بشير صقر
الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 17:45
المحور:
التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية
الموجة الثالثة - سبعينات القرن العشرين.
،،،،،،
الفصل السادس : عن الرفيقة أروى صالح والمبتسَرون.
لماذا هذا المقال ..؟
الحديث الراهن عن الرفيقة أروى صالح التى لم أقابلها منذ زيارتى لها فى أحد عنابر المرضى بمستشفى جامعة عين شمس بقسم السموم عام 1986 وكان معى طفلى الأكبر. لم نتشارك معا فى عمل مباشرمن أى نوع، ولم نكن أصدقاء ..وكنا نلتقى بالصدفة .. فقط كانت صديقة شقيقتى الصغرى.
وقد يتساءل البعض عن سبب إدراجها ضمن من أتناولهم بالحديث من الرفاق رغم عدم عثورى على أحد نصوصها الحزبية التى رأيت أنها تحتاج لمراجعة أو مناقشة.. لوضعها ضمن هذا العمل.
وأنوه لأن كل مايرد فى هذا المتن بين علامات تنصيص من هذا النوع " " هى مقتطفات من كتاب المبتسرون.
وللحقيقة فما دعانى لذلك اعتباران :
أولهما: ما أثاره كتابها " المبتسرون " الصادر عن دار النهرعام 1996؛ وهو ما يعنى الحديث عن أناس أو صنف من البشر اكتنفت ولادتهم مشاكل خِلْقية وصحية ويحتاجون لرعاية طبية خاصة تستكمل نواقصهم واحتياجاتهم، والكتاب لاقى رواجا فى صفوف الشباب , وفى صفوف عدد من
أجهزة الدولة لدرجة دفعتها للقيام بإعادة طبعه فى مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب- تلك المؤسسة الرسمية الكبرى للنشر فى مصر- والتى لم يكن من ضمن أهدافها الترويج للنضال من أجل نشر الشيوعية.
وثانيهما: هو أنها تجيد استخدام اللغة العربية بطريقة تمزج بين السيولة والإحكام .. ولم أجد كثيرين فى الحزب يضاهونها فى ذلك الجانب؛ وللوهلة الأولى تشعر بعلاقتها الحميمة بالجوانب الأدبية للغة العربية رغم ما يتضمنه أسلوبها أحيانا من جمع بين العامية والفصحى. وهو ما يرمز أو يشير
لاحتمالات متنوعة لتوجهاتها واهتماماتها. فضلا عن شعورك بأنك أمام قلم جاد ومستقيم..علاوة على أنى لم أشأ أن أكرر الاستغراق بين سطور الكتاب ووقائعه لتلخيصه واقتطاع مقتطفات منه لمحاججتها، لأن ذلك يحتاج جلَدا ليس هذا وقته وربما ولا مكانه. لذا فقد ضمّنت أراءها أو ما أفهمه
من آرائها وتقديراتها فى نفس مقال التعقيب على مبتسَروها.. وليس مبتسِريها.
أين نشأت الرفيقة ونمت..؟..
أولا هى فتاة تنتسب للطبقة المتوسطة المتيسرة نسبيا فى المجتمع ، وفى مجتمعاتنا المحلية الشرقية توجد حواجز كثيرة تقف فى مسار المرأة حتى لوكانت طفلة مهما كان انتماؤها الطبقى؛ وبالقطع أنها أحست بتلك الحواجز. وثانيا هى شأن أى فتاة فى مقتبل حياتها تبحث عن الأمان فى بيئتها
ومجتمعها .. ، ولأنها لم تنشأ فى وسط شعبى ، ولأنها فى نفس الوقت اقتربت من فئة أخرى فى المجتمع وآثرتها على غيرها من الفئات( المثقفين) ؛ فقد اختارت- دون ان تقصد – ليس الطريق الأسهل بل الأصعب فى التماس والتواصل مع المجتمع الأوسع لأنه كما هو معروف ( وسائط
المثقفين بالمجتمع معقدة أو ليست سلسة ) خصوصا مع قسم كبير منهم لم يتخلص من كثير من جلافته أو من صلافته أو من اضطرابه ، أو من حتى حيوانيته. حيث تستتر تلك السمات أحيانا بغشاء رقيق لكنه متين من حسن المظهر وتناسق الملامح. ومن هنا جري تشييد أو بدأت إقامة حاجز هام
فى التواصل بينها وبين الآخرين.
