أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مظهر محمد صالح - الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة س














المزيد.....

الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة س


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 01:26
المحور: المجتمع المدني
    


لم تعد التحولات الكبرى التي تصيب المجتمعات تأتي دائمًا من الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل باتت تنشأ بصمت… من داخل البيوت نفسها، حيث تجلس العائلة متقاربة في المكان، متباعدة في الوجدان.

سألتُ أحد قضاة الأحوال الشخصية عن الارتفاع المتسارع في معدلات الطلاق ، ولا سيما بين الزيجات الحديثة ، توقعت أن تكون الإجابة مرتبطة بضغوط المعيشة ، لكنه فاجأني بقوله :

“ان نحو 43% من حالات الافتراق تعود إلى الاستخدام المفرط للهواتف الذكية”.

كان الرقم كافيًا لطرح سؤال أعمق:
كيف يمكن لأداة تواصل أن تتحول إلى سبب للفراق؟

الجواب يكمن في ما يمكن تسميته بـالاغتراب الرقمي ، حيث يعيش الشريكان في فضاءين متوازيين، لكل منهما عالمه الخاص، وإيقاعه المختلف، واهتماماته المنفصلة. ومع الزمن، لا يحدث الانفصال دفعة واحدة، بل يتسلل بصمت، حتى يصبح الوجود المشترك مجرد شكل بلا روح.

هنا، يستحضر الذهن مفهوم التشيّؤ عند جورج لوكاش، الذي رأى أن الإنسان في الحداثة يتحول إلى “شيء” داخل منظومة مادية تفقده إنسانيته. لكن ما لم يشهده لوكاش هو أن هذا التشيّؤ قد تطور سراعا حتى بلغنا عصر (الترمل الرقمي).
فمفهوم التشيّؤ (Reification) عند جورج لوكاش
يرى في الإنسان ليس بكونه مجرد عنصر في الإنتاج،
بل أصبح في عالم اليوم كائنًا رقميًا تُختزل قيمته في تفاعلاته وبياناته، لتبرز ظاهرة التشيؤ الرقمي Digital reification
إننا أمام تحوّل نوعي ، من تشيّؤ اقتصادي… إلى تشيّؤ رقمي عاطفي ، وسط عالمٍ بات يتقن تحويل كل شيء إلى ‘شيء

فالتحويل إلى “شيء”
يقصد به فقدان الإنسان أو العلاقات الإنسانية لجوهرها الإنساني، وتحويلها إلى مجرد أداة أو سلعة أو عنصر يُدار بطرق مادية أو رقمية.
في العصر الرقمي، يمكن أن يُختزل الزواج أو الصداقة إلى رسائل نصية ، بيانات، أو تفاعلات رقمية، بدل أن تكون تواصلًا حيًا ومشاعر حقيقية.
كما انه صار عالّم يتقن تحويل كل شيء الى شيء حقا في اشارة إلى المجتمع الحديث أو العصر الرقمي، حيث تصبح كل القيم، العلاقات، وحتى المشاعر، قابلة للقياس، للتسجيل، أو للتحكم عبر التكنولوجيا.
العالم هنا ليس مجرد مكان جغرافي، بل منظومة اجتماعية، اقتصادية وتقنية تقلص الإنسان إلى وظيفة أو بيانات.

فاذا كان الاغتراب إحساسًا موجود عند الانسان جسديًا، فقلبه وعلاقاته تحوّلت إلى “شيء” بارد، دون روح أو حياة، تعكس هشاشة القيم الإنسانية في عالم يركز على الإنتاجية، البيانات، أو التفاعل الرقمي على حساب العمق العاطفي والإنساني

في هذا السياق، تبرز اليوم طفرة في مفهوم التشيؤ ، وهو “الترمّل الرقمي Digital Widowhood” بوصفه نتيجة مباشرة لهذا التحول ، وهي حالة يعيش فيها الإنسان بفقدان شريكه عاطفيًا رغم حضوره الجسدي.
لا موت، ولا غياب فعلي، بل غياب من نوع آخر… غياب الحضور الإنساني.

وإذا كان هذا المشهد يتجلى في قاعات القضاء او المحاكم ، فإن العالم يشهد تطورات أكثر عمقًا.

