|
|
لا شريك قرار باراك — تصفية اليسار-الفصل السابع
محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 22:47
المحور:
قضايا ثقافية
لا شريك قرار باراك — تصفية اليسار-الفصل السابع
كان يتناول المكسرات والبذور من وعاءٍ صغير داخل كوخٍ خشبي كبير في ماريلاند، ويتحدث عن «الوضع». فجأة لمح أحد الحاضرين من طرف عينه أن رئيس الوزراء يمسك بحلقه ويكاد يختنق. ولرعب الجميع، بدأ وجهه يزرقّ وهو يختنق ببطء. اندفع مساعد شاب، بدافعٍ غريزي، وأمسك برئيس الوزراء من الخلف ونفّذ مناورة «هايمليك» الشهيرة. طارت حبّة فستق صغيرة إلى الأرض، وتنفس الجميع، بمن فيهم رئيس الوزراء، الصعداء. في تموز/يوليو 2000، وفي خضم قمة كامب ديفيد التاريخية، كاد إيهود باراك أن يصبح ضحيةً أخرى للسلام. قبل أربعة عشر شهرًا، شوهدت مجموعة كبيرة من الشبان ببدلات سوداء تركض في وقتٍ متأخر من إحدى الأمسيات على شارع هيركون في تل أبيب متجهة جنوبًا. وما إن توقعت قناتا التلفزيون الوحيدتان في إسرائيل فوزًا كاسحًا غير مسبوق بفارقٍ من رقمين، حتى سمع حراس الشاباك عبر سماعاتهم أمرًا واضحًا. وفي لحظة، أُفرغ الجناح الكبير الحزين لرئيس الوزراء المهزوم في فندق هيلتون، وامتلأ الجناح الكبير الاحتفالي لرئيس الوزراء المنتخب في فندق دان القريب. لم تنتظر وحدة الحماية الشخصية في الشاباك اكتمال فرز الأصوات لتبدّل ولاءها. كان يكفي سماع إعلان بنيامين نتنياهو أنه يأخذ «استراحة»، افترض الجميع أنه لن يعود بعدها. كانت حملة باراك الانتخابية عام 1999 تحفة في فن الدعاية. ذكّرت إعلاناته الناخبين بأيام شبابه حين كان القائد الجريء لوحدة «سييرت متكال» الخاصة. وعُرضت عليهم مرارًا الصورة الشهيرة له واقفًا على جناح طائرة مخطوفة، إلى جانب جثة إرهابي قُضي عليه برصاصة واحدة في الرأس. في إسرائيل وحدها يحاول زعيم «معسكر السلام» كسب الشعبية بصورٍ حربية كهذه. وفي إسرائيل وحدها يستطيع مرشح أن يسعى إلى الصوت العربي وفي الوقت نفسه يتباهى بعدد العرب الذين قتلهم خلال سنوات خدمته العسكرية. وبقدرٍ لا يقل عبثية، حاول باراك إقناع عزمي بشارة، الذي سيُتَّهم لاحقًا بالخيانة ويفرّ إلى الخارج، بالانسحاب من السباق، فأرسل وسطاء ليعدوه بأنه مقابل انسحابه ستحسّن حكومته ظروف سجن الإرهابيين المدانين. لكن من أجل السلام، منح الناخبون العرب مرشح «إسرائيل واحدة»—وهو الاسم الذي أُعيد به تسويق حزب العمل في انتخابات 1999—دعمًا كاد يبلغ مئة في المئة. لم يكن اسم «معسكر السلام» مرادفًا دائمًا لـ«اليسار». حتى أوائل التسعينيات، كان هذا الوصف يُطلق على مجموعة صغيرة في هامش اليسار: الحزب الشيوعي، وحزب راتس، وأسبوعية «هذا العالم» الشعبية التي كانت تروّج للانسحابات الإقليمية بالحماسة نفسها التي تروّج بها لصور فتيات شبه عاريات على صفحتها الأولى. أما حزب العمل فكان يعارض بشدة إقامة دولة فلسطينية. وقالت غولدا مائير إنه لا وجود لما يسمى «الشعب الفلسطيني»، وقالت عن العرب: «لا أستطيع أن أغفر لهم لأنهم يجبروننا على قتل أطفالهم». وشرح شمعون بيريس أنه «من غير المعقول ألا يكون بمقدور اليهود الاستيطان في كل أنحاء أرض إسرائيل». وكان رؤساء حكومات العمل مستعدين لدفع ثمنٍ باهظ من الدم في عمليات تحرير رهائن، من ميونيخ إلى عنتيبي، لأنهم رفضوا التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية على تبادل إرهابيين مقابل رهائن—ناهيك عن مبدأ "الأرض مقابل السلام". عند مطلع الثمانينيات، أيّد جميع أعضاء العمل قرارًا في الكنيست وصف ياسر عرفات بأنه «قاتل عتيد». وقال أحد نواب العمل: «من الواضح أن الذئاب لا تتغير لمجرد أنك تربّت عليها». أيد 88 عضو كنيست القرار، وعارضه خمسة فقط. وبعد اثنين وعشرين عامًا، وبعد أن التقط أنفاسه إثر حادثة الفستق، وقف آخر رئيس وزراء من اليسار