كانت أسرتُها- كما سبق القول- من الطبقة الوسطى ، ولو كانت أسرة شعبية أو من مدينة أصغر لاختلف المناخ المحيط .. ومن ثم ملابسات النشأة.. واختصارا لما قيل هناك شئ غير معتاد فى نشأتها .
وبموازاة ما مضى ونظرا لتعرفها على الأدب الروسى وأدبائه الكبار أسهم ذلك فى خلق عالمها الأثير والقريب من وجدانها، وهو للحق عالم أخاذ وجذاب - لكنه بكل أسف – عالم وهمى.. ولا نقصد الوسط الذى تعيش فيه فى المدينة..
وبسبب تشبثها بذلك العالم الأدبى وخوفها الملازم لها من الآخرين .. تَمازَج الغشاءان وصنعا حاجزا جديدا.. يستبين أكثر عند تعاملها مع عامة الناس خصوصا إذا ما عرفنا أنها من مواليد عقد ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ تلك الحرب التى بدت كجسر يفصل أو يصل بين عالمين.. ما قبل
وما بعد الحرب الثانية ..حيث تبدلت واختلفت وتدهورت امور كثيرة ومنها الأخلاق العامة والقيم.
ولأن عالم المثقفين بشكل عام عالم وهمى وغير حقيقى مقارنا ببقية العوالم الطبقية فى المجتمع ، ولأن المجتمع تحكمه فى العموم قواعد مختلفة ( ايجابية وسلبية) وأن ما يواجه المرأة منها هو شقه الرجعى والمتوحش باءت كل محاولاتها للاقتراب من الجمهور البسيط ..بالفشل والتوجس
والخوف ومن ثم معاناتها الدائمة.
وكان لتجربتها السياسية فى الجامعة والحزب خصوصيتها .. فمجتمع الجامعة قطاع طولى من المجتمع ويتشارك معه فى سماته وخصاله، ومجتمع الحزب مجتمع جديد ناشئ تحكمه عديد من الضوابط وعمليات التجريب والقيود ، ولأنها ليست بنت طبقة أو بيئة شعبية فقد زادتها تجربة الحزب
معاناة إضافية فوق معاناتها.
وبالمناسبة .. نضرب مثلا .. لو اجتمع عدد من الأشخاص يملكون ثقافات متنوعة وينحدرون من أصول مجتمعية مختلفة ( شعبية وبرجوازية و حرفية وفلاحية ..إلخ ويتساوون فى مستواهم التعليمى الذى نالوه ) لفرضت الشخصية الشعبية نفسها على الجميع .. وبرضاهم جميعا وربما صارت
فاكهتهم المحببة. ومن هذا المثال لوكانت الشخصية التى نتحدث عنها إحدى أعضاء تلك المجموعة فستجد نفسها فى غربة.. ولا تقترب كثيرا من بقيتهم إلا بصعوبة نسبية.
فالعالم المحيط الذى يجرى نسجه منذ الطفولة حول أي فرد فى المجتمع هو المحدد ليُسْر أو صعوبة اتصاله أو انفصاله.. اقترابه أوابتعاده .. تكيفه أو عزلته عن المجتمع .. يضاف إلى ذلك جملة الوسائط والأدوات التى يستخدمها فى التعامل مع أفراده. وطالما هى بنت طبقة ليست شعبية ولأنها
مولعة - من الأساس - بعالم وهمى هو عالم الثقافة.. وتستخدم أدوات اتصالها ومصطلحاتها ومفرداتها فستكون بالنسبة لأقرانها شخصا غريبا ، وبالقطع ستكون هى أولَ من يشعر بذلك.
ولأن الإنسان يستخدم اللغة للتعبير بها عن مكنوناته فقد يلجأ لعبارات ثرية تمتلك هالات متنوعة أو متدرجة المعانى والظلال؛ ربما لأن الفكرة التى يعبر عنها ليست محددة المعنى فى ذهنه أو تحمل أكثر من دلالة ، وربما لأنه لايريد أن يضعها عارية تماما ويسعى لسترها نسبيا حرصا على
القارئ او تخفيفا لوقعها أو حتى لاتبدو معاكسة لسياق أفكاره وأحاديثه.
