سامر بن عبد السلام
طالب وكاتب
(Samer Ben Abdessalem)
الحوار المتمدن-العدد: 8634 - 2026 / 3 / 2 - 14:06
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تنطلق الحرب الإيرانية–الإسرائيلية الأخيرة من مسار تصعيد تدريجي أو منطق ردود متبادلة، بل أُعلنت عمليًا بضربة أمريكية–صهيونية مباشرة ضد إيران، ضربة كشفت منذ لحظتها الأولى عن ارتباك بنيوي في تحديد الأهداف السياسية والاستراتيجية. فقد قدّم دونالد ترامب الهجوم باعتباره يستهدف إسقاط النظام الإيراني، في خطاب فجّ ومباشر، بينما تحدّث بنيامين نتنياهو عن هدف مختلف في الجوهر، يتمثل في “تهيئة البيئة المناسبة” لإسقاط النظام، أي عبر إنهاكه وزعزعة توازنه الداخلي بدل إسقاطه الفوري. ثم ما لبث ترامب نفسه أن عاد ليطرح تصورًا ثالثًا يقوم على إحداث تغيير من داخل النظام عبر قيادة جديدة. هذا التناقض لا يعكس تنوّعًا في التكتيك، بل فوضى حقيقية داخل معسكر المهاجمين، هي في جوهرها نتيجة فشل استراتيجي متراكم دام أكثر من أربعة عقود، عجزت خلالها الولايات المتحدة و إسرائيل عن زعزعة النظام الإيراني رغم استخدام كل الأدوات الممكنة: حصار اقتصادي خانق، دعم الاحتجاجات ومحاولات توجيهها عبر شبكات تجسس، اغتيال القيادات العسكرية والعلمية، ضرب المنشآت النووية، وصولًا إلى القصف المباشر كما حدث في حرب الأيام الاثني عشر.
وقد انعكس هذا الفشل بوضوح في اختلاف المنهجين العسكريين منذ بداية المواجهة. فبينما انطلقت الضربة الأمريكية–الصهيونية، كعادتها، من منطق استهداف القيادات على أمل إرباك مركز القرار، اعتمدت إيران تصورًا مختلفًا وأكثر شمولًا، قام على ركيزتين واضحتين. الأولى، إعلان الطابع الإقليمي للحرب عمليًا لا خطابيًا، عبر توسيع مسرح العمليات ليشمل القواعد والمطارات العسكرية في بلدان الخليج، إضافة إلى الأراضي المحتلة، بما حوّل الصراع من مواجهة محدودة إلى اشتباك إقليمي متعدد الجبهات. والثانية، التركيز المنهجي على ضرب البنية اللوجستية والعصب التشغيلي للخصم: الرادارات، مراكز القيادة والسيطرة، ومقرات التنسيق، أي استهداف قدرة العدو على إدارة الحرب لا الاكتفاء برموزه البشرية. هنا يتجلى الفارق الجوهري بين طرف يمتلك تصورًا واضحًا لردّ العدوان ولتأسيس مرحلة جديدة في معادلات الردع، وبين مهاجمين يعيدون إنتاج التكتيكات نفسها التي أثبتت فشلها سابقًا، سواء في مواجهة حزب الله أو حماس، أو حتى ضد إيران نفسها.
في اليوم الثاني من الحرب، شهد الصراع تحولًا بالغ الخطورة مع الإعلان عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وهو تطور شكّل قطيعة نوعية في قواعد الاشتباك. غير أن الرهان على إحداث شلل في منظومة القرار الإيراني سقط سريعًا، إذ انعكس الحدث في تصاعد غير مسبوق في وتيرة الضربات الإيرانية، سواء داخل الأراضي المحتلة أو ضد القواعد والمقرات الأمريكية في المنطقة. بالتوازي، دخل محور المقاومة بشكل مباشر على خط المواجهة، عبر تفعيل جبهاته المختلفة؛ فقامت المقاومة العراقية بقصف القاعدة الأمريكية في أربيل، فيما نفّذ حزب الله ضربات استهدفت حيفا وأعاد قصف العمق الإسرائيلي. بهذا المعنى، لم يؤدِّ استهداف رأس الهرم إلى تفكيك المحور، بل إلى توسيع الحرب وتكريس طابعها الإقليمي الشامل.
