ادم عربي
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 00:05
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
بقلم : د. ادم عربي
يسود اليوم اعتقاد واسع، يكاد يتحول إلى بديهة، مفاده أن الرأسمالية في طورها الاحتكاري ، خصوصاً في عصر التكنولوجيا والمنصات الرقمية ، قد نجحت في تجاوز أحد أكثر قوانين ماركس إزعاجا وكاشفا لأزمات الرأسمالية وهو قانون ميل "معدل الربح" إلى الانخفاض.
ويُقال أيضاً أن الاحتكار، بما يتيحه من تسعير قسري وهيمنة سوقية، قد عطّل المنافسة، وحرر الربح من قيوده، وجعل الحديث عن أزمات بنيوية مجرد بقايا فكرية من القرن التاسع عشر عفى عليها الزمن وأن ماركس كان في ظلال مبين، وأن كل همه غير النبيل هو الإطاحة بالراسمالية و النيل من السلم الأهلي، والكثير الكثير قد قيل في شيطنة هذا الرجل .
غير أن هذا الاعتقاد لا يصمد أمام أبسط عودة إلى ما قاله ماركس حقا، لا إلى ما يُنسب إليه سواء عن قصد أو غير قصد.
ماركس في رأس المال " المجلد الثالث" ، لا يتحدث عن الربح بوصفه رقماً للمحاسبة او محاسبيا، بل بوصفه شكلا متحولا لفائض القيمة، وهذا الأخير لا ينبع إلا من "العمل الحي". ومن هنا ينطلق قانونه الشهير القائل كلما تطورت الرأسمالية، وارتفعت إنتاجية العمل، وازدادت حصة الآلات والتكنولوجيا في العملية الإنتاجية، انخفض "معدل الربح تاريخياً"، لا لأن الاستغلال تراجع، بل لأن مصدر القيمة نفسه بات يُضغط نسبياً.
يقول ماركس في رأس المال، المجلد الثالث:
"ليس انخفاض معدل الربح ناتجاً عن انخفاض درجة استغلال العمل، بل عن تطور قوى الإنتاج الاجتماعية للعمل."
هذا هو الأساس الذي يُطمس في النقاشات المعاصرة ، والتي عجزت عن استيعاب أفكار ماركس وبالتالي رمتها بالعجز.
ولفهم الوهم الاحتكاري، يكفي أن ننزل من التجريد إلى مثال متخيَّل على أرض الواقع في الإنتاج الرأسمالي.
تخيّل رأسمالي يملك مصنعاً ضخماً يحتكر قطاعا كاملاً، كصناعة الإسمنت مثلاً. السوق كله تحت سيطرته، المنافسون أُقصوا من الميدان، الأسعار يفرضها كما يشاء. في الظاهر، يبدو كأنه خرج من منطق السوق ومن قوانين ماركس معا. أرباحه كبيرة، واستثماره يتوسع، ولا شيء يهدد موقعه او ربحه.
لكن هذا الرأسمالي، لكي يحافظ على احتكاره، لا يملك خيارا سوى الاستثمار المستمر في الآلات الأحدث، والخطوط الأسرع، والتقنيات التي تقلّص عدد العمال. رأس المال الثابت عنده يتضخم باستمرار، ورأس المال المتغير ، أي العمل الحي ، يتراجع نسبياً.
هنا يحدث التناقض الذي لا يراه إلا من يحتاج كثير من الأدلة على وضوح النهار:
الربح موجود، بل قد يزداد ككتلة، لكن "معدل الربح"، أي نسبته إلى مجموع رأس المال المستثمر، يتعرض للضغط.
مع ملاحظة مسألة ذات أهمية كبرى وهي أن الربح الفاحش المتأتي من مصنعه ليس هو الربح الحقيقي وانما استوى على معظمه من مصانع متخلفة عنه تكنولوجيا.
الاحتكار لم يُلغِ القانون، بل جعله يعمل في العمق، بعيداً عن العين لكنه ظاهر لكل من هضم وتمثل أفكار ماركس.