مستعدًا لمصافحة هذا «الذئب» أملاً في أن يوقّع اتفاقًا دائمًا ينهي الصراع مع «الخراف». بالنسبة لباراك، كان ذلك نوعًا من الإغلاق الشخصي: فقد كان، حين قاد وحدة «سييرت متكال» في أواخر السبعينيات، قد اقترح نصب كمين لموكب عرفات في لبنان بشاحنة محمّلة بنصف طن من المتفجرات. كان ذلك نهاية مسارٍ بطيء وطويل ومؤلم. فمنذ حرب يوم الغفران، أصبحت سيطرة إسرائيل على يهودا والسامرة وغزة القضية الرئيسية في كل انتخابات. لم يعد أحد يعتقد، كما قال موشيه ديان، أنه «من الأفضل أن نمتلك شرم الشيخ بلا سلام، على أن يكون هناك سلام بلا شرم الشيخ». وبدأ الجدل حول صيغة "الأرض مقابل السلام". رُسمت خطوط المواجهة بين اليمين واليسار بمساعدة منظمتين مدنيتين مهمتين تأسستا بعد الحرب: «غوش إيمونيم» و«السلام الآن». أدرك الشباب الصهيوني الديني أنه لمقاومة الضغط الدولي من أجل الانسحاب، لا بد من خلق وقائع على الأرض. وأدرك شباب اليسار العلماني أنه من دون سلام الآن، سيكون اقتلاع هذه المستوطنات الجديدة لاحقًا أصعب بكثير. ومنذ شتاء 1974 وحتى الربيع العربي، وعلى مدى نحو أربعين عامًا، تصادم الطرفان تقريبًا حصريًا حول هذه القضية. ولم يلاحظ «الصقور» أن الطرفين في هذا الصراع الطويل كانا ينجرفان تدريجيًا نحو اليسار مع كل انتخابات. فقد ظل الليكود والعمل يتجادلان بالحماسة نفسها، بينما يقتربان خطوةً فخطوة من فكرة الانسحابات الإقليمية. ففي وقت مبكر من عام 1974، اتهم «المعراخ» (التحالف) مناحيم بيغن بالتعنت ورفض أي شكل من أشكال التسوية. لكن مواقف المعراخ نفسها آنذاك كانت ستُعدّ يمينية متطرفة في زمن باراك: فمن 1974 حتى 1988 نصّ برنامجه على أن «الدولة الفلسطينية ستكون مصدر عداء يهدد سلام إسرائيل والمنطقة بأسرها». وحتى منتصف الثمانينيات، ظل يؤيد بناء مستوطنات جديدة في الكتل الكبرى. وفي عام 1992، كان حزب العمل لا يزال يعارض إخلاء أي مستوطنة. وحتى إيهود باراك، عشية انتخابات 1999، تجنّب استخدام عبارة «دولة فلسطينية»، وأوحى بأنه حتى لو قامت مثل هذه الدولة فلن تشمل أكثر من «40، ربما 50 في المئة» من يهودا والسامرة. وكرر مرارًا وعده بأن «عوفرا وبيت إيل ستبقيان إلى الأبد تحت السيادة الإسرائيلية». بل إنه جند لحملته رئيس بلدية القدس آنذاك، إيهود أولمرت، الذي وعد مرارًا بأن باراك لن يقسم العاصمة—وهو وعد سيخضع للاختبار قريبًا جدًا وسيفشل. تحول حزب العمل: الحجر والصاروخ لم يحدث تحول حزب العمل بين ليلة وضحاها. لقد حدث بسبب جسمين متشابهي المدى الكروي مختلفي المدى: حجر وصاروخ. في أواخر عام 1987، وبشكل مفاجئ تقريبًا، اندلعت النيران في يهودا والسامرة وقطاع غزة. عشرون عامًا من الهدوء النسبي في الأراضي المحتلة تلاشت لتحلّ محلها اضطرابات جماهيرية، حيث تم قذف جنود جيش الدفاع الإسرائيلي بالحجارة وزجاجات المولوتوف. واستبدل المستوطنون وراء الخط الأخضر زجاج نوافذ سياراتهم بألواح بلاستيكية مقاومة للصدمات. الجيل الأول من الفلسطينيين تذكر القوة المدمرة للجيش الإسرائيلي عندما احتل قطاع غزة بين شروق الشمس وغروبها، واحتل يهودا والسامرة في ستين ساعة فقط. الجيل الثالث عاش تجربة مشابهة عندما استعادت إسرائيل المدن الفلسطينية عام 2002 لقمع موجة تفجيرات انتحارية. أما الجيل الوسيط، فواجه جيشًا مختلفًا: جيش متراجع، يقوم بدور قوة شرطة مرتبكة ضد انتفاضة شعبية، مستخدمًا أسلحة متواضعة نسبيًا. بدل الدبابات، استخدم الجيش الإسرائيلي الرصاص المطاطي؛ وبدل الطائرات المقاتلة، رشش الغاز المسيل للدموع. أمر وزير الدفاع من حزب العمل، يتسحاق رابين، القوات بـ«كسر الأذرع والأرجل». وبعد سنوات، شرح أنه أُسيء فهمه: لم يكن يدعو لاستخدام القوة المفرطة، بل العكس تمامًا—كان يأمر الجنود بإحداث إصابات، لا قتلى. تدريجيًا، بدأ الإسرائيليون، بمن