ما نستخلصه من ذلك أمران أساسيان. أولًا، إن النظام السياسي–العسكري الإيراني لا يقوم على شخصنة السلطة؛ فاغتيال القيادات، مهما بلغت حساسيتها، لم يمنع استمرار العمليات ولا تعطيل القدرة على اتخاذ القرار، ما يكشف عن بنية مؤسساتية وآليات جاهزة للتعامل مع سيناريو “قطع الرأس” الذي فشل تاريخيًا في كسر هذا النموذج. ثانيًا، أن المنطقة دخلت مرحلة لا عودة فيها إلى ما قبل هذه الحرب. فلو كانت إيران تسعى إلى التهدئة أو الصلح، كما روّج ترامب في استعراضات إعلامية، لكان المنطق يفرض خفض التصعيد. غير أن ما شهدناه كان العكس تمامًا: تصعيدًا مدروسًا وتوسيعًا متدرجًا لدائرة الاشتباك وتفعيلًا لبقية أطراف المحور.
ويُضاف إلى ذلك العامل الأخطر، والمتمثل في الإغلاق الفعلي لـ مضيق هرمز بعد استهداف ثلاث سفن اقتربت من مجال المضيق، في خطوة تتجاوز الرسائل الرمزية إلى الفعل العملي المباشر. فهرمز ليس مجرد ممر بحري، بل شريان طاقة عالمي، واستهدافه يعني نقل الحرب من مستوى عسكري–إقليمي إلى مستوى اقتصادي–دولي. بهذا القرار، تعلن إيران بوضوح انتقالها إلى منطق حرب الإخضاع وفرض الكلفة القصوى، واستعدادها لاستخدام مختلف أوراقها الاستراتيجية، مهما بلغت خطورتها، لفرض معادلات جديدة. إن هذا المسار لا يشير إلى بحث عن تسوية قريبة، بل إلى إعادة رسم قواعد الصراع الإقليمي والدولي على أسس أكثر صدامية وأكثر كلفة على الجميع.
بعد اغتيال المرشد، انتقلت الإمبريالية إلى مرحلة الاعتماد على التفكك الداخلي. خرج دونالد ترامب داعيًا الشعب الإيراني للنزول إلى الشارع، في محاولة لإعادة إنتاج سيناريو “الانتفاضة الموجَّهة”، لكن الواقع جاء معاكسًا، إذ هبّت الحشود لدعم النظام تحت شعار الثأر والرد على العدوان. كما أن الاستخبارات الأمريكية لم ترصد أي مؤشرات لانشقاق داخل أجهزة الدولة الإيرانية، ما يجعل الحديث عن “تحويل النظام من الداخل” شبه مستحيل حاليًا، إضافة إلى غياب أي كتلة هدّامة داخل النظام أو خارجه يمكن أن تُسقطه.
من الواضح أن فكرة “تحويل النظام من الداخل” التي روج لها الإعلام الإمبريالي، ومن ضمنها تصريحات ترامب، هي فكرة سخيفة وغير واقعية. فالنظام الإيراني ليس مجرد شخصية راديكالية يمكن استهدافها، بل نظام راديكالي بطبيعته العقائدية، وانعكست هذه الطبيعة في أجهزته المتنوعة، بدءًا من مجلس صيانة الدستور، مرورًا بالحوزات الدينية، والباسيج، والحرس الثوري، وصولًا إلى المؤسسات الأمنية والسياسية الأخرى. جميع هذه الأجهزة متشابكة ومرتبطة بعضها ببعض بطريقة تمنع أي انقلاب داخلي أو محاولة لتغيير النظام من الداخل. ومثال واضح على ذلك هو تأسيس الحرس الثوري، الذي صُمم بالأساس لحماية الثورة وضمان عدم وقوع أي انقلاب عسكري يهدد الدولة، حتى من داخل الجيش نفسه، وهو ما يجعل أي محاولة انقلاب أو تغيير داخلي شبه مستحيلة في ظل البنية المؤسسية الحالية للنظام.
