أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - سامر بن عبد السلام - في توسيع أطروحة جلبير الأشقر حول السيرورتين العربية والإيرانية















المزيد.....


في توسيع أطروحة جلبير الأشقر حول السيرورتين العربية والإيرانية


سامر بن عبد السلام

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 18:15
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


المقدمة
لا شكّ أنّ النقاط التي طرحها جلبير الأشقر بخصوص الأزمة الإيرانية الأخيرة والاحتجاجات الشعبية المرافقة لها في مقال نشره في القدس العربي تحت عنوان السيرورتان العربية و الإيرانية تمثّل إسهامًا مهمًا في فهم ديناميات الصراع الجاري، خاصة من حيث ربطه بين البعد الاجتماعي–الاقتصادي وطبيعة النظام السياسي القائم. غير أنّ هذه المقاربة، على أهميتها، تبقى في حاجة إلى مزيد من التوسيع والتطوير النظري حتى تكتمل الصورة وتخرج من إطار التفسير الجزئي إلى تحليل بنيوي أشمل
من هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى الانطلاق من النقاط التي أثارها الأشقر، لا لتفنيدها، بل لتعميقها وتوسيع أفقها التحليلي.
إن الهدف هنا ليس تقديم قراءة موازية، بل الدفع بالتحليل خطوة أبعد، بما يسمح بفهم أكثر تركيبًا لطبيعة النظام الإيراني، ولمسار الاحتجاجات بوصفها تعبيرًا عن أزمة هيمنة شاملة، لا مجرد صراع سياسي عابر
النقطة الاولى- تشارك السيرورتين العربية والإيرانية في ضعف البنية الاقتصادية وهشاشتها
يشترك السياقان العربي والإيراني، كما يشير جلبير الأشقر، في هشاشة البنية الاقتصادية وعجزها البنيوي عن تلبية الحاجات الأساسية للغالبية الاجتماعية، وهو تشخيص صحيح في جوهره. غير أنّ الحالة الإيرانية تستوجب إضافة عنصر حاسم لا يمكن القفز عليه، يتمثّل في الحصار الإمبريالي وما يفرضه من اختلالات عميقة على مستوى الاقتصاد الكلي. فالحصار لا يعمل فقط كعامل خارجي ضاغط، بل يلعب دورًا مزدوجًا داخل السيرورة الاقتصادية–السياسية الإيرانية
فمن جهة أولى، يساهم الحصار في إعادة إنتاج بنية اقتصادية ضعيفة، ريعية ومشوّهة، تقوم على الالتفاف، والاقتصاد الموازي، والاحتكار، ما يؤدي إلى تفاقم التضخم، وانهيار العملة، وتآكل القدرة الشرائية للطبقات الشعبية. بهذا المعنى، لا يضعف الحصار القاعدة المادية لحياة المجتمع فحسب، بل يقوّض أيضًا أسس الشرعية الاجتماعية للنظام السياسي، ويدفع قطاعات واسعة من الجماهير إلى الاحتجاج بوصفه تعبيرًا عن انسداد الأفق الاقتصادي
لكن من جهة ثانية، لا يؤدي الحصار بالضرورة إلى إضعاف السلطة الحاكمة بالمعنى السياسي المباشر، بل قد يتحوّل إلى أداة لإعادة إنتاجها. إذ يسمح للنظام بإعادة توجيه الغضب الاجتماعي نحو “العدو الخارجي”، ويبرّر تشديد القبضة الأمنية، ويُسهم في عسكرة الاقتصاد وتركيزه في يد مؤسسات مثل الحرس الثوري، التي تستفيد من اقتصاد العقوبات عبر السيطرة على شبكات الاستيراد والتهريب والمشاريع الكبرى. وهكذا، يصبح الحصار في آن واحد عامل تفكيك اجتماعي للنظام وعامل إعادة تنظيم سلطوي له، في تناقض يعكس عمق الأزمة البنيوية بدل أن يحلّها

