|
|
سيناريوهات محتملة للحرب على إيران!
ادم عربي
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 18:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بقلم : د. ادم عربي بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، يبدو أن المعادلات العسكرية والسياسية التي انطلقت بها المواجهة قد انقلبت رأساً على عقب. فما كان يُخطط له كحملة خاطفة لإسقاط النظام أو فرض شروط جديدة، تحول إلى حرب استنزاف مفتوحة، أعادت صياغة أدوار القوى الكبرى وكشفت حدود القوة الجوية في إحداث تغيير سياسي جذري . في هذا المقال، نحاول تفكيك المشهد المتشابك، وقراءة مواقف الحلفاء الدوليين (روسيا والصين)، واستشراف السيناريوهات المحتملة، وصولاً إلى السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا لو اقتربت إيران من حافة السقوط العسكري؟ يشكل العدوان الحالي اختباراً حاسماً لنظريات "القصف الاستراتيجي" التي ظهرت في عشرينيات القرن الماضي. فمنذ بداية الحرب، راهنت واشنطن على قدرة طيرانها على توجيه ضربة قاضية لمراكز القوى الحيوية في إيران، بهدف إحداث انهيار داخلي أو دفع النظام إلى الركوع . لكن النتائج الميدانية، كما كشفت شبكة "سي إن إن" في تقرير لها، أكدت أن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة لم يؤدِ إلى انهيار النظام، بل زاد من تصلبه وسارع إلى تعيين خليفة (نجله مجتبى خامنئي) وتشديد السيطرة على مفاصل الدولة . هذا المشهد يعيد للأذهان ما توصلت إليه دراسة "راند" الشهيرة عام 1951، من أن الأنظمة السلطوية غالباً ما تكون أقل حساسية للضغوط الشعبية الناتجة عن القصف، وأن المجتمعات تحت النار تميل إلى الالتفاف حول قيادتها بدلاً من الثورة عليها . إذن، الدرس الأول الذي تسجله هذه الحرب هو أن "الأنظمة لا تُسقط من الجو"، وأن القوة الجوية وحدها، رغم تطورها، تبقى عاجزة عن هندسة التغيير السياسي في غياب توغل بري شامل . منذ الأيام الأولى للحرب، ظهرت تقارير استخباراتية أمريكية تؤكد انخراطاً روسياً متصاعداً دعماً لإيران، لكن ضمن سقف محسوب بدقة. فقد زودت موسكو طهران بصور أقمار صناعية عالية الدقة، ومعلومات استخباراتية عن تحركات القوات الأمريكية، وخبرات في تطوير دقة المسيرات . هذا التعاون، الذي يأتي ضمن معاهدة الشراكة الاستراتيجية الموقعة في يناير 2025، يُترجم جميل إيران السابق بتزويدها روسيا بمسيّرات "شاهد" خلال حرب أوكرانيا . لكن السؤال الأهم: هل تدخل روسيا الحرب فعلاً؟ تشير تصريحات الكرملين المتوازنة إلى أن موسكو تضع خطوطاً حمراء واضحة. فهي تكتفي بإدانة "العدوان" والتعبير عن "خيبة الأمل"، مع الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع واشنطن بشأن ملفات أخرى (مثل أوكرانيا) . كما أن معاهدة الشراكة مع إيران لا ترقى إلى مستوى "اتفاق دفاع مشترك" يُلزم موسكو بالتدخل العسكري المباشر . لذلك، يمكن قراءة الموقف الروسي على أنه "دعم بقاء لا دعم نصر"، أي ضمان عدم انهيار النظام الإيراني، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة قد تكلف موسكو غالياً وتُفقدها أوراق ضغط مهمة في مسار التفاوض الأوكراني . بالمقارنة مع روسيا، يبدو الموقف الصيني أكثر تحفظاً، وأكثر تركيزاً على حماية المصالح الاقتصادية. بكين التي تشتري حوالي 85-90% من صادرات النفط الإيرانية (عبر أساطيل "شبحية")، لا يمكنها أن تبقى مكتوفة الأيدي وهي ترى شريان طاقتها مهدداً . مع ذلك، ترفض الصين حتى الآن تقديم دعم عسكري فتاك، وتكتفي بإدانة "تغيير النظام" في المحافل الدولية (مجلس الأمن)، مع احتمال توفير قطع غيار ودعم مالي محدود . السبب بسيط: استثمارات الصين في السعودية والإمارات تتجاوز بكثير استثماراتها في إيران، كما أن زعزعة استقرار الخليج ستضر بمشروعها الطموح "الحزام والطريق" . الاستراتيجية الصينية تقوم على "النفس الطويل". فهي تراقب عن كثب، وتستعد للعمل مع أي جهة قد تحكم إيران "ما بعد الحرب"، مع إبقاء الولايات المتحدة منشغلة في مستنقع شرق أوسطي جديد، وهو ما يخدم هدفها الأكبر في آسيا . مع دخول الحرب أسبوعها الرابع، تتعدد الاحتمالات وفقاً لتفاعل ثلاثي الأبعاد: الميداني، السياسي، والدولي. 1. حرب استنزاف طويلة (الأكثر ترجيحاً): يبدو هذا السيناريو هو المسار الطبيعي للأحداث. فشل الخطة الأمريكية في تحقيق "النصر السريع"، وتحول الحرب إلى معركة إرادات . إيران تواصل استنزاف الخصم عبر إغلاق مضيق هرمز وضرب ناقلات النفط وشن هجمات غير متماثلة، معتمدة على صمودها الداخلي الذي يعتبره المحللون الإيرانيون "انتصاراً بحد ذاته" . 2. التصعيد الإقليمي (فتح الجبهات): إذا شعرت القيادة في طهران أن النظام ذاته في خطر، فقد تلجأ إلى "كسر الطاولة" عبر تفعيل أوراقها الإقليمية. ذلك يعني دعوة "حزب الله" لتحويل جبهة لبنان إلى حرب شاملة وهو ما فعلته، وتكثيف هجمات الحوثي على المنشآت النفطية الخليجية، واستهداف القواعد الأمريكية في العراق وسوريا بشكل غير مسبوق . 3. الاجتياح المحدود (لعبة جزيرة خارك): التلويح الأمريكي بالسيطرة على جزيرة خارك النفطية يشكل نقطة تحول خطيرة . هذا السيناريو، الذي يبدو أن الرئيس ترامب "منجذب" إليه وفق موقع "أكسيوس"، قد يمنح واشنطن ورقة ضغط اقتصادية قوية، لكنه سيكلفها ثمناً باهظاً. فالقوة الأمريكية التي تحتل الجزيرة ستكون عرضة للاستهداف المباشر من السواحل الإيرانية، وقد تجد نفسها في مستنقع دفاعي جديد . 4. التسوية المفاجئة (الانقسام الأمريكي - الإسرائيلي): مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية وارتفاع تكاليف الحرب، قد تعلن إدارة ترامب فجأة "تحقيق النصر" وتسعى لصفقة سياسية. هذا السيناريو سيلاقي معارضة إسرائيلية شرسة تريد إنهاء ملف إيران النووي و الصاروخي نهائياً، مما قد يضع الحلفاء في مواجهة مفتوحة ويخلق شرخاً استراتيجياً في العلاقة . الفرضية الأكثر إثارة للقلق، والتي قد تتحول إلى واقع إذا قررت واشنطن تجاوز كل الخطوط الحمراء وشنت غزواً برياً شاملاً أو إذا نجحت في احتلال المنشآت الحيوية وخنق النظام اقتصادياً بالكامل، هي اقتراب إيران من الانهيار العسكري. في هذه اللحظة الحاسمة، ستتحرك المشهدية التالية: التحول الروسي من "الدعم المحدود" إلى "الإنقاذ المباشر": موسكو التي كانت تكتفي بالمشورة الاستخباراتية، ستجد نفسها أمام اختبار وجودي. سقوط إيران سيعني انهيار أحد أهم أعمدة نظامها العالمي متعدد الأقطاب، وخسارة حليف رئيسي في الشرق الأوسط، وتعرض نفوذها في آسيا الوسطى والقوقاز لخطر وجودي. في هذه الحالة، من المرجح أن تتدخل روسيا بأنظمة دفاع جوي متطورة (إس-400) على وجه السرعة، وقد تلجأ إلى "متطوعين" أو قوات خاصة لحماية مراكز القيادة، في محاولة لتكرار سيناريو إنقاذ النظام السوري عام 2015، وإن كان ذلك بمخاطرة أكبر بكثير. الصين: كسر الحياد واستخدام حق النقض (الفيتو) النووي: بالنسبة لبكين، انهيار إيران يعني فقدانها لمصدر طاقة موثوق خارج سيطرة الأساطيل الأمريكية، وتوجيه ضربة قاتلة لمصداقيتها كحامية لحلفائها. عند نقطة الخطر