فيهم قادة اليسار، يدركون ثمن السيطرة على الأراضي المحتلة. بعد ثلاث سنوات، تحوّل نزاع نفطي في الخليج إلى أغرب حرب في تاريخ إسرائيل: حرب الخليج. تدخلت الولايات المتحدة للدفاع عن الكويت بعد غزو العراق لها، واختار الطاغية صدام حسين تحريك الشارع العربي بالأسلوب الأسهل: بإطلاق النار على إسرائيل. أطلق صواريخ سوفيتية قديمة على تل أبيب وحيفا. خيم الذعر على إسرائيل خشية أن تكون الصواريخ محمّلة برؤوس كيماوية، لكن كان إنذارًا كاذبًا: جميع صواريخ صدام كانت تقليدية، ما عدا الأخيرة، التي كانت مليئة بالخرسانة لسببٍ غير معروف. لن تُنسى الليالي، التي كانت في البداية مخيفة، ثم غريبة، وأخيرًا سخيفة، حيث كنا متجمعين في غرف محكمة الإغلاق في المنزل (كما في كوفيد-19)، الجميع يرتدي أقنعة وأُلغيت المدارس. من نافذة جبلنا، عبر أغطية نايلون، كنا نرى أثر الصواريخ الطويلة وهي تصوّب أهدافها على السهل الساحلي. جيراننا الفلسطينيون شاهدوا ذلك أيضًا ورقصوا على أسطح منازلهم فرحين: «يا صدام، يا حبيب، اضرب اضرب تل أبيب!» كانوا متحمسين لتفويض العراق بما لم يستطيعوا فعله: إجبار الإسرائيليين على الاختباء في الملاجئ. على السطح، كان هذا تصرفًا غبيًا جدًا من قبل الفلسطينيين في طريقهم نحو الاستقلال. غاضبًا، كتب يارون لندن، أحد كبار الصحفيين في اليسار الإسرائيلي: «هذا الأسبوع أثبت لي كم كنت غبيًا طوال السنوات الماضية. في المرة القادمة تطلبون مني دعم حقوقكم "المشروعة"، ستجدون أن تشجيعكم لصدام جعلني أصم عنها». ولم يستطع يوسي ساريد، المؤيد القديم لرؤية الدولتين، كبح جماح نفسه وكتب عمودين في هآرتس ضد الفلسطينيين وعرفات، بلغة لاذعة ومرة وحامضة: الأول بعنوان حر، تقريبًا «إذهب بعيدًا»، والثاني بعد أشهر، "لا تهتم بالذهاب بعيدًا". في النهاية، كان ساريد من أدرك الحقيقة: اندفاع اليسار الغاضب ضد الفلسطينيين كان مؤقتًا. بدلاً من ذلك، تبنى معظم الإسرائيليين فهمًا جديدًا: لقد قلل عصر حرب الصواريخ—كما بدا—أهمية السيطرة على الأراضي. أربعة ملايين إسرائيلي جلسوا في غرفهم المحكمة الإغلاق، يرتدون أقنعة الغاز الأمريكية، مع أطفالهم في سرائر مختومة غريبًا، بسبب طاغية مجنون على بعد أكثر من خمسمئة ميل. خرجوا وهم يدركون: إذا كانت الصواريخ تستطيع الطيران لمئات الأميال، فلماذا تُعتبر السيطرة على عشرين إلى ثلاثين ميلاً من نهر الأردن إلى ضواحي تل أبيب مهمة كبيرة؟ قرروا فصل الفلسطينيين عن الأنظمة الشريرة حولنا، حتى لو استلزم الأمر التنازل عن أجزاء من يهودا والسامرة. السلام أهم من الأراضي. في 9 حزيران/يونيو 1992، وفي ليلة دافئة متأخرة من ربيعٍ متأخر، اقترب ثلاثة عملاء من الموساد من رجل خرج للتو من سيارة أجرة عند مدخل فندق ميريديان في باريس وأطلقوا ثلاث رصاصات على رأسه عن قرب. كان هذا الرجل عاطف بسيصو، ضابطًا بارزًا في منظمة التحرير الفلسطينية ومسؤولًا عن مجزرة الرياضيين الإسرائيليين في أولمبياد ميونيخ 1972. كان آخر مسؤول فلسطيني أُرسل إلى السماء بواسطة الموساد. وبعد سنة ونصف، صافح رئيس الوزراء الإسرائيلي يتسحاق رابين زعيم منظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عرفات، على عشبٍ في واشنطن. حكومة رابين-بيريس كانت قد وعدت بالتفاوض مع أي فلسطيني يعترف بإسرائيل ويتخلى عن الإرهاب، مهما كان مقدار الدم الإسرائيلي على يديه. الجمهور الإسرائيلي دعم هذا بدرجة كبيرة. لسنوات، حاول خبراء الاستطلاعات معرفة الرأي العام الإسرائيلي، وسألوا المواطنين عن موقفهم على مقياس من 1 إلى 7 بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. أظهر المتوسط الوطني مكانة المواطن العادي—دعونا نسميها فاردت—في 1993، عندما كانت حكومة رابين-ميرتز في السلطة، أعطت لنفسها درجة 3.8، أي يميل قليلًا إلى اليسار. بمعنى آخر، كانت متفائلة بحذر بشأن السلام. هذه كانت المرة الأولى منذ حرب يوم الغفران التي انحاز فيها الرأي العام الإسرائيلي نحو اليسار، وسرعان ما ثبت أنها الأخيرة. ومع ذلك، بدا الليكود متطرفًا وقديم الطراز. تحدى ثلاثة نواب من الليكود تعليمات الحزب بالتصويت ضد اتفاقيات أوسلو. بدا أن معسكر السلام قد هزم المعسكر الوطني بشكل شامل. في أواخر عام 1993، مرّر ضابط شاب يُدعى نافتالي بينيت إلى قاعدته، فقال له السائق عند رؤيته للزي العسكري: «تبدو شخصًا رائعًا. ألا تضيع وقتك في الجيش؟ هناك سلام. الحرب كانت أخبار الأمس.» اتُخذت اتفاقيات أوسلو، أهم التطورات الدبلوماسية في الجيل الماضي، كهيكل مؤقت. بُنيت بسرعة كترتيب مرحلي على أمل أن يحل مرور الزمن والعلاقات الجيدة بين الجيران أكبر نقاط الخلاف: القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين، والمستوطنات، والحدود النهائية. انسحبت إسرائيل أولًا من مدينة غزة وأريحا، ثم من رام الله، والخليل، والمدن الفلسطينية الكبرى الأخرى. صافح رابين، بيريس، ونتنياهو عرفات، مانحين إياه الأراضي والأسلحة. ولكن بعد ست سنوات، لم يكن هناك أي تقدم نحو هيكل دائم. استمرت إسرائيل في التنازل عن أجزاء من الأراضي، دون أي نهاية للصراع في الأفق. كان رئيس الوزراء العاشر لإسرائيل، إيهود باراك، مصممًا على التغيير. بعد شهرين من فوزه الانتخابي المذهل، في اجتماعات كان يفضل عقدها في الساعة 3:00 فجراً وما بعدها، لوّح قلم رصاص على المتحدثين معه وقال: "ترون هذا؟ لن يقف ما لم أمسكه. إذا أسقطته، سيسقط. هذا بالضبط وضع الفلسطينيين. إما نصل لاتفاق، أو نحن على طريق التصادم. " لم يكن المعاهدة الواحدة كافية لباراك. أراد في عام واحد فقط أن يُحدث سلامًا شاملًا في الشرق الأوسط، موقّعًا اتفاقيات مع سوريا والفلسطينيين. ثم، كان يأمل أن يكرّس بقية فترة ولايته للشؤون الداخلية. بدأ يخطط سرًا لتجاوز القانون الذي حدّد ولايات رئيس الوزراء بثماني سنوات في ذلك الوقت، وكان يخطط للبقاء في السلطة لمدة اثني عشر عامًا. كانت محاولاته لاستمالة زعيم سوريا، حافظ الأسد، غير ناجحة. مدحه وقال: «قائد شجاع، شكّل سوريا الحديثة»، متجاهلًا أنه فعل ذلك بقتل عشرات الآلاف بالغاز العصبي. كان مستعدًا للانسحاب من هضبة الجولان وحتى السماح للسوريين بالسباحة والصيد في بحيرة طبريا. في النهاية، لم تُرفع أي أعلام إسرائيلية في القصر الرئاسي بدمشق. انتهت قمة وزير الخارجية السوري دون اتفاق. جاء الرئيس الأميركي بيل كلينتون إلى سويسرا خصيصًا للقاء الأسد، ليكتشف خلال ست دقائق فقط أنه لا يوجد أحد للتحدث معه ولا شيء للحديث عنه. كما قال بيني بيغن آنذاك: "محاولة إسرائيل لإقامة سلام مع الأسد وعرفات أشبه بمحاولة امرأة إغراء رجل مثلي الجنس: مهما حاولت، لن يكون مهتمًا. " كانت طموحات باراك للسلام الإقليمي الشامل انعكاسًا مباشرًا للفوضى داخل حكومته. من بين ثمانين عضو كنيست في تحالفه الأصلي، لم يتبقَ أقل من ثلاثين عضوًا بعد أقل من عام. وبينما كان يحاول حل الصراع مع العالم العربي، كافح أيضًا لإدارة أزمة تافهة بشأن مسألة مرور توربين عبر شوارع إسرائيل. خوفًا من رد فعل سائقي العلمانيين إذا تسبّب ذلك في ازدحام شديد في يوم عمل، قرر نقله في يوم السبت. انسحب اتحاد التوراة اليهودية من حكومته. وكانت هذه علامة سيئة على قدرته في إيجاد حلول خلاقة لقضايا أكثر دراماتيكية، مثل عودة اللاجئين الفلسطينيين أو مصير القدس. بينما كانت حكومته تنهار بسرعة، قرر باراك اختبار ما إذا كان «قلمه» المجازي سيقع أم يثبت. وضع هدفًا لنفسه: حل تاريخي واضح للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني بمعاهدة سلام شاملة، فورًا وحاليًا. وعندما توجه إلى قمة كامب ديفيد، لم يعد يملك أي ائتلاف. انسحب وزراؤه واحدًا