أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ادم عربي - الإرادة مثالياً ومادياً!















المزيد.....

الإرادة مثالياً ومادياً!


ادم عربي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 20:55
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بقلم : ادم عربي
على الرغم من الأهمية الهائلة لمفهوم الإرادة في حياة الإنسان اليومية وفي صناعة التاريخ، فإنها لم تنل بعد ما يكفي من الجهد العلمي الذي يرفع مستوى الدقة في تعريفها وفهمها. وما زال كثيرون يتعاملون معها بفهمٍ بعيد عن المنطق العلمي.
عند النظر إلى الإرادة نجد اتجاهين متطرفين من البشر:
نوع من البشر  يبالغ في تقديرها حتى يجعلها كلَّ شيء، قادرة على تحويل المستحيل إلى ممكن؛
ونوع آخر  يُفرِّغها من معناها، فيجعلها وهماً خالصاً، بحجة أن الإنسان مُسيَّر، لا يفعل إلا ما كُتب له سلفاً، وكأنه نهر لا يملك تغيير مجراه أو مساره ، رفعت الأقلام وجفت الصحف.
في هذا السياق، أشار فريدريش نيتشه إلى الجدل الشرقي المزمن حول التسيير والتخيير، وحول القضاء والقدر وعلاقتهما بالإرادة الحرة للبشر. وعلّق ساخراً  بأن من يؤمن بالقضاء والقدر ينبغي له ، إذا التزم منطقه ، أن يعتبر إرادته الحرة نفسها جزءا من هذا النظام القدري. أي إن منطق القدر لا يلغي الإرادة، بل يدمجها ضمن منظومته ، فهل في وسع شخص أن يأتي بما يخالف علم الله الأزلي؟.
نيتشه لم يكن من دعاة إلغاء الإرادة الحرة للبشر، بل على العكس، بالغ في تمجيدها. فقد أراد للإنسان أن يرتقي إلى منزلة عليا ، بمثابة الإنسان الإله،  إنسانٍ متفوق لا يتحقق إلا عبر إرادة قوية، حرة، مُحرِّرة. غير أن قراءتي لتعليقه توحي بأنه يسخر من محاولة الجمع بين التسيير  والتخيير ، وكأنهما لا يلتقيان حسب مفهوم الشرقيين.
إن الإرادة عظيمة، وبنفس الوقت حرية الإرادة أعظم؛ لكنها تصبح سخيفة إذا فُهمت فهماً مثالياً منفصلاً عن الواقع. وأرى أن أصدق تعريف لها هو العبارة الشهيرة: "الحرية هي وعي الضرورة."
إذا فهم الإنسان حرية الإرادة على أنها القدرة على فعل كل ما يرغب فيه، فإنه في الحقيقة يمهد طريق العبودية لنفسه . فبحسب هذا الفهم، يكون الإنسان حراً إذا استطاع تنفيذ كل ما يشتهي، ويكون فاقد الحرية إذا عجز عن تحقيق رغبته. لكن هذا تعريف مثالي ساذج.
النتيجة الحتمية لهذا الفهم هي العجز أو الهلاك، تماماً كما هو حال من يستسلم لفكرة أن كل شيء مكتوب فلا جدوى من السعي. كلا الطرفين ، المتوهم الحرية المطلقة والمستسلم للقدر ، يلتقيان في العجز.
الإرادة  تبدأ في  أن تريد شيئاً ما ، ثم تعزم عليه. لكن هل يكفي التمني لنيل المطالب؟
الرغبة والتصميم يظلان شبيهين بالتمني إن لم يتحولا إلى سعي وعمل وصراع واقعي. فالإرادة تتضمن دائماً هدفاً، ولها وجهان: القرار والتنفيذ.
ومن خلال تجربتنا، أفراداً وجماعات، نتعلم سؤالين أساسيين:
ماذا نريد؟
وكيف نصل إلى ما نريد؟
وتعلمنا التجربة أيضاً أن المبدأ الميكيافلي القائل بأن "الغاية تبرر الوسيلة" لا يصلح أساساً للإرادة السليمة. فالوسيلة لا تنفصل عن الغاية،  بل ينبغي أن تكون من جنسها،  طبيعة الهدف تفرض طبيعة الوسيلة.
الإرادة تحتاج إلى تدريب دائم. فالإرادة القوية قد تضعف، والإرادة الضعيفة قد تقوى. ولا توجد إرادة ثابتة القوة في كل الأمور؛ فشدة الإرادة ترتبط بدرجة أهمية الهدف في اللحظة الراهنة.
لكن الإرادة الحرة لا تولد إلا من الوعي. وهذا الوعي لا يصبح منتجاً للحرية إلا إذا كان وعياً بالضرورة. أما الضرورة ذاتها ، أي القوانين الموضوعية ، فليست من صنع إرادتنا.
لنفترض أنك تريد عبور نهر. وأنت لا تجيد السباحة، ولا تملك زورقاً.
إذا اعتبرت الحرية هي أن تفعل ما تشاء، فاقفز إلى النهر.لترى نتيجة وعاقبة من لا يعرف قوانين العوم في الماء.
عبور النهر يخضع لقوانين موضوعية لا علاقة لرغبتك بها . أنت لم تخلقها، ولا تستطيع إلغائها. كل ما يمكنك فعله هو اكتشافها والعمل بموجبها. جهلك بها يجعلك عبداً لها، أما وعيك بها فيمنحك قدرة السيطرة النسبية عليها.
فالقوانين الموضوعية هي التي تدلك على تعلم السباحة. وإذا كان النهر عريض بما يكفي لمنعك من أن تعبر النهر سباحة ، فعليك أن تصنع زورقاً. لكن حتى اختراع الزورق ليس فعلاً حراً بالمعنى المثالي، بل استجابة واعية لما تفرضه الضرورة.
لو حاولت أن تعاند هذه القوانين، ومشيت على الماء كما المسيح ، عندئذ تعرف عقوبة من يتجاهل أو من لا يعرف القوانين الموضوعية للأشياء.
إذن الحرية ليست في تجاهل القيود، بل في الامتثال الواعي لها. القيد الذي تدركه وتفهمه يصبح أداة في يدك، أما القيد الذي تجهله فيتحول إلى سيد عليك.
