أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد ملكوش - عالم اليوم ومشكلة الشر














المزيد.....

عالم اليوم ومشكلة الشر


زياد ملكوش
كاتب

(Ziyad Malkosh)


الحوار المتمدن-العدد: 8642 - 2026 / 3 / 10 - 04:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من الصعب وصف العالم الذي نعيش فيه اليوم وصفاً دقيقاً. فهو ليس العالم الجديد الشجاع الذي تخيّله Aldous Huxley في روايته Brave New World، ذلك المجتمع الذي تُدار فيه حياة البشر عبر اللذة والتكييف النفسي والتكنولوجيا. لكنه أيضاً ليس تماماً العالم الكابوسي الذي صوّره George Orwell في روايته 1948 حيث الرقابة الشاملة والقمع السياسي المطلق. ومع ذلك، فإن عالمنا المعاصر يبدو وكأنه يجمع بين بعض ملامح العالمين معاً: قدرة هائلة على السيطرة التقنية من جهة، وقوة قمعية مدمّرة من جهة أخرى.

وإذا نظرنا إلى التاريخ، ندرك أن العنف ليس ظاهرة جديدة في التجربة الإنسانية. فقد عرف العالم عصوراً من الدمار الهائل، مثل غزوات المغول التي خلّفت مذابح مروّعة في مدن كثيرة. لكن التاريخ عرف أيضاً أشكالاً أخرى من العنف المقنّع باسم الحضارة والدين.

ومن الأمثلة الصارخة على ذلك ما تعرّض له السكان الأصليون في الأمريكتين وأستراليا من إبادة على يد الأوروبيين الذين كانوا يعدّون أنفسهم ممثلي الحضارة. فهؤلاء الذين كانوا يرتادون الكنائس صباح كل أحد ويصلّون للمسيح في الليل، تجاهلوا أن المسيح نفسه دعا إلى المحبة والتسامح. ومع ذلك استطاعوا أن يقنعوا أنفسهم بأن ضحاياهم ليسوا بشراً كاملي الإنسانية، بل متوحشون تسكنهم أرواح شريرة يجب القضاء عليها. ولهذا لم يعد من الممكن اليوم النظر إلى Christopher Columbus بوصفه “مكتشفاً عظيماً” فحسب، بل أيضاً بوصفه جزءاً من بداية مشروع استعماري دموي.

ولم يكن العنف موجهاً دائماً نحو “الآخر”. ففي أوروبا نفسها، خلال العصور الوسطى، قتل المسيحيون مسيحيين آخرين وعذبوهم وأحرقوهم بتهم الهرطقة والسحر. وكثيراً ما كان الخلاف في جوهره لاهوتياً أو فكرياً، لكنه تحوّل إلى صراع دموي بسبب تداخل السلطة الدينية مع السلطة السياسية والإقطاعية. وقد عبّر الأدب عن تلك الأجواء القاتمة ببلاغة، كما في رواية اسم الوردة للكاتب Umberto Eco، حيث تتحول المعرفة نفسها إلى موضوع للخوف والصراع.

غير أن ما يثير الدهشة في عالم اليوم هو أمر آخر. فالمجتمعات التي بلغت أعلى درجات التقدم العلمي والتكنولوجي هي نفسها التي تمتلك أكثر أدوات التدمير فتكاً، وهي أيضاً التي تستخدمها في حروب مدمرة. وهنا يبرز سؤال مقلق: هل يمكن أن يكون قادة هذا العالم — الذين يُفترض أنهم الأكثر ذكاءً وتنظيماً — مسؤولين عن هذا القدر الهائل من العنف؟

في هذا السياق أتذكر عبارة قالها المفتش Maigret، بطل روايات Georges Simenon، حين قال إنه غالباً ما يقبض على القاتل لأنه غبي؛ فالشخص الذكي، في رأيه، لا يمكن أن يرتكب جريمة قتل. لكن إذا كان هذا صحيحاً، فكيف يمكن تفسير الحروب المعاصرة؟ هل الذين يصنعونها أغبياء؟ أم أن المسألة أعقد بكثير من هذا التفسير البسيط؟

من الصعب اختزال هذا العنف الهائل في كلمة واحدة. بل ربما يكون وصفه بالوحشي غير دقيق أيضاً، لأن الوحوش في الطبيعة لا تقتل إلا لتأكل، ولا تبيد الأنواع الأخرى بدافع السيطرة أو الطمع. أما البشر فيفعلون ذلك.