تلو الآخر، تاركين له ما لا يقل عن عشر حقائب وزارية. وكان يعلم أنه دون إنجاز تاريخي، فإن أيامه كرئيس وزراء معدودة. بلا شريك: قرار باراك – تصفية اليسار واقفًا عند مدخل منتجع الرئيس الأمريكي الصيفي في أوائل يوليو 2000، لم يقلل إيهود باراك من حجم اللحظة: «مئة عام من العداوة والصراع تلتقي عند هذه النقطة الزمنية.» وفي تلميح واضح، أُعطي باراك كوخًا كان قد نام فيه الرئيس المصري أنور السادات قبل اثنين وعشرين عامًا. كان الأمريكيون يتوقعون منه تقديم تنازلات بحجم تنازلات مناحم بيغن، إن أمكن، حتى آخر شبر. يائسًا من تحقيق إنجاز، وافق باراك على التنازل عن كل شيء تقريبًا. لقد نسي وعده الانتخابي القديم بأن الدولة الفلسطينية يمكن أن تُقام على أقل من نصف أراضي يهودا والسامرة وقطاع غزة. همس بعرضه السري الحقيقي في أذن بيل كلينتون: 92٪ من الأراضي، إخلاء عشرات الآلاف من المستوطنين، والتحفة الكبرى—تقسيم القدس بمنح عرفات الأحياء الإسلامية والمسيحية في البلدة القديمة وتقسيم السيادة على الحرم الشريف. كسر المحرم تلو الآخر، مقدمًا تنازلات لم يكن أحد يتخيلها يومًا. كان عرضًا لا يُرفض، ولم يرفضه عرفات. رئيس السلطة الفلسطينية لم يكلف نفسه بالرد على عرض باراك الذي نقله له الرئيس كلينتون. وقيل لاحقًا إن جزءًا من سبب انهيار القمة كان أن باراك لم يكن لطيفًا بما يكفي مع عرفات، لكن الذين يلومون مهارات باراك الاجتماعية لا يفهمون ما قاله مستشار عرفات، أحمد طيبي: الحد الأدنى الذي يقبله الفلسطينيون لم يطابق أبدًا الحد الأقصى الذي كان الإسرائيليون على استعداد لمنحه. استمرت القمة أربعة عشر يومًا، شعرت وكأنها دهر كامل. وفي النهاية، عاد باراك إلى الوطن بلا معاهدة سلام وبلا حكومة. سقط القلم وانكسر. على السجادة الحمراء في مطار بن غوريون، اتخذ باراك قراره. لقد ختم ليس مصيره وحده، بل مصير معسكر السلام كله. «اليوم أعود من كامب ديفيد»، قال في خطابٍ تشكّل فيه دوره كرئيس وزراء، «أحدق في عيون ملايين الناس الذين أرسلوني، وأقول بقلب معذب: لم ننجح. في الوقت الحالي.» ألقى رئيس الوزراء نظرة على نص خطابه الأصلي، المكتوب خلال الرحلة من قبل مستشاريه. كان مكتوبًا: «لم ننجح، لأنه لا شريك.» أضاف تعديلًا طفيفًا شفويًا، ليبقي الباب مغلقًا لكن غير مقفل: "لم ننجح لأننا لم نجد شريكًا للاتفاق. " الذاكرة الجماعية قد تكون مضللة. يُنسب لشيمون بيريس القول: «هل أنا خاسر؟»، لكن في الواقع كانت كلماته للجنة المركزية لحزب العمل: «يقولون إن بيريس خاسر. أنا الذي خسرت؟!» في انتخابات 2015، لم يذكر بنيامين نتنياهو «الجماهير العربية» بل استخدم تعبيرًا أكثر اعتدالًا: «الناخبون العرب يتوجهون بأعداد كبيرة إلى صناديق الاقتراع.» ومع ذلك، في الذاكرة الشعبية الإسرائيلية، كان بيريس خاسرًا، وصوّت العرب بأعداد كبيرة، والذاكرة مرنة بما يكفي لتتكيف مع التصورات المسبقة. ملايين العيون التي ذكرها باراك بدت وكأنها تطالع نص خطابه وتتجاهل ما قاله بالفعل. الشيء الوحيد الذي بقي من خطاب باراك، ومن ولايته كرئيس وزراء، هو عبارة "بلا شريك". بهاتين الكلمتين، اللتين لم يقلهما فعليًا، قام إيهود باراك بتصفية المعسكر السياسي الذي حكم إسرائيل معظم تاريخها، تاركًا إياه عاريًا وعليه علم ممزق حول وسطه. لا يزال يصافح وزرائه على السجادة الحمراء؛ وكانت موكب مصفح بانتظاره ليأخذه إلى منزله؛ نام في مقر الإقامة في شارع بلفور؛ وما زال الناس ينادونه «السيد رئيس الوزراء». استمر حزب العمل بالتنقل داخل وخارج التحالفات. بل وحقق بعض النجاحات الانتخابية هنا وهناك. ولكن في تلك اللحظة، انتهى اليسار. تتماسك المعسكرات السياسية حول أفكار، والفكرة الكبرى لليسار قد احترقت للتو. وربما كان هذا سيحدث عاجلًا أم آجلًا، لكن باراك عجّل انهياره بشكل دراماتيكي.