ماركس يذكرنا بحقيقة لا يمكن تجاوزها وهي أن
"فائض القيمة لا يمكن أن ينشأ إلا من العمل الحي."
رأس المال، المجلد الثالث
وبالتالي فإن رفع الأسعار لا يخلق قيمة.
الاحتكار لا يُنتج فائض قيمة جديدة، بل يعيد توزيع فائض القيمة الاجتماعي، ويستولي على حصة أكبر منه.
وهذا الاستيلاء لا يلغي القانون، بل يؤجله ويُخفيه.
ربما هذا المصنع في المثال أعلاه بما يحويه من رأس مال ثابت وضخم ورأس مال متغير ضئيل قد حصل نظرياً على ربح متأتي من عماله ولنقل مليون دولار لكنه حصل على ربح فعلي مقدارة مليوني دولار وهذه الزيادة هي فائض قيمة من مصانع أخرى متخلفة عنه تكنولوجيا
لكن قد يُقال هذا مثال صناعي قديم، فماذا عن الرأسمالية الجديدة؟
ماذا عن التكنولوجيا؟
فلننتقل إذن إلى مثال آخر، هو اليوم مصدر الوهم الأكبر.
تخيّل رأسماليا لا يملك مصنعاً بالمعنى التقليدي، بل يملك منصة تكنولوجية عملاقة ؛ شركة تحتكر سوق الإعلانات الرقمية، أو التجارة الإلكترونية، أو البيانات. لا مصانع تقليدية، عدد العمال قليل، والأرباح فلكية. هنا يُقال إن ماركس لم يعد صالحاً، لأن القيمة نفسها تغيرت ، أليس هذا ما يرددونه ليل نهار! .
غير أن هذا الادعاء يقوم على إسقاط شكل القيمة على جوهرها.
هذا الرأسمالي التكنولوجي، كي يحافظ على احتكاره، مُجبر على استثمارات هائلة في الخوادم، مراكز البيانات، البنية التحتية الرقمية، البحث والتطوير، والسباق المحموم على الابتكار.
رأس المال الثابت هنا لا يتراجع، بل يبلغ مستويات غير مسبوقة.
أما العمل الحي، فيُضغط، ويُختزل، ويُعاد توزيعه عالمياً عبر العمل المرن، والعمل غير المستقر، وسلاسل التوريد الرقمية.
إن القيمة لا تُخلق في "الخوارزمية" ذاتها، بل في العمل البشري الذي ينتجها ويشغلها و يمدّها بالبيانات أو عمل في قطاعات أخرى تُمتص قيمتها عبر المنصة.
إن القيمة لا تُخلق في "الخوارزمية" ذاتها، فهذه الأخيرة ليست كيانا مستقلاً عن العمل البشري، بل شكل من أشكال العمل المتجسد والمخزن، شبيه بالآلة في المصنع. هي تنقل ما تختزنه من قيمة، لكنها لا تُنتج فائض قيمة جديداً.
أما فائض القيمة، فلا ينتج إلا من العمل الحي ، من العمال الذين يطورون النظام ويشغلونه ويغذونه بالبيانات، ومن العمل الاجتماعي الأوسع الذي تُعيد المنصة تنظيمه والسيطرة عليه. وما يبدو كأن الخوارزمية تخلقه من قيمة ليس سوى نتيجة لاحتكار هذا العمل وتكثيفه وتحويله إلى ربح ريعي.
وهنا يتأكد ما قاله ماركس:
"ما يبدو كربح فوق العادة في قطاع معين، ليس إلا اقتطاعا من فائض القيمة الاجتماعي العام."
رأس المال، المجلد الثالث
إن الربح الاحتكاري في التكنولوجيا ليس نفيا لقانون القيمة، بل تعبير عن تحوّل القيمة إلى شكل ريعي وطفيلي ، لكن ، كل القطط في الليل تبدو رمادية ، أليس كذلك؟! .