منذ زمن بعيد شغل سؤال أصل الشر في العالم الفلاسفة ورجال الدين والكتاب. ففي رواية الطاعون للكاتب Albert Camus يتساءل أحد رجال الدين: كيف يمكن أن يسمح الله بموت طفل بريء بالطاعون؟ هنا تظهر مشكلة الشر حين يأتي من الطبيعة.

لكن هناك نوعاً آخر من الشر، وهو الشر الذي يصنعه البشر بأيديهم. وقد عبّر نجيب محفوظ عن هذا السؤال في روايته أولاد حارتنا، حين يتساءل سكان الحارة لماذا لا يتدخل الجبلاوي ليوقف ظلم الفتوات ويعيد العدل إلى حياتهم.

وإذا وسّعنا هذا التشبيه قليلاً، يمكن القول إن العالم اليوم يعيش في “حارة كبيرة”، وأن الفتوة في هذه الحارة هو القوى الكبرى التي تمتلك المال والسلاح والنفوذ. وقد عبّر الأدب العالمي مراراً عن مآسي الحروب وعبثيتها، كما في رواية War and Peace للعظيم Tolstoy، أو في فيلم All Quoet on The Western Front التي كشفت بعمق عبثية الحرب ووحشيتها.

ويبقى السؤال الأساسي: لماذا يحدث كل هذا؟

قد يكون أحد التفسيرات هو الجشع الهائل لدى جزء صغير من النخب الاقتصادية التي تمتلك نفوذاً واسعاً في العالم المعاصر. فالأرباح الفلكية لشركات النفط والسلاح وغيرها تشير إلى أن الحرب قد تكون، في بعض الأحيان، تجارة مربحة.

لكن حتى هذا التفسير لا يبدو كافياً تماماً. فهؤلاء الأثرياء يمتلكون بالفعل أكثر مما يمكن لإنسان أن يحتاجه. يستطيعون شراء أي شيء تقريباً، وسيعيش أبناؤهم وأحفادهم في الثراء نفسه. فلماذا إذن يستمر السعي إلى المزيد؟

ربما يتعلق الأمر بشهوة السيطرة أكثر مما يتعلق بالحاجة. وربما يتعلق أيضاً بطبيعة السلطة نفسها، التي تميل دائماً إلى التوسع والتضخم.

وهكذا يبقى السؤال مفتوحاً:
هل الشر في العالم نتيجة الجهل؟
أم نتيجة الطمع؟
أم أنه جزء من طبيعة الإنسان نفسه؟

ربما نعرف بعض الإجابات.
لكننا، في كثير من الأحيان، لا نفهمها تماماً.



#زياد_ملكوش (هاشتاغ)       Ziyad_Malkosh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مأزق الانظمة العربية وتحديات الشعوب
- اشكالية التقويم الهجري
- الحل الحلم
- عزة : الفينيق الشهيد
- الحج ليس الحج
- سوريا: من مملكة الخوف الى...
- العرب
- ماذا بعد..
- كوابيس على هامش المجازر
- المقاومة والمملكة العربية الاسدية
- يموت الموت وغزة لاتموت
- للتذكير
- ولايزال القتل مستمرا
- غ ز ة
- من فلسطين الى اليمن والسودان و ..
- لغزة من قلبي سلام وقبل لفلسطين
- لا للتفسير الديني السائد
- شينيد اوكونور Sinead OConnor
- اوبنهايمر
- حرق المصحف


المزيد.....




- طاقم CNN في طهران يشهد عدة موجات من الغارات الجوية العنيفة
- -مجتبى خامنئي يعيد النظام الملكي إلى إيران- - مقال في وول ست ...
- بعيد ميلاده التسعين.. بلاتر في رد على تهم الفساد: لست نادما ...
- دعم استخباراتي ـ أسرار البيانات التي زودت بها روسيا إيران
- أستراليا تمنح اللجوء لخمس لاعبات كرة قدم إيرانيات
- مراسل فرانس24 في طهران: هناك تراجع كبير في وتيرة الهجمات الإ ...
- نتنياهو يحذر من أن الحرب على إيران -لم تنته بعد- وطهران تقول ...
- العراق: قتلى في ضربات طالت مقرات للحشد الشعبي واستهداف القنص ...
- هل هناك موقف أوروبي موحد عن الحرب ضد إيران؟
- أطفال في قلب الحروب.. آثار نفسية تمتد إلى الجسد


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد ملكوش - عالم اليوم ومشكلة الشر