النقطة الثانية: الدفاع المستميت عن النظام: مصالح طبقية وعقيدة دينية
يشير جلبير الأشقر بشكل صحيح إلى أنّ الأنظمة، في حالات الأزمات، تميل إلى الدفاع المستميت عن نفسها لحماية مصالح طبقية وهذا ينطبق على الحالة الإيرانية التي تشهد اليوم احتجاجات واسعة، حيث يسعى النظام إلى الحفاظ على شبكة مصالح اقتصادية وسياسية مرتبطة بالطبقات المسيطرة، مثل الحرس الثوري والمؤسسات الاقتصادية المرتبطة به، لضمان استمرار هيمنته
لكن ما يميز الحالة الإيرانية عن غيرها من التجارب العربية، هو أن الدفاع عن النظام لا يرتبط بالمصالح الطبقية وحدها
بل يتخذ طابعًا أيديولوجيًا–دينيًا مركزيًا، يتمثل في الاعتقاد بالولي الفقيه، الذي يُنظر إليه كنائب للإمام المهدي. في هذا السياق، طاعته واجب ديني بالنسبة للغالبية من جماهير الشيعة الإيرانيين المقلدين للامام الخامنئي، ولا يُنظر إليها كمجرد التزام سياسي أو مصلحي
بهذه الطريقة، يصبح النظام الإيراني في مواجهة الاحتجاجات مدافعًا عن مصالح اقتصادية وسياسية محددة، وفي الوقت ذاته مدافعًا عن المشروع الأيديولوجي–الديني للولي الفقيه
الدفاع عن السلطة هنا يجمع بين
العسكرة والاقتصاد-
حماية طبقة مسيطرة تسيطر على مفاصل الاقتصاد والموارد، خصوصًا من خلال الحرس الثوري
الشرعية الدينية-
حماية المرجعية العليا التي تُضفي طابعًا مقدسًا على النظام وتربط الولاء السياسي بالالتزام الديني، ما يزيد من صعوبة أي تحدٍ مباشر للنظام
هذا الطابع المزدوج يجعل من الصراع في إيران صراعًا متعدد المستويات، يجمع بين صراع طبقي، صراع أيديولوجي، وصراع على الشرعية الدينية، وهو ما يميز الحالة الإيرانية عن الأنظمة الأخرى التي قد يكون دفاعها محصورًا بالمصلحة الطبقية أو الأمنية فقط

النقطة الثالثة: غياب البدائل التقدمية وتعقيد الموقف الوطني
يشير جلبير الأشقر إلى أنّ غياب بدائل تقدمية قادرة على تعبئة الجماهير يشكّل عاملًا أساسيًا في استمرار النظام، وهذه الملاحظة صحيحة على مستوى التحليل البنيوي للأنظمة السلطوية
لكن الحالة الإيرانية تتميز بعدة عناصر تجعل الوضع أكثر تعقيدًا: فحتى إذا وجدت بدائل تقدمية، فإن هذه القوى غالبًا ما ستكون ممزقة بين أهداف متعارضة
محاربة النظام الذي يمثل البنية السلطوية القائمة
مواجهة التدخل الأجنبي أو الحرب الإمبريالية على إيران، والتي قد تضع هذه القوى في موقف دفاعي عن الوطن
في هذا السياق، أي هجوم خارجي، مهما كان مدفوعًا بدوافع “تحريرية” أو استكمالية للسياسات الغربية، سيُجبر غالبية القوى التقدمية على الوقوف دفاعًا عن الأرض والسيادة الوطنية، وهو ما يمكن اعتباره الموقف الوطني–التقدمي الطبيعي
هذا يبرز تناقضًا مركزيًا في التحليل الماركسي للحالة الإيرانية
فالقوى التقدمية تواجه صعوبة في الجمع بين تحقيق التغيير الاجتماعي والسياسي داخل البلاد وبين حماية السيادة الوطنية، في ظل نظام يسعى لاستثمار هذا التناقض لصالح إعادة إنتاج شرعيته و تهديد للسياسة الوطنية لا يتوقف اقتصاديا و في الفترة الأخيرة عسكريا
كما شهدنا في الاحتجاجات الأخيرة، أدّت شبكات الجوسسة والتحريض الممولة من الصهاينة، إلى دفع النظام إلى استخدام القوة الغاشمة، وتقييد سبل التحرك السلمي للمتظاهرين، مما أضرّ بشكل مباشر بالقدرة التنظيمية للقوى التقدمية وأضعف أثرها السياسي

