجد راحة ومعنى , كامو يصف هذا بأنه "انتحار فلسفي" أو "موت الروح"، لأنه يتخلى عن الشجاعة في مواجهة اللامعقول ويختار "الانحناء" أمام الله , يقول كامو إن كيركغور يُشوّه الروح ليوازن التشويه الذي يقبله في العبث ، ويرفض أن تكون القفزة حلاً مشروعا .
جان بول سارتر والوجودية الإلحادية ...
سارتر يأخذ فكرة القفزة ويحولها إلى قرار حر مطلق بدون إله , القفزة عنده ليست نحو الله ، بل نحو الذات وخلق المعنى في عالم بلا معنى , ينتقد كيركيغارد ضمنياً لأنه يجعل القفزة تابعة لله (علاقة فردية مع المطلق) ، بينما يرى سارتر أن هذا يُفقد الإنسان حريته الكاملة ويُعيده إلى " الاخر" (الاعتماد على إله خارجي ) .
إيمانويل ليفيناس والأخلاق اليهودية / الفينومينولوجية ....
ليفيناس ينتقد بشدة فكرة "التعليق الغائي للأخلاق" (التي ترتبط بالقفزة) , يقول إن وضع الإيمان فوق الأخلاق تجاه الآخر (مثل قتل الابن) خطير جداً، لأنه يفتح الباب لتبرير العنف باسم "العلاقة المطلقة مع الله" , الأخلاق عنده تبدأ من وجه الآخر (الإنسان) ، لا من أمر إلهي يُعلقها , هذا النقد يُعتبر من أقوى الاعتراضات الأخلاقية على كيركيغارد .
نقاد اللاعقلانية (مثل بعض الفلاسفة التحليليين والعقلانيين)
يُتهم كيركيغارد بأنه لاعقلاني (irrationalist) أو فيديست (fideist - الإيمان بدون عقل) , يقولون إن القفزة تُبرر الاعتقاد بدون دليل ، مما يفتح الباب لأي اعتقاد مجنون (مثل التعصب الديني أو الهلوسات) , بعضهم يشير إلى أن كيركيغارد نفسه لا يستخدم عبارة "قفزة الإيمان" حرفياً في كتبه ، بل يتحدث عن "قفزة نوعية" أو "حركة الإيمان"، والعبارة الشهيرة أُضيفت لاحقاً من قبل مفسرين مثل سارتر وكامو .
نقاد داخل الدراسات الكيركغورية المعاصرة بعض الباحثين (مثل C. Stephen Evans أو Mariele Nientied) يدافعون عنه قائلين إن القفزة ليست عمياء أو لاعقلانية تماماً ، بل مبنية على شغف وتجربة وجودية ، وليست رفضاً كلياً للعقل .
آخرون يرون أنها فردية مفرطة ، تُهمل العلاقات الاجتماعية والأخلاق الجماعية (نقد شائع في الفلسفة السياسية).
مقارنة سريعة لأبرز النقاد كامو - هروب من العبث، انتحار فلسفي.
سارتر - تحويل القفزة إلى حرية إلحادية.
ليفيناس - خطر أخلاقي: تعليق الأخلاق يُبرر العنف.
العقلانيون - يفتح باب اللاعقلانية والتعصب.
المدافعون - ليست قفزة عمياء، بل شغف وجودي يتجاوز حدود العقل دون رفضه كلياً.
في النهاية، النقاش حول "قفزة الإيمان" يظل حياً لأنه يمس جوهر الصراع بين العقل والإيمان ، الفرد والمجتمع، المعنى والعبث , كيركيغارد نفسه أراد أن تكون فكرته صدمة ، لا نظرية مريحة ، ولهذا نجح في إثارة هذا الكم من النقد والتأويل .