بعد الفشل الملحمي في كامب ديفيد، لم تعود المفاوضات مع الفلسطينيين إلى مسارها. التقى رؤساء الوزراء الإسرائيليون زعماء فلسطينيين في أنابوليس وباريس وتابا ونيويورك وواشنطن والقدس. قرب نهاية ولايته، تلقى إيهود أولمرت من بشار الأسد توصيلًا من الحمص، أُعدّ صباح ذلك اليوم في مطعم بدمشق. كان كريميًا ولذيذًا. وكان أيضًا ثمرة السلام الوحيدة التي استمتع بها أحد في القدس حتى اتفاقيات إبراهيم مع دول الخليج في 2020. ما أسماه باراك «كشف عرفات» كان لحظة تشكيلية في التاريخ السياسي الإسرائيلي. حتى ذلك الحين، كانت السياسة الإسرائيلية مقسمة بين اليسار واليمين وربما بعض فتات الوسط. لكن في تلك اللحظة، انقلبت سفينة الدولة. بدأ المعسكر الذي كان يشكل نصف الأمة، وأحيانًا أكثر، بالغرق حتى غمر بالكامل. باختصار: بين حرب الأيام الستة عام 1967 والانتفاضة الأولى عام 1987، عارض معظم الإسرائيليين المفاوضات مع الفلسطينيين. بين 1987 وفشل باراك المذهل عام 2000، دعم معظم الإسرائيليين المفاوضات. لا عجب أن هذه الفترة شهدت ثلاثة رؤساء وزراء من حزب العمل: بيريس، رابين، وباراك. كان ما أسموه «الشرق الأوسط الجديد» يعني بالنسبة لهم زواجًا سعيدًا بين إسرائيل والفلسطينيين. بعد باراك، من 2000 حتى الربيع العربي في 2011، لم يعد الإسرائيليون يؤمنون بالسلام، ولم يكونوا مهتمين بشكل خاص بإدارة مناطق مكتظة بالسكان الفلسطينيين. أرادوا ألا يتزوجوا الفلسطينيين بل يطلقوهم. وكانت النتيجة المفاجئة دعم واسع للانسحاب الأحادي الجانب. فاز حزب كاديما، ذا الذاكرة المباركة، بالسلطة وواعد بتنفيذ هذا بالضبط، مع خطة لإخلاء ما يقارب مئة ألف مستوطن وتحديد الحدود النهائية لإسرائيل. ولكن تدريجيًا توقف الجمهور الإسرائيلي عن تصديق هذا الحل. عندما أصبح حزب الله أقوى بعد الانسحاب الأحادي من لبنان عام 2000، وعندما أصبح حماس أقوى في غزة بعد الانسحاب الأحادي عام 2005، فقد الإسرائيليون اهتمامًا بالانسحابات الإضافية حتى إشعار آخر. وفي 2011، قضى الربيع العربي على الاعتقاد بأن الانسحابات الإضافية قد تفيد إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، بدأ الجمهور الإسرائيلي ينحرف نحو اليمين، أو بالأحرى—يبتعد عن اليسار. انهيار اليسار: إرث باراك وما بعده لقد تجلّت هذه التحولات بشكل أكثر وضوحًا في الصورة العامة لـ ياسر عرفات. في السبعينيات والثمانينيات، كان يُنظر إليه باعتباره «كائنًا ذا قدمين»، كما وصفه مناحم بيغن: «الرجل ذو الشعر الكثيف على وجهه.» في عصر أوسلو المبتهج، قدّمت برامج ساخرة على التلفزيون شخصية عرفات على أنه رجل ودود وبشوش. أظهر استطلاع للرأي أُجري عام 1997 أن عرفات كان شعبيته ضعف شعبية بنيامين نتنياهو وشمعون بيرس. بعد سنوات قليلة فقط، عاد رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ليصبح مرة أخرى إرهابيًا دمويًا: عندما حُوصر في مجمع المقاطعة وهو يحتضر من مرض غامض، تلقى الإسرائيليون، بمتعة خبيثة، تقارير يومية عن حصص الخبز التي سمح بها الجيش الإسرائيلي. الربع قرن الذي شهدته إسرائيل من انتفاضة دموية، وحرب لبنان، وأربع عمليات شاقة أخرى في غزة، دفع المواطن الإسرائيلي العادي—فارديت من ريشون لتسيون—ببطء ولكن بثبات نحو اليمين. في عام 1993، حين كانت لا تزال شابة ومتفائلة، وضعت نفسها قليلًا إلى يسار الوسط، بمعدل 3.8 على مقياس من 1 إلى 7. بعد ثماني سنوات، مع فشل قمة كامب ديفيد واندلاع موجة الإرهاب، انتقلت فارديت إلى يمين الوسط، حوالي 4.7. بحلول عام 2020، أصبحت أكثر تشككًا وإحباطًا، وتحركت بعيدًا نحو اليمين، إلى نحو 6.2، حتى أنها كانت بحاجة إلى تلسكوب لرؤية اليسار. وحتى حدوث تغيير جذري في وجهة نظرها، سيظل الحساب الانتخابي قاسيًا على معسكر إيهود باراك: في إسرائيل، لا يمكن لرئيس الوزراء أن يأتي إلا من اليمين أو يمين الوسط، أو على الأقل أن يقود حكومة قائمة على اليمين. في سنواته الأخيرة، لخص باراك فشله بتعبير وجيز: «اليمين لم يغفر لي تقديم كل شيء لعرفات، واليسار لم يغفر لي عندما أصبح واضحًا أن حتى ذلك لم يكن كافيًا له.» كانت هذه، بالطبع، طريقة أنيقة لتجنب الحديث عن عيوب أخرى ظهرت خلال ولايته، مثل موقفه المتعالي تجاه شركائه أو قدرته على الشجار مع كل سياسي وضع ثقته فيه. وقدّم باراك ملخصًا موجزًا لتجربته: «السياسيون بشر فقط»، وأضاف: "وأحيانًا، ليس حتى ذلك. " لم تساعده قراره المهم والتاريخي بسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان بعد ما يقرب من عشرين عامًا من إراقة الدماء في «الحزام الأمني». قلّ من رأى جدوى الاحتفاظ بالمواقع العسكرية في لبنان، لكن باراك كان الوحيد الذي امتلك الجرأة لتنفيذ ذلك. وكان الجميع في إسرائيل متأثرين برؤية آخر ناقلة جند مدرعة تغادر لبنان، وعلى متنها جندي مبتسم يلوح للكاميرات. اسمه كان شارون شيتوبي، والذي قُتل بعد ستة أشهر في هجوم إرهابي في غزة. اندلعت الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000، بتعليمات واضحة من شريك إسرائيل السابق للسلام، ياسر عرفات، وغرقت ما تبقى من حكومة باراك وإنجازاته في الدم والنار. ذُبح جنود إسرائيليون في رام الله ورُموا من نوافذ، واندلعت أعمال شغب دامية داخل إسرائيل بين عرب يرمون الحجارة وشرطة تطلق النار الحيّة. وحتى قبل الانتخابات المبكرة، أُطلقت مليون رصاصة وحُفر 68 قبرًا جديدًا في مقابر إسرائيل. وبحلول الوقت الذي تمكن فيه الجيش الإسرائيلي من إخماد النيران بجهود خارقة، دفع أكثر من ألف إسرائيلي حياتهم في هذا الاختبار الكارثي. في انتخابات شتاء 2001، سجل باراك رقمين مشكوك فيهما: أصبح رئيس الوزراء المهزوم بأوسع هامش في تاريخ إسرائيل—بنسبة مذهلة 26٪—وأقصر فترة خدمة كرئيس وزراء، محققًا على مضض الرقم السابق لموشيه شاريت. كنت موجودًا مع باراك ليلة إعلان استقالته. معظم حراس جسده تخلوا عنه بسرعة وانتقلوا إلى رئيس الوزراء الجديد، أرييل شارون. وحدة الحماية الشخصية في جهاز الشاباك ليست مكانًا عاطفيًا.