بالتالي، تبقى القيود البنيوية على البدائل التقدمية، بالإضافة إلى الارتباط بين النظام والدفاع الوطني ضد التهديد الخارجي، عوامل تحدد مسار الاحتجاجات وتوضح لماذا يمكن للنظام البقاء رغم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحادة

النقطة الرابعة: خصوصية النظام الإيراني – الشرعية الدينية المستمدة من المقدس
ما يميز الحالة الإيرانية عن التجارب العربية، هو أنّ النظام القائم ليس مجرد نظام سلطوي أو سياسي، بل هو نظام ملالي يستمد شرعيته من المقدس ومن نيابة الإمام المهدي الغائب
هذا يشكل تحولًا نوعيًا في العلاقة بين السلطة والدين: إذ لم يعد النظام يمثل جهة خارجية تتحدث باسم المقدس، بل أصبح امتدادًا حيًا له، فيقدّم نفسه كمؤسس لمرحلة جديدة وهي مرحلة تسريع عودة المهدي، بعد أن حرّر الفكر الشيعي من مجرد الانتظار السلبي لظهور الامام
بمعنى آخر، الشرعية هنا مترابطة بشكل عضوي مع استمرار النظام ذاته فالنظام لا يكتفي بتطبيق الشريعة أو إدارة الدولة باسم الدين، بل يمثل استمرارًا للسلطة الدينية العليا نفسها، بحيث يصبح استمراره مرادفًا لاستمرارية المذهب.
ولا يجب أن ننسى أن أغلب الشيعة في ايران يقلدون المرجعية الحاكمة . هذه الغالبية توفر غلافًا اجتماعيًا دينيًا واسعًا يجعل من أي تحدٍ للنظام تحديًا مباشرًا للمرجعية الدينية العليا، ويجعل الولاء للنظام واجبًا دينيًا وسياسيًا في الوقت نفسه
وبذلك، يظهر الفرق الجوهر بين إيران والدول العربية، حيث كانت معظم الأنظمة تسعى فقط إلى التسلط السياسي والاقتصادي دون امتلاك أساس ديني–مقدس متجذر يُبرر سلطتها ويكفل استمرارها عبر طاعة دينية واجبة
إضافة مهمة تميّز الحالة الإيرانية عن الدول العربية، هي طريقة إعادة إنتاج الهيمنة الثقافية والأيديولوجية
في إيران، يتم ذلك أساسًا عبر الأجهزة الأيديولوجية
-الجامعات، المساجد، الحسينيات، المحاكم الشرعية، والمثقفين الممثلين للطبقات السائدة ورجال الدين، ما يضمن تشكيل وعي اجتماعي مترابط مع السلطة الدينية والسياسية
على عكس الدول العربية، حيث تعتمد الأنظمة غالبًا على إعادة الإنتاج البنيوي مباشرة عبر البنية الاقتصادية والسياسية، وإعادة الهيمنة عبر الأجهزة القمعية الرسمية، تخلق إيران نموذجًا متكاملًا يجمع الهيمنة الثقافية–الدينية مع الهيمنة الاقتصادية–السياسية–العسكرية، ما يجعل النظام أكثر استقرارًا وعمقًا في المجتمع
من منظور ماركسي–تحليلي، هذا يخلق تركيبًا مزدوجًا للهيمنة
-هيمنة طبقية واقتصادية عبر مؤسسات مثل الحرس الثوري والشبكات الاقتصادية المرتبطة به
-هيمنة أيديولوجية–دينية–ثقافية مستمدة من المرجعية الشيعية العليا، ومن شبكة المؤسسات التعليمية والدينية، تجعل المعارضة السياسية مرتبطة أيضًا بالموقف من الدين والثقافة الرسمية
وبذلك، يظهر الفرق الجوهر بين إيران والدول العربية: في حين تعتمد الأخيرة على القوة المباشرة والبنية الاقتصادية لإعادة إنتاج الهيمنة، تعتمد إيران على شبكة متكاملة من الهيمنة الثقافية والأيديولوجية، تجعل استمرار النظام مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالوعي الاجتماعي والديني، وليس فقط بالقمع والسيطرة الاقتصادية
بناءً على ما سبق، يمكن القول إنّ مؤسسة مثل الحرس الثوري لا تمثل مجرد جهاز عسكري أو أمني، بل تشكّل مجمّعًا سلطويًا–اقتصاديًا–أيديولوجيًا–عسكريًا متكاملًا. فهي تمتلك شبكة واسعة من المنشآت الاقتصادية، وتتحكم في جامعات ومراكز تكوين، وحسينيات ومؤسسات دينية، إضافة إلى منظومة من الروابط العقائدية، وشيوخ ومراجع دينية، فضلًا عن فصائل مسلّحة ونفوذ تنظيمي في الداخل والخارج. هذا التداخل العضوي بين الاقتصاد، والعقيدة، والعنف المنظم، والمعرفة، يجعل من الحرس الثوري أحد الأعمدة المركزية لإعادة إنتاج النظام وهيمنته الشاملة.
