أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ادم عربي - بعض من فلسفة التربية!















المزيد.....

بعض من فلسفة التربية!


ادم عربي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 20:02
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لقد أبدع المتنبي حين قال :
"وتصغر في عين العظيم العظائم، وتعظم في عين الصغير الصغائر"
لم يكن يطلق حكمة عابرة، بل كان يضع إصبعه على قانون نفسي تربوي عميق ؛ الأشياء لا تكبر أو تصغر بذاتها، بل بحجم الإنسان من الداخل ، فالإنسان بفعله يبدو عظيماً أو يبدو صغيراً.
فالعظمة أو الضآلة ( الصغارة) ليستا صفتين جسديتين ولا طبقيتين، بل هما حصيلة تربية. والإنسان، في جوهره، هو نتاج ما تشكّل به ومن خلاله. فبحسب نوع التربية التي يتلقاها تتحدد زاوية نظره إلى العالم، وطريقة تعامله مع تقلبات الحياة، ومقدار صلابته أمام ما يطرأ على بيئته من تغيرات.
والتربية هنا لا تعني المدرسة وحدها، ولا الأسرة فحسب، بل تعني كل ما يمر به الإنسان من تجارب، وكل ما يترسب في وعيه من أفكار ومعتقدات وعادات. إنها عملية مستمرة لا تتوقف إلا بتوقف الحياة نفسها. فهي تتغير كما ونوعا، وتتبدل مع تبدل الخبرات، وتتعمق أو تضعف بحسب ما يفعله الإنسان بما يعيشه.
في أحد معانيها الدقيقة، التربية هي القدرة على تحويل التجربة إلى درس. فالتجربة التي لا تُثمر وعيا جديداً لا قيمة لها. ومن يعيد الخطأ ذاته مراراً دون أن يتعلم، إنما يكشف عن خلل في بنيته العقلية، لا في الظروف وحدها.
قيمة الإنسان التربوية تتجلى بوضوح في لحظة الاختبار حيث تتجلى في:
كيف يواجه المشكلة؟
كيف يزن الأمور؟
كيف يحكم على الوقائع؟
فكم من مشكلة تافهة أسقطت إنسانا، وكم من أزمة كبرى صقلت آخر وزادته قوة. المسألة ليست في حجم الحدث، بل في نوعية الاستجابة.
غير أن الإنسان في مجتمعنا غالباً ما يتلقى من التربية ما يجعله أقل قدرة على التكيف مع التحولات الاجتماعية. وحين يقع في مأزق، ولو كان  بسيطا، يظهر ضعيف الإرادة، سريع الاستسلام، وكأن المشكلات تُحل بالتجاهل أو بالاتكاء على قدرية تُلغي دوره وإمكاناته. فيتقلص إحساسه بنفسه حتى يكاد ينعدم.
ومسار النمو التربوي يمر بمرحلتين أساسيتين:
الأولى يتلقى فيها الطفل تشكيله من الأسرة والمدرسة.
أما الثانية ، وهي الأطول ، فيتولى فيها الإنسان إعادة تشكيل نفسه بنفسه. يمكن تسميتها بمرحلة العصامية التربوية للإنسان.
وهنا تكمن الصعوبة الكبرى؛ فإعادة التربية أصعب من التربية الأولى. فالصفحة البيضاء يسهل الكتابة عليها، أما الصفحة المزدحمة بالألوان والخطوط فتتطلب محوا وانتقاء وإعادة ترتيب.
الاختبار الحقيقي لبنية الإنسان التربوية يحدث عندما يُلقى فجأة في بيئة جديدة، خالية من الدعامات التي اعتاد الاتكاء عليها. هناك، بعيداً عن الألفة والمساندة، ينكشف الوزن الحقيقي. تتهاوى الأوهام أو تتأكد الحقائق. قد يكتشف شخص كان يرى نفسه موسوليني أنه بالكاد قادر على إدارة ذاته. ولا يغتسل من هذا الوهم إلا إذا قبل الدرس وخرج من التجربة بوعي جديد.
البيئة الجديدة تعمل كمرآة كاشفة. تحت ضغطها تظهر الطاقات الكامنة، وتتغير الصفات تدريجيا، ويتشكل سلوك جديد يواكب الواقع. ومن أبرز علامات القوة التربوية القدرة على التكيف السريع مع التحولات الأساسية. فالمرونة ليست ضعفا، بل ثمرة تربية فكرية وسلوكية عميقة.
والحياة، في جوهرها، ليست سوى تطبيق عملي لفلسفة ما، سواء وعينا ذلك أم لم نعه. فكل سلوك يصدر عنا يعكس تصوراً  فلسفيا ضمنياً . حين يشتعل حريق في بيتٍ ما على سبيل المثال، فإن طريقة التعامل معه ، أي الحدث،  إطفاؤه مباشرة، أو الاكتفاء بالدعاء، أو الجمع بين الفعل والدعاء ، تكشف عن رؤية للعالم، عن تصور للعلاقة بين الإنسان والقدر ، انها نوع من الفلسفة لهذا الشخص.
حتى الموقف من الموت نفسه نتاج فلسفة. المحارب الذي يؤمن بأن أجله محدد بإرادة إلهية لا تتقدم ولا تتأخر كما المحارب المسلم قديما، يستمد من هذا الاعتقاد شجاعة استثنائية في القتال ويسترخص المقاتل حياته بل يذهب إلى المعركة كأنه ذاهب الى مباراة كرة قدم. فهو يرى الموت قدرا لا يملكه البشر. أما من يعتقد أن الموت احتمال مرجح في ساحة القتال ، أي من لا يمتلك هذه القناعة،  فتتسلل إلى سلوكه رهبة تقلل من جرأته على القتال .
ولهذا كان الإيمان العميق ، كما عند بعض القادة التاريخيين  مثل كرمويل ، حيث كان يعتقد أن كل شئ مربوط بمشيئة الله ، يضاعف القوة المعنوية أضعاف القوة المادية.
وفي لحظات تاريخية عصيبة، حين حاصر الموت جماعات بشرية يونانية قديمة مما جعل الكثير منهم يموت خوفاً، طوّر بعض الفلاسفة اليونان رؤية جديدة مفادها لا معنى للخوف من الموت، لأننا ما دمنا أحياء فهو لم يحدث بعد، وإذا حدث فلن نعيه. هذا التصور الفلسفي خفف الذعر، ومنح الناس قدرة نفسية على التماسك في وجه المصير المحتوم وفي ساحات القتال.
حتى مفاهيم "الحلال" و"الحرام" في حياتنا اليومية ليست مجرد أحكام، بل محددات تربوية تشكل سلوكنا. فكم من فعل نرغب فيه فنكف عنه لأنه محرم، وكم من فعل لا نرغب فيه لكننا نقوم به لأنه واجب. ولو اختفى هذا الميزان من تربية الإنسان، لتحولت المصلحة الشخصية والرغبة إلى المعيار الوحيد. وهكذا يتبدل السلوك بتبدل المرجعية الفلسفية والأخلاقية.
نحن نرى بأعيننا كيف يحول بعض الناس الحبة إلى قبة، وكيف يستصغر آخرون حتى المصائب. وقد بين علماء النفس أن الانشغال بالقضايا الكونية الكبرى ،او ما يسمى بالقلق الوجودي  يخفف من وطأة القلق اليومي. فمن ينظر إلى الكون في نشأته ومصيره، يرى مشكلاته الخاصة في حجمها الحقيقي، ويكتسب توازناً يحميه من اضطرابات كثيرة.
لو تلقى الإنسان تربية تصرف ذهنه عن صغائر الأمور، وعن لذة تتبع أخبار الناس الشخصية، لارتفع مستوى وعيه. فالناس ، من حيث حديثهم  ، انواع:
هناك من يشغلون أنفسهم بأخبار الأشخاص وتفاصيل حياتهم
ونوع آخر ممن  يتحدثون عن الأشياء
ونوع راق ،  يرتقون إلى مستوى المبادئ في التفكير والعمل.
ومشكلتنا أن هناك  فئة واسعة جداً تعيش على استهلاك التفاصيل التافهة وهي من النوع الأول كما ذكرنا، وكأنها شرط الحياة ذاته حيث يجدون أنفسهم في هكذا حال.
ومن تشوهات التربية أيضاً ما أصاب مفهوم الرجولة. فالعبوس يُقدم أحياناً  كعلامة قوة، وكبت المشاعر يُحسب وقارا. فيُحرم الأبناء من دفء التعبير العاطفي، ويستأسد الرجل في بيته تعويضاً  عن ضعف خارجه. يقود سيارته بتهور ليبرهن على شجاعة زائفة، ثم يتحول عند أول مساءلة إلى صورة أخرى تماماً.
إنه استئساد في غير موضعه، وتلاشي عند الامتحان الحقيقي.
لقد أنتجت فينا التربية السائدة هشاشة فكرية وأخلاقية وحضارية. زرعت فينا تناقضاً  بين الصورة التي نتخيلها عن أنفسنا والواقع الذي نعيشه. حتى غدونا، في كثير من الأحيان، كائنات تتوهم القوة بينما تتداعى عند أول احتكاك جاد بالحياة.
ومن هنا تصبح إعادة النظر في بنيتنا التربوية ، شكلاً ومضموناً  ، ضرورة وجودية لا رفاهية فكرية. لأن الإنسان، في النهاية، ليس ما يدّعيه، بل ما تكشفه مواقفه حين يُمتحن.