إن تاريخ البشر شاهد على ذلك.فقد كانوا قديماً عاجزين أمام فيضانات الأنهار المدمرة، فاستعاضوا عن فهم قوانينها باللجوء إلى التفسيرات الغيبية. ظلوا عبيداً للطبيعة إلى أن اكتشفوا قوانينها.
ورغب عباس بن فرناس في الطيران  ، حاول وفقد حياته وفشل، لم ينجح البشر إلا بعد اكتشاف قوانين الطيران الطبيعية وبناء وسائل تتفق معها.
حتى لو أردت إعداد كوب قهوة ، فإنك تخضع لقوانين موضوعية ؛ غليان الماء، وانحلال القهوة ، ولو رفض الماء الغليان، فلن تنفع إرادتك في صنع فنجان أو كوب قهوة .
في مثال عبور النهر يتضح أيضاً معنى التفاعل بين الذات والموضوع. وعيك بالقوانين الموضوعية يولّد شيئاً جديداً وهو الزورق ،  لا تصنعه الطبيعة وحدها ولا ينتجه الوعي وحده، بل ينشأ من تفاعلهما. وهكذا تتكون "البيئة الاصطناعية" التي يطورها الإنسان في تعامله مع الطبيعة ،والإنسان يسير في تغيير بيئة الطبيعية باستمرار منذ وجد على هذه الأرض.
بهذا المعنى تُحل إشكالية التسيير والتخيير. فالحرية ليست نقيض الضرورة، بل هي وعيها والعمل بموجبها.
بهذا المعنى، لا يعود سؤال التسيير والتخيير ساحة صراعٍ بين فكرتين متناقضتين، بل يتحول إلى فهمٍ أعمق لطبيعة الحرية نفسها. فالإنسان لا يعيش في فراغ، ولا يتحرك في عالم بلا قوانين. تحكمه قوانين الطبيعة، وتحكمه شروط المجتمع، وتحيط به ضرورات لا دخل لإرادته في نشأتها. فهو لم يختر قانون الجاذبية، ولم يختر حاجته إلى الطعام، ولم يختر أن يولد في زمنٍ دون زمن. هذه هي الضرورة.
لكن هذه الضرورة ليست سجناً مغلقاً، وليست قيداً أبدياً على الفعل. إنها إطار الواقع الذي يتحرك فيه الإنسان. فإذا جهل هذا الإطار خضع له خضوع الأعمى، وصار أسير ما لا يفهم. أما إذا وعاه، واكتشف قوانينه، وأدرك حدوده وإمكاناته، فإن علاقته به تتغير جذرياً. عندئذٍ لا تعود الضرورة قوة عمياء تسوقه، بل تصبح مادةً لفعله، وأداةً لتحقيق مقاصده.
الحرية، إذن، لا تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء بمعزل عن شروط الواقع، ولا أن يتحرر من القوانين الموضوعية التي تحكم العالم. فالتحرر من القانون وهم، لأن القانون ليس أمراً اختيارياً يمكن رفضه. الحرية الحقيقية تكمن في أن يعرف الإنسان هذا القانون، وأن يعمل في ضوئه، وأن يستخدمه بدلاً من أن يصطدم به.
من يجهل قوانين البحر يغرق فيه، ومن يعرفها يستطيع أن يصنع سفينة. البحر هو البحر في الحالتين، والقوانين لم تتغير؛ الذي تغير هو الوعي بها. وهنا يكمن الفرق بين العبودية والحرية. فالعبد هو من يخضع لقوة لا يفهمها، أما الحر فهو من يفهم هذه القوة ويُحسن التعامل معها.
بهذا الفهم تزول الثنائية الحادة بين التسيير والتخيير. نعم، الإنسان خاضع لضرورات موضوعية، لكنه في الوقت نفسه قادر على أن يعي هذه الضرورات وأن يجعلها جزءاً من مشروعه. هو مُسيَّر من حيث خضوعه للقانون، ومُخيَّر من حيث قدرته على إدراك هذا القانون والعمل بموجبه.
وهكذا تصبح الحرية ليست نفياً للضرورة، بل أعلى أشكال التعامل معها؛ ليست خروجاً على الواقع، بل وعياً عميقاً به، وتحويلاً لشروطه من قيدٍ أعمى إلى إمكانيةٍ واعية،
بعض من الأسئلة لا بد من إجاباتها في هذا المقام:
لكن لماذا يريد البشر أشياء مختلفة؟
ولماذا يريد كل منا ما يناقض إرادة الآخر؟
ولماذا تغيرت إرادات البشر عبر العصور؟
الإنسان يريد دائماً، وهذه بديهية لا تحتاج إلى برهان. لكن المهم هو تفسير مضمون ما يريد.
الإنسان مجموعة من الحاجات والمصالح.
هناك حاجات طبيعية أساسية ، وعلى رأسها الحاجة إلى الطعام ،والتي لا حياة بدونها. وهذه الحاجات تدفع الإنسان إلى العمل والتعلم والعيش ضمن جماعة.
ثم تأتي المصالح البشرية،  قد تكون مصلحتك نقيض مصلحتي، وهنا ينشأ الصراع الذي لم يختره أي منا بإرادته الفردية، والحقوق نفسها لا قيمة لها إن لم تساعد في تلبية الحاجات وحماية المصالح.
كما أنَّ الجمل ينهض من رحمِ الصحراء ، يحمل لونها في جلده، وقسوتها في بنيته، وملامحَها في تكوينه وخصائصه، حتى ليبدو امتداداً حيا لها؛ كذلك ينبغي لدوافعي وحوافزي واهتماماتي وإرادتي وأهدافي وغاياتي أن تنبثق من حاجاتي ومصالحي، لا أن تنفصل عنها أو تتعالى عليها.
ففي حاجات الإنسان ومصالحه ، ولا سيما ما كان منها أساسياً وجوهرياً ، يتأسس المعنى الحقيقي لكل اندفاعٍ وعزم، ولكل رغبةٍ وقصد. هناك، في ذلك العمق الضروري، يكمن تفسير الحركة الداخلية للفرد والجماعة، ومنها تُفهم الإرادة وتُعلَّل الغايات.
أنت تريد، وأنا أريد. قد يتناقض سعينا، قد ينجح أحدنا ويفشل الآخر.
لكن ثمة نتيجة أعمق وهي " التاريخ".
فمن صراع الإرادات ينشأ شيء لم يرده أحد على وجه التحديد، لم يكن حاضراً في وعي أي فرد بعينه، لكنه يصبح واقعاً تاريخياً جديداً. وهكذا يتشكل التاريخ من تفاعل الإرادات الفردية ضمن شروط موضوعية لا يتحكم فيها أحد بالكامل.