الأزمة لا تختفي، بل تنتقل من الإنتاج إلى المال، من المصنع إلى المنصة، من القيمة إلى الفقاعة.
فالأزمة في الرأسمالية لا تختفي حين تتراجع ربحية الإنتاج، بل تغيّر موضعها. حين يعجز المصنع عن تحقيق معدل ربح كاف، ينسحب رأس المال من الإنتاج ويتجه إلى المال، ومن السلعة إلى الورقة المالية، ومن القيمة المتحققة إلى القيمة المتخيلة. هكذا تنتقل الأزمة من أرض المصنع إلى فضاء المنصات والأسواق المالية، حيث تتضخم الأرباح الورقية وتتشكل الفقاعات. لكن ما يبدو ازدهاراً جديداً ليس سوى تأجيل للأزمة، إلى أن تنفجر بشكل أعنف، كاشفة أن القيمة لم تُخلق، بل وُعِد بها فقط.
ولهذا يبدو وكأن قانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض لا يعمل، بينما هو في الحقيقة يعمل على مستوى النظام ككل، لا على مستوى شركة بعينها.
ماركس كان واعياً لهذا الوهم حين تحدث عن العوامل المضادة حيث قال :
"إن ميل معدل الربح إلى الانخفاض يُواجَه بعوامل مضادة تعوقه أو تُبطئه، دون أن تلغيه."
رأس المال، المجلد الثالث
الاحتكار صناعياً كان أم تكنولوجيا أحد هذه العوامل.
هو قناع تاريخي، لا إلغاء للقانون.
ولهذا، فإن الاحتكار لا يشكّل لحظة تجاوز لماركس، بل لحظة تأكيد له.
في الرأسمالية الاحتكارية الحديثة، وخاصة في قطاع التكنولوجيا، لا ينهار قانون ميل معدل الربح للانخفاض. تخيل منصة رقمية عملاقة تحتكر سوق الإعلانات أو التجارة الإلكترونية ، عدد العمّال قليل، الأرباح فلكية، ولا يبدو أن شيئاً يضغط على ربحيتها. لكن خلف هذا النجاح الظاهر، يستمر نفس التناقض الأساسي الذي حدده ماركس ،و للحفاظ على احتكاره، يضطر الرأسمالي التكنولوجي إلى استثمارات هائلة في الخوادم، مراكز البيانات، البحث والتطوير، والبنية التحتية الرقمية. رأس المال الثابت يتضخم بشكل كبير، بينما رأس المال المتغير ، أي العمل الحي الذي يولد فائض القيمة ، يظل محدود أو يتعرض للضغط والإعادة التوزيع عالمياً. النتيجة: الربح يزداد ككتلة، لكن "معدل الربح"، نسبة فائض القيمة إلى مجموع رأس المال المستثمر، يتعرض لضغوط هبوطية واضحة. وهكذا، حتى الاحتكار التكنولوجي لا يخلق فائض قيمة جديدة، بل يعيد توزيع فائض القيمة الاجتماعي ويؤجل ظهور تناقض معدل الربح، مؤكداً أن القانون لا يُلغى، بل يعمل "في العمق" كما وصفه ماركس في المجلد الثالث من رأس المال:
فالرأسمالية، حين تعجز عن الحفاظ على ربحيتها عبر التوسع الطبيعي، تلجأ إلى الاحتكار، والريع، والمال، والتكنولوجيا، لا لتجاوز تناقضها، بل لتأجيل انفجاره.
الاحتكار إذن ليس شهادة قوة، بل اعتراف أزمة.
وليس نفيا لقانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض، بل أحد أكثر أشكاله نضجاً في الرأسمالية المعاصرة.
إن الرأسمالية لا تهرب من قوانينها، بل تغيّر الأقنعة التي ترتديها، وكل احتكار جديد ليس إلا اعترافاً متأخراً بعجزها عن الإفلات من منطق القيمة.
#ادم_عربي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