حجي قادو
كاتب وباحث
(Haji Qado)
الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 16:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ماذا تغيّر إن بقي نظام الحكم مركزياً في سوريا؟
بعد أكثر من عقدٍ من الصراع الدموي بين المعارضة والنظام السابق، وبعد أن دُمِّر نحو ثلاثة أرباع البنية التحتية في البلاد، وقُتل ما يقارب مليون سوري، إلى جانب مليون آخرين بين مفقود ومعتقل، وتهجّر نصف السكان بين نازح ولاجئ داخل البلاد وخارجها، تقف سوريا اليوم أمام سؤالٍ مصيري: ما الذي تغيّر فعلياً؟
لقد بلغت معدلات البطالة مستويات كارثية، وانتشرت مظاهر الفقر والتجويع، في ظل استمرار القمع وانهيار شبه كامل للخدمات العامة؛ فلا كهرباء مستقرة، ولا مياه كافية، ولا بنية طرقية مؤهلة، ولا شبكات اتصال تلبي الحد الأدنى من احتياجات الحياة المعاصرة. المواطن السوري بات يعيش في فراغٍ خدمي ومعيشي غير مسبوق.
ورغم سقوط النظام السابق، عاد المشهد السياسي ليعيد إنتاج ذاته، حيث تجددت الصراعات الدامية بين مكونات الشعب، وتكرّست الانقسامات الطائفية والمذهبية. لم تتغير جوهر الممارسات السياسية بقدر ما تبدلت الوجوه؛ فالعقلية الإقصائية ذاتها ما تزال حاضرة، وإن ارتدت هذه المرة لبوساً مختلفاً، يتسم بالتشدد الديني والانغلاق الفكري.
في الماضي، كان حزب البعث العربي الاشتراكي يهيمن على مفاصل الدولة ويحتكر القرار السياسي. أما اليوم، فقد برزت قوى ذات طابع ديني مثل هيئة تحرير الشام، لتفرض نموذجاً آخر من السيطرة، لا يقل في جوهره إقصاءً وتفرداً، وإن اختلف في الشكل والخطاب.
وبين هذين النموذجين، تراجعت فرص بناء دولة ديمقراطية حقيقية، قائمة على التعددية السياسية والاعتراف بالتنوع المجتمعي. لقد تآكلت قيم العيش المشترك، وتعمّقت مشاعر الحقد والانقسام، في ظل غياب مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للإنسان السوري وكرامته.
إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فقط في تغيير الأنظمة أو الوجوه، بل في بنية الحكم ذاتها. فاستمرار المركزية الشديدة، دون إعادة توزيع السلطة وإشراك حقيقي لكافة المكونات، يعني إعادة إنتاج الأزمات ذاتها، وإن بأشكال مختلفة.
وعليه، فإن مستقبل سوريا يتطلب إعادة نظر جذرية في نظام الحكم، عبر تبني نموذج سياسي لا مركزي ديمقراطي، يضمن العدالة في توزيع السلطة والثروة، ويحفظ حقوق جميع المكونات، ويؤسس لمرحلة جديدة قائمة على الشراكة لا الإقصاء، وعلى المواطنة لا الانتماءات الضيقة.
#حجي_قادو (هاشتاغ)
Haji_Qado#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