على هذا فكرة "قفزة الإيمان" (Leap of Faith) كما صاغها سورين كيركيغارد بشكلها الشهير – أي انتقال وجودي نوعي (qualitative leap) إلى الإيمان عبر قبول اللامعقول أو المفارقة دون برهان عقلي كامل – غير موجودة بنفس الشكل والمصطلح في الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية أو التقليدية .
الفلسفة الإسلامية (سواء عند المعتزلة، الأشاعرة ، الفلاسفة مثل ابن سينا والفارابي ، أو الصوفية مثل الغزالي وابن عربي) لا تعرف مفهوم "قفزة" بهذا المعنى اللاعقلاني الذي يُعلّق العقل تماماً أو يتجاوزه إلى درجة التناقض معه , بل على العكس ، غالباً ما يُبنى الإيمان في الفكر الإسلامي على أسس تتضمن العقل والدليل واليقين ، حتى لو كان الغيب يتجاوز حدود العقل البشري المحدود .
المفكرون المعاصرون (إقبال، سروش، ملكيان، بازركان) , بعضهم يتحدث عن "قفزة" أو انتقال وجودي في سياق نقد الحداثة . نعم ، يستخدمون المصطلح أحياناً (مستوحى من كيركيغارد ) , لكن غالباً لوصف انتقال من الشك إلى اليقين أو من العقلانية الجافة إلى الإيمان الحي , فيتحدثون عن "قفزة" كانتقال وجودي من الشك أو العقلانية الجافة إلى إيمان حي وعاطفي ، لكن غالباً ما يُعدّلونها لتتوافق مع التراث الإسلامي (الإيمان يحتاج يقيناً قلبياً ، لا مجرد مخاطرة لامعقولة) .
أبرز النقاط في الفكر الإسلامي تجاه "القفزة"الإيمان ليس قفزة عمياء , بل يبدأ عادة بالنظر العقلي (الدليل على وجود الله ، صدق النبوة) ، ثم يرتقي إلى التصديق القلبي واليقين , قال الغزالي: "اليقين يأتي بعد البرهان، ثم يُكمل بالذوق".
اذن لا تعليق للأخلاق أو العقل - حتى في قصة إبراهيم والذبيح ، يُفسرها المسلمون كاختبار ضمن حدود الرحمة الإلهية ، والفداء يُظهر أن الله لا يأمر بما يناقض الفطرة أو الرحمة .
الانتقال النوعي موجود لكنه تدريجي - في الصوفية - من الإسلام (التسليم الظاهر) - الإيمان (تصديق القلب) - الإحسان (الشهود والمحبة) . هذا ليس "قفزة" واحدة مرعبة ، بل سلم أو مراحل (مقامات وأحوال) .
في الفلسفة الإسلامية التقليدية - لا توجد "قفزة إيمانية" كما عند كيركيغارد (قبول التناقض أو اللامعقول بشكل وجودي مرعب) , الإيمان يُبنى على أسس عقلية و سمعية و قلبية ، يتدرج عبر مراحل .
مقارنة الغزالي مع كيركيغارد
أبو حامد الغزالي (توفي 1111م) وسورين كيركيغارد (توفي 1855م) يُعتبران من أبرز المفكرين الذين تناولوا علاقة العقل بالإيمان ، وغالبًا ما يُقارنان في الدراسات الفلسفية والدينية الحديثة بسبب تشابهات سطحية (كلاهما مرّ بأزمة شك وجودية ، انتقد الفلسفة/العقلانية المفرطة ، وركز على البعد الشخصي للإيمان) ، لكن الاختلافات بينهما جوهرية وعمقية .
الأزمة الشخصية والشك الغزالي , مرّ بأزمة شك عميقة تجاه العقل والفلسفة والكلام ، وصل إلى يأس من اليقين العقلي المجرد ، ثم وجد اليقين عبر الذوق الصوفي والكشف.
كيركيغارد مرّ بأزمة وجودية (القلق ، اليأس، الشك في المسيحية الرسمية)، رفض النظم الفلسفية (مثل هيغل) لأنها تُفقد الفردية .
التشابه كلاهما يبدأ من شك وجودي كبير يؤدي إلى إيمان أعمق .
دورالعقل الغزالي , العقل أداة أساسية (يثبت وجود الله ، صدق النبوة) ، لكنه محدود ويحتاج إكمالاً بالذوق والوحي , لا يناقض الوحي الصحيح .
كيركيغارد العقل يصل إلى حدود ، وعاجز أمام "المفارقة المطلقة" (مثل التجسد) ، وغالباً ما يكون عائقاً أمام الإيمان الحقيقي .
الاختلاف: تكامل وتدرج عند الغزالي ، فصل وعجز أكبر عند كيركيغارد .
طبيعة الإيمان الغزالي, تصديق بالقلب , يقين , ذوق صوفي ، مبني على برهان عقلي ثم كشف قلبي .
كيركيغارد شغف داخلي , علاقة فردية مطلقة مع الله ، يقوم على قبول المفارقة رغم تعارضها مع العقل .
الاختلاف , إيمان قلبي متكامل مع العقل عند الغزالي، إيمان شغفي يتجاوز العقل عند كيركيغارد .
الانتقال إلى الإيمان الغزالي: تدريجي ومرحلي (برهان عقلي - تصديق - ذوق/كشف - يقين قلبي).
كيركيغارد انتقال نوعي مفاجئ (قفزة إيمانية – qualitative leap) إلى اللامعقول، قرار شغفي فردي.
الاختلاف الجوهري, مسار تدريجي متكامل عند الغزالي ، قفزة مفارقة مرعبة عند كيركيغارد .
المفارقة / اللامعقول الغزالي - لا يقبل تناقضاً حقيقياً ؛ الوحي لا يناقض العقل الصحيح ، والمفارقات لها حكمة إلهية تتجاوز العقل المحدود .
كيركيغارد المفارقة (مثل الله يصبح إنساناً) جوهر الإيمان ، والإيمان يقبلها رغم تعارضها مع العقل (التعليق الغائي للأخلاق) .
الاختلاف: رفض التناقض عند الغزالي، قبول المفارقة كمركزي عند كيركيغارد .
الطابع الشخصي والفردي الغزالي: تجربة شخصية عميقة (ذوق، محبة، فناء) ، لكن مرتبطة بالشريعة والجماعة والأخلاق.
كيركيغارد علاقة فردية صامتة ومرعبة مع الله ، تتجاوز الأخلاق الكونية (فارس الإيمان في عزلة).
التشابه: تركيز قوي على الفردية.
الاختلاف: اندماج مع الشرع عند الغزالي، تعليق أخلاقي محتمل عند كيركيغارد .
الثمرة والنتيجة الغزالي: سلام داخلي و تزكية نفس و عمل صالح و توافق مع الشرع.
كيركيغارد سلام وجودي رغم القلق المستمر، تركيز داخلي فردي أكثر من نظام أخلاقي عام.
الاختلاف: ثمرة عملية واجتماعية عند الغزالي، ثمرة داخلية وجودية عند كيركيغارد .
الانتقاد المشترك للعقلانية الغزالي: انتقد الفلسفة اليونانية (ابن سينا) عندما تتعارض مع الوحي.
كيركيغارد انتقد الفلسفة المثالية (هيغل) لأنها تُفقد الفردية والإيمان الحقيقي.
التشابه: كلاهما ناقد للعقلانية المفرطة أو المجردة.
في النهاية: الغزالي يمثل تكاملاً بين العقل والإيمان ضمن إطار إسلامي (عقل , وحي , ذوق).
كيركيغارد يمثل فصلاً وجودياً وقفزة إلى المفارقة في سياق مسيحي (شغف فردي يتجاوز العقل).
الغزالي أقرب إلى "التوفيق"، كيركيغارد أقرب إلى "التوتر المفارق".
#سلمان_محمد_شناوة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