انتظر إيهود باراك ست سنوات على الهامش، باحثًا عن طريقة للعودة إلى السياسة. وفي النهاية، فتحت الفرصة في الشمال. أدت حرب لبنان الثانية، وهي مغامرة متهورة من الثلاثي الدفاعي الجديد—إيهود أولمرت، وزير الدفاع عامير بيرتس، ورئيس الأركان دان هالوتس—إلى زيادة طفيفة في الحنين العام لباراك. ومن المفارقات أنه عاد إلى الساحة بسبب حرب مع حزب الله، المنظمة التي نماّت بشكل كبير بعد الانسحاب الأحادي الذي قاده هو بنفسه قبل ست سنوات. لكن حزب العمل الذي عاد إليه كان ظلًا باهتًا للحزب الحاكم الذي تخلى عنه. معظم ناخبيه، كما اتضح، اقتنعوا أن إسرائيل ليس لديها شريك للسلام، على الأقل حتى إشعار آخر. كان من الصعب إقناعهم بالتصويت لحزب العمل من أجل استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، بعد أن عرض لهم عمليًا كل شيء في بداية العقد. خرج باراك من انتخابات 2013 بحصيلة مهينة من ثلاثة عشر مقعدًا. وكانت الذروة—أو بالأحرى القاع—أمامه: فقد توسل لمدة شهرين كاملين للانضمام إلى الحكومة التي يرأسها ضابطه العسكري السابق، بنيامين نتنياهو. لكن الحزب الذي أسس دولة إسرائيل كان عليه انتظار موافقة شريك نتنياهو الكبير، أفيغدور ليبرمان. في لفتة نادرة من السخاء، وصف رئيس الوزراء الجديد التحالف بين حزب الليكود الكبير وحزب العمل الصغير بأنه «حكومة وحدة»، مثل الفيل الماشي في الصحراء بجانب فأر، ويثني عليه على «كل الغبار الذي نثيره معًا». لم يكن الليكود يومًا جزءًا من حكومة لم يرأسها. حزب العمل فعل ذلك خمس مرات، مع محافظات وزارية كبرى وسيارات رسمية لتعويض فقدان أيديولوجيته.
في يناير 2011، بعد عقد من استنزاف إرادة حزب العمل، حاول باراك القتل الرحيم للحزب. في صباح أحد الأيام، اصطحب أربعة أعضاء آخرين من الحزب معه، وبالمقابل لحصة فضائحية من الوزارات من نتنياهو، دمّر الحزب الذي أوصله إلى رئاسة الوزراء. «لقد سئمنا من الانحراف المقلق نحو اليسار»، أعلن أول زعيم إسرائيلي عرض تقسيم القدس والتنازل عن الحرم الشريف. واتهم نواب حزب العمل بالانجراف نحو «ما بعد الصهيونية وما بعد الحداثة». استأنف الثنائي الذي خدم معًا خلال أزمة الرهائن على متن طائرة سابين شراكته بعد أربعين عامًا. على عكس المظاهر العرضية، لم يتعاف حزب العمل أبدًا مما فعله باراك خلال فترتيه القياديتين في 2000 و2011. رغم عودة قصيرة تحت قيادة إسحاق هرتسوغ، ظل الحزب يحتضر بشكل مؤلم طوال جيل كامل. وتغير قادته عشر مرات خلال عشرين عامًا في محاولة يائسة لإيجاد من يقود الحزب. في المقابل، لم يتغير زعيمان لليكود إلا مرتين في نفس الفترة. في الشرق الأوسط، لا توجد جهة قامت بالمزيد من الإعدامات السياسية سوى داعش مقارنة بحزب أسس دولة إسرائيل. تعاقب أعضاء حزب العمل على القيادة: زعيم نقابي من صيديروت، ومقدّم برامج إذاعية وتلفزيونية، ومحامٍ بارز من تل أبيب، ورجل أعمال ولد في مخيم عبور، وجنرال. لم يكن هذا تجديدًا، بل ذعرًا كاملًا. الأحزاب الواثقة من نفسها لا تشعر بالحاجة لإجراء عمليات نقل دم مستمرة أو ارتداء تمويه (كما فعل حزب العمل، معيدًا تسميته بـ «الاتحاد الصهيوني» و«إسرائيل واحدة»). مع هذه الاضطرابات المستمرة، بدا حزب العمل أكثر شبهاً برجل يغرق ويهوي ذراعيه في الهواء هستيريًا، أكثر من كونه سباحًا مدربًا يطفو بهدوء. لم يقتصر تغيّر حزب العمل على القيادة، بل شمل جدول أعماله أيضًا: حاول عامير بيرتس ولاحقًا شلي يحيموفيتش إعادة الحزب إلى أيامه كحركة عمالية اجتماعية ديمقراطية نشطة. بعد انفصال