هذه البنية المتكاملة تفسّر إلى حدّ بعيد صعوبة الإطاحة بالنظام الإيراني مقارنة بما شهدته بعض البلدان العربية. ففي حالات مثل تونس، تقوم الدولة السلطوية على فصل نسبي بين الأجهزة الأمنية، والمؤسسات الأيديولوجية، والبنية الاقتصادية، وهو ما جعل هذه الأجهزة أكثر قابلية للاختراق أو التحـييد عند اندلاع الحراك الشعبي، وسهّل تفكك النظام في لحظة أزمة حادة. أمّا في الحالة الإيرانية، فإنّ تماهي هذه المجالات داخل مجمّع سلطوي واحد يجعل أي استهداف لجزء منه بمثابة تهديد للكل، ويدفع النظام إلى تعبئة شاملة دفاعًا عن ذاته بوصفه نظامًا سياسيًا، واقتصاديًا، ودينيًا في آن واحد.
من منظور ماركسي، لا نتحدث هنا عن مجرد قوة قمعية متماسكة، بل عن كتلة سلطة تاريخية نجحت في دمج الهيمنة الثقافية بالسيطرة الاقتصادية والعسكرية، وهو ما يمنحها قدرة عالية على الصمود أمام الأزمات والاحتجاجات، ويجعل مسار التغيير أكثر تعقيدًا وطولًا مقارنة بالسيرورات العربية التي افتقرت إلى هذا المستوى من التداخل البنيوي
خامساً: الحرس الثوري كجهاز دولة أيديولوجي–قمعي
بناءً على ما سبق، يمكن القول إنّ الحرس الثوري لا يمثل مجرد جهاز عسكري أو أمني، بل هو مجمّع سلطوي–اقتصادي–أيديولوجي–عسكري متكامل، يمتلك شبكة اقتصادية واسعة، جامعات، حسينيات، شيوخ، فصائل داخلية وخارجية، وروابط عقائدية متداخلة. هذا التداخل يجعل أي استهداف له بمثابة تهديد للنظام كله، ويصعب الإطاحة به مقارنة بالدول العربية التي تفصل فيها الأجهزة الأمنية عن البنية الاقتصادية أو الأيديولوجية، ما يجعلها أكثر قابلية للاختراق أو التحييد.
من منظور ألتوسير، فإن الأجهزة الأيديولوجية للدولة عادة لها وظيفة قمعية وأخرى أيديولوجية، لكن غالبًا يغلب الجانب القمعي. أما الحرس الثوري، فهو جهاز دولة أيديولوجي–قمعي: الجانب الأيديولوجي متغلغل في كل أبعاده ويصوغ الوعي الاجتماعي والديني، بينما الجانب القمعي يضمن فرض هذا الولاء، ويعمل دومًا في خدمة المشروع الأيديولوجي، ما يجعل النظام أكثر استقرارًا وعمقًا في المجتمع
سادساً: إدارة التناقضات الداخلية واستيعاب الخلافات عبر المرجعية العليا
من المتوقع أن يؤدي الحصار وتفاقم التناقض مع الخارج إلى خلق خلافات داخلية حول اتخاذ الخيارات الاستراتيجية والسياسية، كما حدث بالفعل بين التيارين الرئيسيين في إيران: الأصوليين والإصلاحيين
لكن ما يميز الحالة الإيرانية، هو أنّ كل خلاف داخلي، مهما تفاقم، يتم استيعابه ضمن إطار النظام عبر قائد الثورة، الولي الفقيه، الذي يُعد كلامه واجب التطبيق شرعًا قبل أن يكون قانونيًا. هذا يضمن أن تبقى الخلافات الداخلية محكومة بالمرجعية العليا، ولا تتحول إلى تهديد حقيقي للنظام أو أساس لتغيير جذري
لعل أبرز مثال على ذلك هو تجربة الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي، الذي نشر بعد الأحداث الأخيرة رسالة أعرب فيها عن أسفه على ضحايا الاحتجاجات، وأكد ضرورة الاستماع إلى مطالب الشعب وإدخال إصلاحات هيكلية. ومع ذلك، فقد التزم خاتمي بالحدود التي يفرضها النظام، ووضع أي دعوة للتغيير ضمن إطار الشرعية النظامية والمرجعية الدينية، ولم يخرج في مطالبه عن حدود النظام القائم
من منظور ماركسي، هذا يبرز قدرة النظام الإيراني على استيعاب الصراعات الداخلية والتحكم في مسارها، بحيث يتحوّل كل خلاف إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة، ويظل التناقض بين التيارين داخل نظام السلطة الملالي–الطبقي–الأيديولوجي، دون أن يشكل تهديدًا لبنيته الأساسية أو للولي الفقيه كمرجعية عليا وحاسمة

