أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ادم عربي - وهم الدولة المقدسة!














المزيد.....

وهم الدولة المقدسة!


ادم عربي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 14:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم : د. ادم عربي
ليس هناك مفهوم سياسي أو اجتماعي يكتنفه هذا القدر من الغموض والالتباس مثل مفهوم الدولة. فقلما نجد فكرة تختلط فيها الأوهام بالحقائق، وتتقاطع عندها المصالح المتعارضة بين البشر، كما يحدث في هذا المفهوم، ولا سيما في عالمنا العربي.
في الخطاب السياسي والإعلامي السائد، كثيراً ما يُتحدث عن الدولة وكأنها مرادف للمجتمع أو الشعب أو الأمة أو الوطن. ويبدو الأمر كما لو أن الدولة هي التعبير الكامل عن الجميع، وأنها تمثل المصلحة العامة بصورة طبيعية وبديهية. وبعض المثقفين أو السياسيين، ممن يرغبون في توجيه نقد مقبول للسلطة دون تجاوز حدود معينة، يلجأون إلى التفريق بين الدولة والحكومة؛ فيسمحون لأنفسهم بانتقاد الحكومة بوصفها جهازاً بشرياً قابلاً للخطأ، بينما يحيطون الدولة بهالة من القداسة، كأنها كيان أعلى من النقد والمساءلة.
غير أن هذه الصورة ليست سوى وهم متقن الصنع. وهي وهم يُعاد إنتاجه وترسيخه في الوعي العام لأن فئات معينة تجد مصلحتها في استمرار هذا التصور. فالدولة تُقدم في المخيلة العامة باعتبارها كائناً سامياً يقف فوق المجتمع، حكماً عادلاً بين المتخاصمين، لا ينحاز إلا لما يحفظ التوازن ويصون المصلحة المشتركة للجميع.
لكن الواقع يختلف عن هذه الصورة اختلافاً جذرياً. فالدولة، خصوصاً في عالمنا العربي، ليست ذلك الكيان المتعالي الذي يمثل الجميع على قدم المساواة، بل هي في حقيقتها فئة محدودة من الناس، منظمة تنظيماً هرمياً محكماً، تفصلها مسافة واسعة عن عامة المجتمع. وهذه الفئة تحرص دائماً على الظهور بمظهر الممثل الشرعي للمجتمع بأسره، وتغلف سلطتها بشعارات المصلحة العامة وخدمة الوطن، حتى تبدو كأنها جزء طبيعي من المجتمع وليست سلطة قائمة فوقه.
ومع ذلك، فإن الصفات السامية التي تُنسب إلى الدولة لم تمنع في الواقع من تحويل هذه الملكية العامة المفترضة إلى ما يشبه الإرث العائلي. فبدلاً من أن تكون السلطة ملكاً للشعب وفق ما تقوله الدساتير، كثيراً ما جرى التعامل معها كما لو كانت تركة تنتقل من الأب إلى الابن ثم إلى الحفيد. وهكذا يُفهم "التداول السلمي للسلطة" أحياناً باعتباره انتقالاً للسلطة داخل السلالة نفسها، لا بين المواطنين الأحرار.
وفي الأصل، لم تكن السلطة لتستقر في أيدي هؤلاء لولا سيطرتهم المحكمة على أدوات القوة وهي الجيش، والأجهزة الأمنية، وسائر مؤسسات القهر. فهذه الأدوات هي الطريق الحقيقي إلى الحكم، وهي أيضاً الضمانة الأساسية للبقاء فيه. ومن يصل إلى السلطة بالقوة غالباً ما يحافظ عليها بالقوة، ولا يغادرها إلا حين تظهر قوة أخرى قادرة على إزاحته.
غير أن التحولات الاقتصادية في العقود الأخيرة أضافت بُعداً جديداً إلى هذه الصورة. فقد تسللت الروح التجارية إلى قلب السلطة، حتى أصبح كثير من رجال الدولة يجمعون بين دور الحاكم ودور التاجر أو رجل الأعمال. ومع هذا التداخل أخذت الحدود بين السياسة والتجارة تتلاشى، فصار من العسير التمييز بين رجل الدولة ورجل الأعمال.
وفي هذا المناخ، أصبح ما هو عام من ممتلكات المجتمع هدفاً مغرياً للاستثمار والخصخصة. فالمؤسسات التي كانت تُعد ملكاً للجميع باتت تُعرض للبيع تحت مسميات مختلفة، بينما يجني من وراء ذلك أرباحاً طائلة من يقفون في موقع القرار أو على مقربة منه.
وهكذا نشأ نوع من التحالف غير المعلن بين السلطة السياسية ورأس المال. فقد "تزوج" رجال الأعمال الدولة، بمعنى أنهم صاروا شركاء في مؤسسات الحكم والإعلام والتشريع، وفي الوقت نفسه دخل رجال السلطة عالم التجارة والأعمال. ونتيجة لذلك لم تعد السياسات العامة تُقاس دائماً بميزان المصلحة الوطنية، بل كثيراً ما تُقاس بميزان الربح والخسارة لفئة محدودة من أصحاب النفوذ.
ومع اتساع نطاق العولمة، ازدادت المسافة بين الدولة والمجتمع. فالدولة التي كان يفترض أن تستمد شرعيتها من شعبها أخذت تنسج علاقاتها ومصالحها خارج حدود المجتمع الذي تحكمه، حتى بدا الأمر أحياناً وكأن جذورها لم تعد مغروسة في تربة الوطن بقدر ما هي ممتدة في تربة المصالح الخارجية.
وبهذا المعنى تحولت الدولة، في نظر كثيرين، من أداة لحماية المجتمع وتمثيل مصالحه في الخارج، إلى ما يشبه قناة لنفوذ الخارج داخل المجتمع. فلم تعد دائماً سفارة للشعب لدى العالم، بل بدت أحياناً كما لو كانت سفارة للعالم داخل بلدانها.
وهكذا انتهى الأمر بمفارقة مؤلمة؛ فقد أصبح الناس يحنون أحياناً إلى زمنٍ كانت فيه السلطة المحلية وحدها هي التي تمارس القهر عليهم، بينما باتوا اليوم يشعرون أن هذا القهر ذاته قد صار متشابكاً مع قوى ومصالح تتجاوز حدود أوطانهم.



#ادم_عربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرافئ العبث!
- مدخل لفهم الديالكتيك!
- رثاء الحضارة!
- الحرب على إيران!
- الإرادة مثالياً ومادياً!
- جنازة الضوء!
- مشاعر الكراهية للآخر!
- حين يولد الزمن مرتين!
- في كزمولوجيا الأرض!
- بعض من فلسفة التربية!
- قراءة ماركسية في وهم معاصر!
- في وهم الصنمية الاقتصادية!
- الجماعية بوصفها شرطاً للفعل والتغيير!
- ماذا تعني المناورة في مضيق هرمز الآن ؟!
- ومضات فلسفية!
- ماركس يتحدى خصومه
- الإنسان قيمة تربوية!
- ‎حين يرفع ترمب العلم الأمريكي فوق العالم!
- الحرب على إيران: من يمنع السقوط… ومن يتركها تنزف؟
- حين يصبح الفكر بضاعة!


المزيد.....




- هل ستساعد دول آسيا الولايات المتحدة في إعادة فتح مضيق هرمز؟ ...
- كيف ردت إيران على طلب ترامب مساعدة دول أخرى لتأمين مضيق هرمز ...
- هل اهتزت صورة دبي اللامعة بسبب الحرب؟
- مقتل عنصرين من المعارضة الكردية الإيرانية في هجوم بطائرة مسي ...
- البحر الأسود: الحكومة اليونانية ترفع حالة تأهب بعد الهجوم عل ...
- إسرائيل تعلن إعادة فتح معبر رفح جزئياً وسط أزمة إنسانية في غ ...
- اتفاقيات سلام واتصالات خلف الكواليس.. إسرائيل ترتب لشرق أوسط ...
- إسرائيل تعلن بدأ عمليات برية محدودة ضد حزب الله في لبنان
- الانتخابات البلدية في فرنسا.. جس لنبض الفرنسيين قبل الانتخاب ...
- استهداف مجمّع مطار بغداد الذي يضم قاعدة عسكرية ومركزا دبلوما ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ادم عربي - وهم الدولة المقدسة!