الأقصى، ستتحرك الصين بقوة على المسار الدبلوماسي والقانوني، مستخدمة حق النقض في مجلس الأمن لشل أي شرعية دولية للغزو، وممارسة ضغوط اقتصادية هائلة على دول الخليج لمنع استخدام أراضيها منطلقاً للعمليات البرية. قد تقدم دعماً مالياً "غير محدود" لطهران لشراء الوقت، وتهدد ضمنياً بعرقلة ملفات دولية أخرى تهم واشنطن (كوريا الشمالية، تغير المناخ) ومن الممكن أن تزود إيران بأسلحة جوية فتاكة قد تؤثر في مسار الحرب عن طريق روسيا. الخيار الإيراني النهائي: الفوضى البناءة أو "السلاح النووي": إذا شعرت القيادة في طهران أن السقوط أصبح مسألة أيام، فستكون أمام خيارين جهنميين: · "الخيار الأفغاني": فتح الأبواب أمام الفوضى، وسحب القوات النظامية من الجبهات، وتحويل البلاد إلى ساحة حرب عصابات لا تُقهر. ستتحول المدن الإيرانية إلى كابول جديدة، تغرق قوات الاحتلال في مستنقع لا نهاية له. "الخيار الكوري الشمالي" (الرهان النووي): قد تلجأ القيادة إلى السباق نحو القنبلة بشكل علني وحاسم، معلنة انسحابها من معاهدة حظر الانتشار، وإجراء تفجير نووي تجريبي سريع، بهدف تحويل نفسها إلى "كوريا شمالية جديدة" لا يمكن المساس بسيادتها. هذا السيناريو هو بمثابة "كعب أخيل" الاستراتيجية الأمريكية، لأنه سيحول النصر العسكري الوشيك إلى كابوس إشعاعي وصراع عالمي مفتوح. يقف الصراع اليوم عند مفترق طرق حقيقي. أثبتت الأسابيع الثلاثة الأولى أن التفوق الجوي لا يضمن النصر السياسي، وأن صمود إيران (بمساعدة غير مباشرة من شركائها) أعاد خلط الأوراق . لكن التصعيد العسكري الأمريكي نحو احتلال جزيرة خارك أو شن عملية برية محدودة، قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً. في هذه اللحظة، تبقى لعبة الوقت والنفط والذخائر هي الفيصل. وإذا وصلت إيران إلى حافة السقوط، فلن يكون المشهد مجرد تغيير نظام في طهران، بل دخول المنطقة في عصر جديد من الفوضى والمواجهات الدولية المفتوحة التي قد تعيد رسم خريطة العالم بأسره.
#ادم_عربي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
وهم الدولة المقدسة!
-
مرافئ العبث!
-
مدخل لفهم الديالكتيك!
-
رثاء الحضارة!
-
الحرب على إيران!
-
الإرادة مثالياً ومادياً!
-
جنازة الضوء!
-
مشاعر الكراهية للآخر!
-
حين يولد الزمن مرتين!
-
في كزمولوجيا الأرض!
-
بعض من فلسفة التربية!
-
قراءة ماركسية في وهم معاصر!
-
في وهم الصنمية الاقتصادية!
-
الجماعية بوصفها شرطاً للفعل والتغيير!
-
ماذا تعني المناورة في مضيق هرمز الآن ؟!
-
ومضات فلسفية!
-
ماركس يتحدى خصومه
-
الإنسان قيمة تربوية!
-
حين يرفع ترمب العلم الأمريكي فوق العالم!
-
الحرب على إيران: من يمنع السقوط… ومن يتركها تنزف؟
المزيد.....
-
هكذا رد ترامب على صحفي ياباني حول سبب عدم إبلاغ أمريكا بلاده
...
-
حفلات عيد الفطر في الرياض وجدة وأبوظبي
-
هجوم في وضح النهار.. مشهد صادم لشخص يعتدي على منظم عبور أمام
...
-
ترامب: قلت لنتنياهو ألا يهاجم منشآت الطاقة في إيران.. ولن يف
...
-
-في مدرسة الديكتاتورية-: كتاب مصور عن ما عاشه السوريون تحت ح
...
-
الجزيرة نت ترصد رؤية الشارع الإيراني للحرب على طهران
-
صواريخ متشظية وحريق بمصفاة حيفا.. ماذا تخفي إسرائيل عن خسائر
...
-
شاهد.. هجوم إيراني يصيب مصفاة نفط في حيفا
-
6 دول تعلن استعدادها لتأمين مضيق هرمز
-
رئيس وزراء لبنان: نرفض منطق الساحات المفتوحة وأولويتنا وقف ا
...
المزيد.....
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
المزيد.....
|