سابعاً: تماسك الأجهزة الأمنية العسكرية ووحدة القرار القمعي
تختلف بنية الأجهزة الأمنية والعسكرية في إيران جذريًا عن نظيراتها في دول عربية مثل تونس ومصر. ففي الحالة الإيرانية، نلاحظ درجة عالية من التوافق والاندماج بين مختلف الأجهزة: الحرس الثوري، الباسيج، الأجهزة الاستخباراتية، والجيش النظامي، وكلها تتحرك وفق توجيه مركزي استخباراتي سياسي موحّد، يخضع في النهاية للمرجعية العليا للولي الفقيه. هذا التماسك البنيوي يمنع حدوث أي شرخ داخل جهاز القمع، ويجعل من المستحيل تقريبًا الرهان على حياد مؤسسة عسكرية أو انقسام أمني في لحظة أزمة
على النقيض من ذلك، أظهرت التجارب العربية اختلافًا بنيويًا واضحًا. ففي تونس، كان الجيش مفصولًا مؤسساتيًا عن جهاز الأمن الداخلي، وهو ما سمح له باتخاذ موقف الحياد في البداية، ثم حماية إرادة الشارع، تاركًا جهاز الأمن وحيدًا في مواجهة الانتفاضة إلى أن انهار. أما في مصر، فالوضع أكثر تعقيدًا: الجيش يمتلك مصالح اقتصادية وسلطوية خاصة به، وهو ما جعله لا يدافع عن جهاز الأمن ولا عن الحزب الوطني ولا عن مبارك خلال الثورة، خاصة في ظل التناقضات التي كانت قائمة بينه وبين مشروع التوريث المتمثل في جمال مبارك والكوكبة المرتبطة به من رجال الأعمال
في إيران، لا وجود لمثل هذه التناقضات البنيوية داخل جهاز الدولة القمعي. فالحرس الثوري ليس فقط جهازًا عسكريًا، بل هو جزء عضوي من النظام السياسي الأيديولوجي، ومصالحه متطابقة مع بقاء النظام نفسه. لذلك، نلاحظ السرعة الفائقة في السيطرة الأمنية على الاحتجاجات
ففي ظرف ليلتين تقريبًا، تم القضاء على الشغب وعلى جزء كبير من الاحتجاجات السلمية، عبر الاستخدام المنهجي والمنسق للقوة
وفي هذا السياق، فإن تصريح أحد قيادات الحرس الثوري بأن قواته كانت قادرة على القضاء على الاحتجاجات في ساعتين لو استُعملت القوة الغاشمة منذ البداية، ليس من قبيل المبالغة أو الخطاب الدعائي، بل يعكس حقيقة التوازن القائم بين دولة تمتلك جهازًا قمعيًا موحدًا، عالي الانضباط، ومندمجًا أيديولوجيًا، وبين حركة احتجاجية تفتقر إلى التنظيم والقيادة والغطاء السياسي القادر على شل هذا الجهاز أو تفكيكه
من منظور ماركسي، هذا يؤكد أن تماسك جهاز العنف الشرعي، عندما يكون مدعومًا بأجهزة أيديولوجية قوية وبشرعية دينية سياسية، يحوّل أي انفجار اجتماعي إلى تناقض يمكن احتواؤه أمنيًا، بدل أن يتحول إلى أزمة ثورية مفتوحة كما حدث في عدد من البلدان العربية