#ادم_عربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جنازة الضوء!
- مشاعر الكراهية للآخر!
- حين يولد الزمن مرتين!
- في كزمولوجيا الأرض!
- بعض من فلسفة التربية!
- قراءة ماركسية في وهم معاصر!
- في وهم الصنمية الاقتصادية!
- الجماعية بوصفها شرطاً للفعل والتغيير!
- ماذا تعني المناورة في مضيق هرمز الآن ؟!
- ومضات فلسفية!
- ماركس يتحدى خصومه
- الإنسان قيمة تربوية!
- ‎حين يرفع ترمب العلم الأمريكي فوق العالم!
- الحرب على إيران: من يمنع السقوط… ومن يتركها تنزف؟
- حين يصبح الفكر بضاعة!
- شيء من فلسفة الحقيقة!
- تفكيك أسطورة الجوع العالمي!
- على كتف النهر!
- عتمة الضوء!
- في الموت والحياة!


المزيد.....




- مسؤول أمريكي: نشر مقاتلات إف-22 في إسرائيل وسط تصاعد التوتر ...
- ترامب يكشف عما ترفضه إيران في الاتفاق النووي المحتمل
- ما مدى خطورة وجود الجيش الإندونيسي في غزة؟
- تجسس روسي يستهدف منظمات ألمانية تدعم علماء شرق أوروبا
- أخبار اليوم: ترامب يهدد وطهران ترى -فرصة تاريخية- لاتفاق
- واشنطن تتوسّط بين الهجري ودمشق لتبادل عشرات المحتجزين منذ أع ...
- -السلاح المعجزة-.. روسيا تتهم الغرب بتنفيذ -مغامرة نووية- لص ...
- حلف بغداد ومنظمة سنتو.. قصة التعاون على مواجهة المد السوفيات ...
- أطباق من الذاكرة.. جذور شوربة الفريك والشخشوخة والدزيريات في ...
- -ما وراء الخبر- يناقش مآلات الجولة الثالثة من محادثات واشنطن ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ادم عربي - الإرادة مثالياً ومادياً!