على المدى البعيد، يمكن النظر إلى سيناريو سقوط النظام الإيراني من الداخل فقط، عبر تراجع دعم الطبقات السائدة له، وتحول ذلك إلى كتلة سياسية هدّامة داخل أطر الدولة نفسها، إضافة إلى تراجع جذوره الشعبية بين الجماهير. هذا السيناريو ممكن نظريًا، لكنه يظل صعب التحقيق عمليًا، خصوصًا في ظل طبيعة النظام الراديكالية العقائدية، وقوة الهيمنة الثقافية التي يمارسها من خلال الأجهزة الإيديولوجية للدولة، والتي تعمل على ضمان الولاء وإعادة إنتاج القيم المؤسسة للنظام بشكل مستمر. أي تحول من هذا النوع لن يكون سريعًا، بل عملية طويلة ومعقدة، تتطلب ظروفًا اجتماعية وسياسية استثنائية لم تتوفر بعد، مما يجعل احتمال إسقاط النظام اليوم أو في المستقبل القريب أمرًا محدودًا جدًا.
من المهم أيضًا التمييز بين النموذج الإيراني والنموذج العراقي في مقاومة الاحتلال. ففي العراق، كانت تركيبة الدولة الطائفية المتنوهة، وسياسات صدام في دمج الولائيين مع الشيعة الوطنيين، وغياب الكفاءة العسكرية الحقيقية في الجيش، قد سمحت بسهولة بتحييد طائفة كبيرة من الشيعة والأكراد في 2003، ما سهّل إسقاط النظام. أما إيران، فهي دولة ذات أغلبية شيعية متماسكة، بنية مؤسساتية عقائدية قوية، تفصل بين الولائيين والخبرات العسكرية والإدارية، ما يضمن الاستمرارية والقدرة على الرد ويجعل أي محاولات للانقسام أو الاستهداف الخارجي شبه مستحيلة مقارنة بتجربة العراق.
في النهاية، مسار الحرب في المنطقة يتحدد بشكل مباشر بمدى استمرار نجاح الهجمات الإيرانية وقدرتها على إنهاك الدفاعات الجوية للخصوم، واستغلال أدوات الضغط الاقتصادي مثل مضيق هرمز. يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة إيران على مواصلة الهجمات على المدى الطويل بالاعتماد على مخزونها من الصواريخ والمسيرات، ومدى تأثير هذه القدرات على استمرار المبادرة العسكرية والاقتصادية. استمرار الحرب في الشرق الأوسط يرتبط بقدرة إيران على الحفاظ على المبادرة وفتح الجبهات بفعالية، مع استغلال كل أوراقها البحرية واللوجستية والاقتصادية لضمان الضغط المستمر على خصومها. في المقابل، ستواصل الإمبريالية والصهيونية خطواتها التقليدية لتعويض أي إخفاق، عبر تعزيز الانتشار العسكري، التحريض السياسي، وشبكات التجسس، لكنها ستظل محدودة الفاعلية في نظري أمام منظومة دفاعية وعقائدية متماسكة. بهذا المعنى، يبقى مستقبل الصراع مفتوحًا، وما يمكن أن يحدث لاحقًا يعتمد على التوازن بين المبادرة الإيرانية وقياس ردود الفعل الخارجية، دون أي مؤشر واضح على من سيهيمن على مسار الأحداث على المدى الطويل.
رابط مقال في توسيع أطروحة جلبير الأشقر حول السيرورتين العربية والإيرانية
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=902494
#سامر_بن_عبد_السلام (هاشتاغ)
Samer_Ben_Abdessalem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