ثامناً: العامل الخارجي وتشويه الحراك الاحتجاجي
في عدد من البلدان العربية، عندما نزلت الجماهير إلى الشارع، نزلت ككتلة اجتماعية واسعة وموحّدة، ولم يكن بالإمكان في لحظات الانفجار الأولى تحريف إرادتها أو مصادرتها بسهولة من الخارج. فقد جاءت الانتفاضات في تونس ومصر، في بداياتها على الأقل، كتعبير داخلي خالص عن تناقضات اجتماعية-اقتصادية وسياسية متراكمة، وهو ما منحها شرعية شعبية واسعة وأربك أجهزة السلطة وأفقدها القدرة على شيطنة الحراك بسرعة
في الحالة الإيرانية، يختلف الأمر جذريًا. فمنذ احتجاجات 2017، لم تشهد إيران موجة احتجاجية واحدة إلا وخرج فيها عميل مرتبط مباشرة بالمشروع الإمبريالي-الصهيوني، رضا بهلوي، ليعلن دعمه الصريح للاحتجاجات. هذا التدخل العلني والمتكرر لا يخدم الحراك، بل يشوّهه موضوعيًا، لأنه يربطه فورًا بمشاريع التدخل الخارجي ويجرّده من طابعه الوطني، مهما كانت مشروعية مطالبه الاجتماعية
إلى جانب ذلك، لعبت إسرائيل دورًا مباشرًا في تنظيم شبكات تجسس وشغب وتسليح داخل إيران، وهو ما تجلّى في ممارسات عنفية كحرق المساجد، والاعتداء الوحشي، وعمليات القتل التي لا تمت بصلة للاحتجاج السلمي. هذه الأفعال لم تُلحق ضررًا بالنظام بقدر ما ألحقت ضررًا بالغًا بالحراك نفسه، لأنها عزلته عن قطاعات شعبية واسعة، ووفّرت للنظام مسوغًا سياسيًا وأمنيًا وأيديولوجيًا لاستخدام القوة الغاشمة تحت عنوان الدفاع عن الوطن والسيادة


من منظور ماركسي، لا يمكن فصل هذه الدينامية عن موقع إيران في الصراع الإمبريالي العالمي. فحين يتداخل التناقض الداخلي مع تناقض خارجي حاد، فإن أي حراك اجتماعي غير محصّن تنظيميًا وأيديولوجيًا يصبح عرضة للاختراق والتوظيف، وتتحول مطالبه العادلة إلى أداة في صراع دولي، وهو ما يؤدي عمليًا إلى إضعاف القوى التقدمية داخل المجتمع بدل تقويتها، ويعيد شدّ الجماهير إلى الدولة بوصفها “حصنًا وطنيًا” في مواجهة العدو الخارجي

تاسعاً: التجذّر الاجتماعي العابر للطبقات للنظام الإيراني
يتميّز النظام الإيراني، على عكس أغلب الأنظمة العربية، بدرجة عالية من التجذّر داخل الطبقات الاجتماعية المختلفة. ويعود ذلك أساسًا إلى كونه نظامًا إسلاميًا ثوريًا، حيث إن الحركات والأنظمة الإسلامية لا تلزم نفسها بتمثيل طبقي محدد، بل تقدّم نفسها بوصفها ممثلًا للأمة ككل، أي أنها ترتقي أيديولوجيًا فوق الانقسامات الطبقية، وتعمل على استيعابها بدل الاكتفاء بقمعها
هذا يميّزها جذريًا عن الأنظمة البونابارتية العسكرية أو البوليسية في العالم العربي. فصحيح أن هذه الأنظمة بدورها تدّعي الارتقاء فوق الطبقات، لكنها في الواقع لا تتجذّر فيها، بل تُخضعها عبر الأمن، والبيروقراطية الإدارية، والحزب الحاكم، دون أن تبني معها روابط أيديولوجية أو رمزية عميقة
نظام بن علي في تونس مثال واضح: لم تكن له علاقة عضوية بالطبقات المفقّرة، بل اعتمد على شبكات وشاية وارتزاق داخل هذه الطبقات، حيث يتحوّل بعض الأفراد إلى أدوات قمعية أو مخبرين مقابل الامتيازات أو الخوف، دون أي انتماء حقيقي للنظام أو دفاع واعٍ عنه
في المقابل، نجد في إيران نموذجًا مختلفًا تمامًا. فالنظام أعاد بناء علاقته بالطبقات الشعبية عبر أجهزة أيديولوجية-أمنية هجينة مثل قوات الباسيج، التي لا تقتصر على كونها قوة أمنية، بل تمتلك نوادي، وهياكل اجتماعية، وأنشطة ثقافية، وتعمل على استقطاب أبناء الطبقات المفقّرة والمهمّشة، ودمجهم في مشروع النظام بوصفه استمرارًا لروح الثورة الإسلامية. ويُضاف إلى ذلك الدور المركزي للحسينيات في تنشئة جيل إسلامي مؤدلج، يرى في النظام تعبيرًا عن الهوية الدينية والوطنية معًا
هذا التجذّر الاجتماعي ليس نظريًا فقط، بل تجلّى سياسيًا بشكل واضح، كما في انتخابات 2005 التي أوصلت محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة، بدعم واسع من القواعد الشعبية والباسيج وأبناء الطبقات الفقيرة، حيث قُدّم آنذاك بوصفه ابن الثورة والمدافع عن “المستضعفين”. وقد عبّر المرشد الأعلى لاحقًا عن هذه القاعدة الاجتماعية حين وصف أبناء الباسيج بشرف الامة
من منظور ماركسي-غرامشي، يمكن القول إن النظام الإيراني نجح، إلى حدّ بعيد، في بناء هيمنة لا تقوم على القسر وحده، بل على القبول النسبي داخل قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة في الطبقات الدنيا، وهو ما يفسّر صلابة النظام في مواجهة الأزمات، ويجعل أي محاولة لإسقاطه عبر الاحتجاجات وحدها أكثر تعقيدًا مقارنة بالأنظمة العربية التي كانت تفتقر إلى هذا النوع من التجذّر الاجتماعي-الأيديولوجي

خاتمة المحور الأول
يتّضح مما سبق أن النظام الإيراني يشكّل حالة فريدة من حيث القوة البنيوية والتجذّر الاجتماعي والأيديولوجي، تجعله أقوى من أي نظام واجهته الإمبريالية في العقود الأخيرة، إذا ما قورن بالعراق أو فنزويلا أو سوريا وغيرها. هذه القوة لا تعني مناعته المطلقة، لكنها تعني أن مهمة إسقاطه أكثر تعقيدًا وشرسًا، سواء بالنسبة للإمبريالية أو بالنسبة لمهمة بناء معارضة ثورية وطنية تقدمية
بناءً على ذلك، فإن أي حديث عن سقوط وشيك للنظام، أو أي تهليل ساذج للاحتجاجات باعتبارها لحظة حاسمة، ليس سوى هراء سياسي يصدر إما عن وعي مغيّب، أو جهل تحليلي، أو تدليس مكشوف. والمثير للسخرية أن بعض المواقع المحسوبة على حركات شيوعية وقعت في هذا الفخ، مكررة نفس التوقعات التي قيلت بعد احتجاجات 2017 واحتجاجات مهسا أميني 2022، وكأن شيئًا لم يُتعلم. كانت تلك النصوص أقرب إلى قصائد حماسية منها إلى تحليلات مادية جدلية
نحن، كماركسيين، نريد بلا شك إيران اشتراكية معادية للإمبريالية، لكننا ننطلق من تحليل التناقضات الواقعية لا من الرغبات. والتحليل الذي قُدّم في هذا المحور يبيّن أن قوة النظام هي معطى مادي يجب التعامل معه، لا القفز فوقه. وهذا ما يستدعي البحث الجدي عن سبل الإطاحة به دون خدمة الإمبريالية، وهي مهمة معقدة لكنها ضرورية بالنسبة لنا كماركسيين
يمثل هذا النص المحور الأول من سلسلة مقالات، وسيليه
- مقال ثانٍ حول العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل ومسألة التدخل الأجنبي والعسكري
- مقال ثالث حول مستقبل الصراع، ومهام القوى التقدمية، ونقاط الضعف البنيوية في النظام التي يمكن استغلالها مستقبلا