ففي الصين، برزت مؤخرًا نقاشات حول ما يمكن تسميته “الانقطاع العاطفيّ Emotional Absence
وهو في الحقيقة بفعل المركزية السياسية يمكن تسميته مجازا (الترمل الرقمي الاحمر -Red Digital Widowhood ) .ففي ظل التوسع الكبير في استخدام الذكاء الاصطناعي وتنظيمه للحياة اليومية الواحدة .
غير أن المفارقة العميقة تكمن في أن هذه المحاولات، رغم طابعها الإصلاحي، كشفت حجم التحول الذي نعيشه:
اذ لم يعد الإنسان يفقد ذاته في العمل فقط،
بل في علاقاته،
وفي عاطفته،
وفي حضوره اليومي.

وهكذا، يصبح “الترمّل الرقمي” ليس مجرد ظاهرة اجتماعية محلية، بل تعبيرًا عن أزمة إنسانية عالمية.

إننا نعيش لحظة تاريخية تتقاطع فيها الفلسفة مع الواقع، حيث تتحقق تحذيرات جورج لوكاش في سياق جديد لم يكن في الحسبان. فالإنسان، الذي كان مهددًا بأن يصبح “شيئًا” في المصنع، أصبح اليوم مهددًا بأن يتحول إلى “شيء رقمي” في عالم تحكمه الشاشات والخوارزميات.

وفي مواجهة هذا التحول، لا يكفي أن نلوم التكنولوجيا، بل ينبغي أن نعيد تعريف علاقتنا بها. فالمشكلة ليست في الأدوات، بل في كيفية توظيفها، وفي قدرتنا على الحفاظ على جوهرنا الإنساني في عالم يتجه نحو التجريد.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:
هل سننجح في أن نجعل التكنولوجيا امتدادًا لإنسانيتنا…
أم سنسمح لها بأن تعيد تشكيلنا وفق منطقها؟

فالأوطان لا تُقاس فقط بصلابة اقتصادها،
بل بقدرة إنسانها على أن يبقى إنسانًا… انه
عالمٍ يتقن تحويل كل شيء إلى “شيء”…انه عصرًا يحوّل البشر والعلاقات إلى مجرد عناصر قابلة للقياس أو الإدارة، بعيدًا عن الإنسانية الحقيقية.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة
- السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن

- الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز
- جذور شجرة طيبة تحترق: الطفولة والحرب والزمن المنهار
- حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم
- لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام
- الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة
- البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أو ...
- طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل
- كاسترو وزها حديد والشبيبي: على طاولة رمضان
- الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشر ...
- دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب
- الآباء والأجداد… وهموم الأجيال
- المواعين المهدورة… ذاكرة لا تُرمى
- عندما يغترب الملح
- الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للر ...
- الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى ا ...
- للأرقام صبرٌ طويل، لكن للإعلام نَفَسٌ قصير
- الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين


المزيد.....




- الفصائل تشعل ليل بغداد بالمسيرات رداً على اعتقال الحكومة مس ...
- الاحتلال يوقف إدخال مساعدات -اليونيسف- إلى غزة بذريعة إحباط ...
- الأمم المتحدة: الحرب تضغط على سلاسل الغذاء وترفع أسعار الأسم ...
- الأمم المتحدة تحذر: 45 مليونا يواجهون مجاعة حادة إذا استمرت ...
- شبح المجاعة يهدد غزة قبيل العيد: أسواق خاوية وأسعار فلكية تن ...
- غزة تواجه شبح المجاعة قبل العيد.. رفوف فارغة وأسعار جنونية
- اليونيسف: فرار مئة ألف شخص من جنوب السودان إلى إثيوبيا وقلق ...
- الأمم المتحدة: توسيع المستوطنات الإسرائيلية يسبب نزوحا جماعي ...
- برنامج الأغذية العالمي: 45 مليون شخص قد يعانون من الجوع الحا ...
- الأمم المتحدة: 45 مليون شخص إضافي على شفا الجوع الحاد إذا لم ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مظهر محمد صالح - الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة س