أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ادم عربي - مدخل لفهم الديالكتيك!















المزيد.....

مدخل لفهم الديالكتيك!


ادم عربي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8642 - 2026 / 3 / 10 - 22:15
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بقلم : د. ادم عربي
الديالكتيك ( Dialectic ) ذلك المنهج الفلسفي في الفهم والتفسير، الذي تحوّل بفضل الفكر الماركسي والأحزاب التي تبنته  إلى ما يشبه ثقافة فلسفية شعبية عالمية. ومع ذلك، فقد فشل كثير من المثقفين، وخصوصاً الماركسيين منهم، في تحويله إلى أداة فعلية للمعرفة. فهم يبذلون جهداً  كبيراً في حفظ قوانينه ومفاهيمه واستظهارها، لكنهم عندما يواجهون الواقع يعجزون عن إنتاج معرفة جديدة اعتماداً على ما حفظوه من النصوص الماركسية، وكأن الديالكتيك لديهم نصوص تُحفظ لا أداة تُستخدم أو يجدون من الصعوبة ما  يحول دون استخدامهم له.
والحال أن الديالكتيك، في جوهره البسيط والعميق ، ليس سوى النظر إلى الأشياء والظواهر في نشوئها وتطورها وزوالها، بوصفها نتيجة صراع دائم بين ضدين متحدين اتحادا لا انفصام فيه.
ولفهم مفهوم النفي في الجدل الهيجلي والماركسي، ينبغي أولا أن نتقن استخدام هذه الأداة المنطقية في التحليل والتفسير. فكثيرون أخفقوا في ذلك لأنهم فهموا النفي بمعناه الميتافيزيقي الجامد، لا بمعناه الجدلي الحي.
فالنفي الجدلي، على خلاف النفي الميتافيزيقي، ليس مجرد إزالة أو إلغاء، بل هو عملية مركبة تتطلب وجود عنصرين متلازمين هما النافي والمنفي. هذان العنصران لا يتعاقبان تعاقبا ميكانيكا، بل يتواجدان في المكان والزمان نفسيهما، ويعيشان معا، ويتصارعان معا، ويزولان معا.
لنأخذ بعض الأمثلة البسيطة ؛  الحفر، الرفع، والظلم.
الحفر يفترض وجود الحافر والمحفور؛ فلا يمكن أن يكون هناك حافر بلا محفور، ولا محفور بلا حافر.
والرفع يفترض وجود الرافع والمرفوع؛ فلا يمكن تصور أحدهما دون الآخر.
وكذلك الظلم يفترض وجود الظالم والمظلوم؛ فلا ظالم بلا مظلوم، ولا مظلوم بلا ظالم.
هذه العلاقات ليست علاقات خارجية بين شيئين منفصلين، بل هي علاقات جدلية يقوم فيها كل طرف بوجود الآخر، ويستمد معناه منه.
لنتأمل الآن جسماً متماسكاً  بدأ يتصدع ويتفتت ويتجزأ. كيف يمكن لهذا الجسم، من حيث تماسكه، أن يتحول إلى التفكك؟
إنه، بصفته متماسكاً، لن يتغير إلا إذا أدى التغير إلى نفي تماسكه؛ أي إلى تفتته. فالتغير الحقيقي في المنظور الجدلي لا يعني مجرد التبدل السطحي، بل يعني تحول الشيء إلى نقيضه.
لكن ما معنى نفي التماسك؟ وكيف يُنفى التماسك بالتفتت؟
أولا، لا يكون النفي إلا لما هو موجود؛ فلا يمكن أن يتفتت إلا جسم كان في حالة تماسك. فوجود التماسك هو الشرط الأول لعملية نفيه.
تخيل جداراً  متماسكاً . يبدأ نفي هذا التماسك عندما يظهر فيه أول تصدع، مهما كان صغيراً . وهنا يقع الوهم الشائع ؛ إذ يعتقد بعضهم أن الجدار كان في حالة تماسك خالص ومطلق قبل ظهور هذا التصدع، وكأن التفتت لم يكن موجوداً  فيه بأي صورة.
غير أن التماسك الخالص من نقيضه لا وجود له في الواقع. فالتماسك والتفتت يتواجدان معا في المكان والزمان نفسيهما، بشكل لا ينفصل. وحتى في أكثر الأشياء تماسكا يوجد دائماً ميل كامن نحو التفكك.
وعندما يظهر أول تصدع في الجدار نقول إن تماسكه قد نُفي. لكن هذا النفي لا يعني اختفاء التماسك اختفاءً مطلقاً، بل يعني التغلب عليه مع الاحتفاظ به.
ولهذا نجد أن التماسك لا يختفي من الجدار بعد أول تصدع؛ بل يبقى موجوداً  إلى جانب التفتت. وهذا ما يجعل الجدار قابلاً  لمزيد من التصدع. فلو كان التماسك قد نُفي نفيا ميتافيزيقيا مطلقاً، لما أمكن للجدار أن يتصدع أكثر.
إن النفي الجدلي يقوم على ثلاث لحظات مترابطة مع بعضها؛
وجود الشيء ، والتغلب عليه والاحتفاظ به في الوقت نفسه .
فالتفتت لا يحدث إلا انطلاقاً  من تماسك موجود، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع الاستمرار إذا زال هذا التماسك زوالا تاما. فالضدان يولدان معا، ويعيشان معا، ويزولان معا.
ولتقريب الفكرة أكثر، تخيل العلاقة بينك وبين خصمك. كلاكما يظهر بوجود الآخر، ويعيش معه، وربما يزول معه. أنتما نقيضان في صراع دائم؛ كل واحد منكما يسعى إلى إخضاع الآخر، لكن أحدكما لا يستطيع القضاء على الآخر قضاءً مطلقا، لأن زوال أحدكما يعني زوال العلاقة التي تمنح الآخر معناه.
ولو أدركنا جوهر النفي بهذا المعنى، لوجدنا أن كثيراً مما نراه في العالم ليس إلا نقيضه الذي جرى التغلب عليه مع الاحتفاظ به.
فالعدالة ليست إلا ظلما جرى كبحه وإخضاعه.
والحركة ليست إلا سكونا تم تجاوزه دون أن يختفي تماما.
والإيمان ليس إلا كفرا مهزوما لكنه حاضر في العمق.
والحرية ليست إلا عبودية جرى التغلب عليها مع الاحتفاظ ببعض آثارها.
والنظام ليس إلا فوضى تم تقييدها وإخضاعها.
إن فهم الأشياء على هذا النحو يحررنا من وهم الصفاء المطلق، ومن الاعتقاد بوجود ظواهر خالصة لا يشوبها نقيضها.
فالخالص من الأشياء لا وجود له في الواقع. وكل ظاهرة تحمل في داخلها نقيضها، وتتحول إليه عبر صراع داخلي دائم.
ومن هنا يمكن فهم قانون التحول إلى النقيض ؛
فلا شيء يستطيع أن يتحول إلى نقيضه إذا لم يكن هذا النقيض كامنا فيه منذ البداية.
ولهذا، عندما نبحث في الواقع بحثاً جدليا، علينا أن نبحث دائما عن النقيض الكامن داخل الشيء نفسه.
ابحثوا عن الظلم في العدل، وعن العدل في الظلم.
وابحثوا عن الديمقراطية في الديكتاتورية، وعن الديكتاتورية في الديمقراطية.
وابحثوا عن الفضيلة في الرذيلة، وعن الرذيلة في الفضيلة.
وابحثوا عن العلم في الجهل، وعن الجهل في العلم.
ليست مهمة الديالكتيك أن يثبت وجود أحد الضدين وينفي الآخر، كما يفعل التفكير الميتافيزيقي الذي يرى الأشياء في صورة ،إما هذا أو ذاك. مهمة الديالكتيك هي أن يكشف كيف يتواجد الضدان معا داخل الظاهرة الواحدة، وكيف يتصارعان داخلها.
فعندما ننظر مثلاً  إلى الديمقراطية بوصفها نقيضا للديكتاتورية، يبدو الأمر في الظاهر بسيطا ، هنا حرية، وهناك قمع. لكن التحليل الجدلي يكشف أن الديمقراطية نفسها قد تحتوي عناصر ديكتاتورية، مثل هيمنة المال، أو احتكار النخب للسلطة، أو سيطرة الإعلام. وفي المقابل قد تحمل بعض الأنظمة الديكتاتورية مظاهر أو آليات تبدو ديمقراطية، كالمؤسسات أو الانتخابات الشكلية.
بهذا المعنى لا يسأل الديالكتيك ، أي الضدين موجود؟
بل يسأل، كيف يوجد الضدان معا داخل الشيء نفسه؟ وكيف يدفع صراعهما هذا الشيء إلى التغير؟
فالظواهر لا تعيش في نقاء مطلق، بل في توتر دائم بين نقيضين؛ ومن هذا التوتر ينشأ تطورها وتاريخها.
وعندما ندرك ذلك، ندرك أن علمية الديالكتيك لا تكمن في حفظ قوانينه، بل في القدرة على رؤية التناقض الحي داخل الأشياء، وفي فهم أن كل ما يبدو ثابتاً  يحمل في داخله بذور نقيضه، وأن هذا الصراع الداخلي هو الذي يصنع حركة العالم وتاريخه.