#سامر_بن_عبد_السلام (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عفوية بلا أفق: قراءة نقدية في مشروع حركة جيل زد بتونس
- هل حزب العمّال والوطد أحزاب طبقية حقًا؟
- في الرد على اطروحات الوطد
- في الرد على ما قاله الامين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين ...
- إضراب 21 ديسمبر: مناورة فوقية أم تعبير عن إرادة العمال التون ...
- -الهيمنة الثقافية في العالم العربي: مقاربة ماركسية-
- في نقد موقف حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد من نظام قيس سعي ...
- في فهم الصراع بين نظام 25 جويلية والاتحاد العام التونسي للشغ ...
- يران أم إسرائيل: أيّهما الخطر الحقيقي على العرب؟ قراءة ماركس ...
- قيس سعيّد بين بونابارتية الدولة التابعة والشعبوية اللقاحية: ...
- لا للتدخل الاجنبي
- حزب العمال والديمقراطية: أسطورة القندس
- ضد الشاشة المستعمِرة: في راهنية مشروع الطاهر شريعة وتجاوز حد ...
- اسطورة العداء بين البرجوازية الوطنية والامبريالية : النظام ا ...
- الاسد ووهم الممانعة كيف حوَّل اليسار الستاليني الطغاةإلى أبط ...
- حركة النهضة والطبقات الاجتماعية في تونس: قراءة ماركسية في مس ...
- البيروقراطية في تونس بين الجذور الاستعمارية والفشل الإصلاحي: ...
- الثورة الدائمة و يوغسلافيا - ميشال بابلو


المزيد.....




- غزة: أي وقف لإطلاق النار؟
- بيان المجلس الجهوي لحزب النهج الديمقراطي العمالي بالجنوب
- القبض على أحمد دومة ضمن حملة ترهيب ضد المدافعين عن سجناء الر ...
- حديث عن -انهيار- مفاوضات دمشق و-قسد-.. -حزب العمال الكردستان ...
- على هامش صدور الترجمة العربية لمذكرات المناضل إبراهيم أوشلح: ...
- أكاديمية تواجه التنكيل الإداري رغم حصولها على أحكام قضائية
- من «هنا القدس» إلى أصوات تحت الركام: الإعلام الفلسطيني في مو ...
- إعلام عبري: نتنياهو لن يفتح معبر رفح دون تسليم أخر جثة محتجز ...
- بيان المكتب المحلي لحزب النهج الديمقراطي العمالي فرع وجدة
- قطار الاحتجاجات يصل لمطاحن أسيوط


المزيد.....

- الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو / غابرييل هيتلاند
- فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم ... / مايكل جون-هوبكنز
- نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و ... / شادي الشماوي
- روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية / إلين آغرسكوف
- بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي ... / رزكار عقراوي
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ... / رياض الشرايطي
- التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع ... / شادي الشماوي
- الإقتصاد في النفقات مبدأ هام في الإقتصاد الإشتراكيّ – الفصل ... / شادي الشماوي
- الاقتصاد الإشتراكي إقتصاد مخطّط – الفصل السادس من كتاب - الإ ... / شادي الشماوي
- في تطوير الإقتصاد الوطنيّ يجب أن نعوّل على الفلاحة كأساس و ا ... / شادي الشماوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - سامر بن عبد السلام - في توسيع أطروحة جلبير الأشقر حول السيرورتين العربية والإيرانية