باراك، حاولت يحيموفيتش تغيير الموقف من القضية الفلسطينية: قالت إن المستوطنين ليسوا أصل كل الشرور. لكن ناخبي حزب العمل توقفوا منذ زمن طويل عن العمل في المصانع والحقول، وأصبحوا ينتمون الآن إلى البرجوازية الثرية، المرعوبة من العلم الأحمر المرفوع على أرض الحزب وخططه لزيادة الضرائب بشكل درامي. ومن اللافت أن في الجيل الماضي، تولى قيادة حزب العمال الإسرائيلي أربعة أثرياء يمتلكون منازل فاخرة في تل أبيب: بن-إليعزر، باراك، جابي، وهرتسوغ. ظهر إيهود باراك مرة أخيرة في انتخابات سبتمبر 2019، في محاولة عودة فاشلة بامتياز، وانتهى به المطاف في موقع غير واقعي ضمن قائمة موسعة لحزب ميرتس. وعند بلوغه الثامنة والسبعين، لم يفقه بعد أن كل شيء انتهى له في ذلك اليوم الحار على سجادة مطار بن غوريون. باختصار: غولدا مائير حرمت اليسار من عباءة الأمن؛ وإيهود باراك حرم اليسار من عباءة السلام.
المصدر —أميت سيغال ، اتصال الساعة الرابعة صباحا ، ترجمة محمد عبد الكريم يوسف، مكتبة نور،2025
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الصمت ليس جريمة قرار شامير وإشكول – تشكيل الحكومات الموحدة،
...
-
اليهودي الصالح قرار مناحم بيغن – بناء المعسكر الوطني-الفصل ا
...
-
المهماز
-
جلفر في الشرق الأوسط: من ليليبوت إلى بلاد -التغريدة العظمى-
-
مكالمة الساعة الرابعة صباحًا قرار غولدا مائير — عدم الذهاب إ
...
-
سرطان في جسد الأمة قرار بن غوريون - نظام انتخابي عالمي حصري
...
-
مساءلة رئيس الوزراء ترجمة محمد عبد الكريم يوسف
-
رسالة الفيلسوف أوس غينيس إلى جيلنا وعصرنا
-
حوار حول التهديد الذي لا يمكنك رؤيته مع جيريمي فليمنج، المدي
...
-
النص الكامل لمقابلة تاكر كارلسون مع مايك هاكابي ، سفير الولا
...
-
الرؤى الإنسانية المفقودة من البيانات الضخمة
-
كيف تُدمر الجزيئات البلاستيكية الدقيقة صحتك وما يمكنك فعله ح
...
-
المخاطر الاستراتيجية لمحاربة إيران، الأستاذ جيفري ساكس
-
أمريكا الخائفة
-
التلاعب بالرسائل الإعلامية
-
احذروا أيها الأثرياء، فالمذاري( مفردها مزراة) قادمة بقلم نيك
...
-
الجميع يتحدث عن الرأسمالية: ولكن ما هي؟ كاجسا إيكيس إيكمان
-
هل نرى الواقع كما هو؟ بقلم دونالد هوفمان
-
السر القذر للرأسمالية – وطريق جديد نسلكه: بقلم نيك هانو
-
هل تنبأت إعلانات سوبر بول بانهيار الذكاء الاصطناعي؟
المزيد.....
-
اضطرابات حادة في مضيق هرمز.. وناقلات نفط تغير مسارها
-
هل نشهد بداية حرب شاملة تدمر المنطقة بأكملها؟.. شاهد رد المت
...
-
نتنياهو: -هناك إشارات كثيرة- على أن المرشد الإيراني -لم يعد
...
-
-حرب مارقة-.. البرادعي يعلق على الهجمات الأمريكية والإسرائيل
...
-
تقارير تتحدث عن إشعارات إيرانية للسفن بعدم المرور عبر مضيق ه
...
-
الحرس الثوري: مقتل مئات الأمريكيين والإسرائيليين.. زامير: ال
...
-
انفجارات تضيء سماء تل أبيب مع اعتراض إسرائيل صواريخ
-
أثارت الهلع والانتقادات.. سقوط صواريخ إيرانية في دول الخليج
...
-
إيمانويل ماكرون: فرنسا -لم يتم إخطارها ولم تشارك- في الضربات
...
-
إسرائيل تعلن تنفيذ -الطلعة الهجومية الأكبر- في تاريخ سلاح ال
...
المزيد.....
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
-
المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين
...
/ أمين أحمد ثابت
-
في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي
/ د. خالد زغريت
-
الحفر على أمواج العاصي
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|