#ادم_عربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رثاء الحضارة!
- الحرب على إيران!
- الإرادة مثالياً ومادياً!
- جنازة الضوء!
- مشاعر الكراهية للآخر!
- حين يولد الزمن مرتين!
- في كزمولوجيا الأرض!
- بعض من فلسفة التربية!
- قراءة ماركسية في وهم معاصر!
- في وهم الصنمية الاقتصادية!
- الجماعية بوصفها شرطاً للفعل والتغيير!
- ماذا تعني المناورة في مضيق هرمز الآن ؟!
- ومضات فلسفية!
- ماركس يتحدى خصومه
- الإنسان قيمة تربوية!
- ‎حين يرفع ترمب العلم الأمريكي فوق العالم!
- الحرب على إيران: من يمنع السقوط… ومن يتركها تنزف؟
- حين يصبح الفكر بضاعة!
- شيء من فلسفة الحقيقة!
- تفكيك أسطورة الجوع العالمي!


المزيد.....




- الجيش الإسرائيلي يعلن شن غارات على إيران ولبنان
- بعد تحذيره لطهران من زرع ألغام في مضيق هرمز.. ترامب يعلن تدم ...
- ألغام محتملة في هرمز: ترامب يهدّد بردّ -غير مسبوق-.. والحرس ...
- العراق يدين الهجمات على البعثات الدبلوماسية ويتعهد بملاحقة ا ...
- دمشق تعيّن قياديًا عسكريًا كرديًا بارزًا معاونًا لوزير الدفا ...
- خمسة قتلى من فصيلين عراقيين في ضربات منسوبة لواشنطن في شمال ...
- من تحت النار.. إيران تواصل تحدي أمريكا في صراع الحرب والنفط ...
- النيازك تسقط بدون سابق إنذار.. ما مدى خطورتها علينا؟
- تصويت مرتقَب بمجلس الأمن على مشروع قرار خليجي يندد بالهجمات ...
- عاجل | الحرس الثوري الإيراني: الموجة الصاروخية التي بدأناها ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ادم عربي - مدخل لفهم الديالكتيك!