#ادم_عربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة ماركسية في وهم معاصر!
- في وهم الصنمية الاقتصادية!
- الجماعية بوصفها شرطاً للفعل والتغيير!
- ماذا تعني المناورة في مضيق هرمز الآن ؟!
- ومضات فلسفية!
- ماركس يتحدى خصومه
- الإنسان قيمة تربوية!
- ‎حين يرفع ترمب العلم الأمريكي فوق العالم!
- الحرب على إيران: من يمنع السقوط… ومن يتركها تنزف؟
- حين يصبح الفكر بضاعة!
- شيء من فلسفة الحقيقة!
- تفكيك أسطورة الجوع العالمي!
- على كتف النهر!
- عتمة الضوء!
- في الموت والحياة!
- في الحب والزواج!
- في التسيير والتخيير...هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟
- أزمة النظام العالمي!
- أزمة الزواج في مجتمعاتنا!
- التطور الأخلاقي والقتل الإنساني!


المزيد.....




- ما تفاصيل أسوأ إطلاق نار في مدرسة في كندا؟
- بايرن يسابق الزمن لتحصين هاري كين أمام العروض السعودية
- اليمن: صنعاء تستعد لاستقبال رمضان على طريقتها الخاصة
- شاهد.. اشتباكات بالأيدي في البرلمان التركي اعتراضا على تعيين ...
- الأمين العام للناتو: أي اعتداء على الحلف سيقابل -برد مدمر-
- -فخ الكاميرا-.. لغز اختطاف والدة سافانا غوثرين يشعل المنصات ...
- كيف علق النشطاء عل محاولة اغتيال الرئيس الكولومبي؟
- رغم تحذيرات واشنطن.. المالكي يتمسك بالترشح لرئاسة وزراء العر ...
- متى تتحول العادات المتكررة إلى وسواس قهري؟
- ماذا تغيّر فعليا بعد اتفاق الحكومة السورية و-قسد-؟


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ادم عربي - بعض من فلسفة التربية!