وحتى لا نضع نصوص الزميلة موضع النصوص الواجب " ترجمتها " ؛ نفضل أن نتتبع مقدمتنا على ضوء خطوات رفيقتنا التى لايشوبها تعدد المعنى أو تعدد التفسير.
فالرفيقة – من الوجهة العملية- كانت اعتبارا من صدور تقرير9/5/1975 التنظيمى ضمن من شملتهم قرارات التصعيد المعروفة إلى اللجنة المركزية .. وأنها ظلت بها حتى مايو 1982 وما بعده. أى أنها كانت من الموافقين على التقرير وكانت ممن اتخذوا الإجراءات ضد أفراد ثم مجموعة
الانشقاق فى 75 ، 76 ، والتكتل فى 76، 77 ، وكانت مع حبس الأقلية فى 1978 لمدة تزيد عن أربع سنوات، ولم تتفوه أو تكتب مطالبة بالتحقيق فى كارثة ضربة الإسكندرية الأمنية عام 73 فى أعقاب الإفراج عن رفاقنا ولا طوال سبع سنوات تلتها. وكانت فى الدائرة الضيقة المسئولة إبان
تجميد صالح (الأمين العام) عام 1979قبيل ضربة حلوان الأمنية التى طالت مقارالجهاز الفنى، وممن لم يغيروا السياسة المركزية السارية لمدة ثلاث سنوات أخرى حتى تم فصل خليل كلفت/ صالح ، وكانت أيضا ممن أقروا بالانحراف البيروقراطى العزلوى التصفوى. وشاركت مع الأغلبية
المركزية فى كل السياسات والإجراءات والقرارات التى اتخذت منذ 9/5/75، وعاصرت كل الأحداث الجلل التى انتهت بتسريح الحزب وتبخره؛ وأشرفت مع الدائرة الضيقة المذكورة على ذلك.
وفى عام 1985 ، 1988 كتبت أجزاء من كتابها الذى أعطته عنوان المبتسرون وبعد أن استكملته طبعته على حسابها عام 1996.
ونود الإشارة إلى أنه فى أمورتمس قضايا عامة خطيرة وبالغة الأهمية وتزخر بعشرات الأحداث الكبرى ومئات الوقائع وآلاف التفاصيل لا تجدى الكتابات المعمّمة أو المُعَتّمة أو المُلغّزة وكذلك لا تفيد العبارت العائمة أو التى تحمل أكثر من معنى؛ تماما كما لا تصلح الكتابت المُحلّقة حتى لو
جاملتنا وهبطت على كلمات النص فى بعض الأحيان.
والزميلة شأنها شأن أى رفييق يجب أن تعامل فى هذا الشأن العام معاملة تتناسب وتتسق مع دورها ومكانتها أولا وقبل أى معاملة أخرى ، أما عن أزمتها وما حاق بها وأفضى بمصيرها إلى الرحيل عن الحياة فهو ما نأسف له بشدة ونشاطر أسرتها وأصدقاءها ورفاقها الأحزان لفراقها.
ونأتى لأزمتها الشخصية التى كانت جزءا لاينفصم عن أزمتها العامة والتى دفعت بها عدة مرات لمحاولة مغادرة الحياة حتى تمكنت من تنفيذ قرارها.
وأستميح القراء عذرا فى تناول جوانب محدودة من أزمتها الشخصية فى مناقشة دورها فى أزمة الحزب التى هى بكل المعايير عامة وتهم كل من شارك فيها وكثيرين أخرين عاصروها وربما أسهموا بأدوارمحدودة فيها أو كانوا من العاطفين والأنصار أو من جمهور الحزب .
عن صلتها بالكتابة ؛ ودور ووظيفة الكتابة لديها : صـ 102 من الكتاب.
تقول الرفيقة " وبالعودة لمثلث ( الخوف، الصدق ، الضعف/ القوة) ، هناك عبارة وردت فى كتاب ارنست فيشر عن الفن بيقول فيها ما معناه أن الفن زى الفرس الأصيلة يُخضعها ويسيطر عليها الفنان الحقيقى أو الفارس الحقيقى ، بينما الكتابة كأداة بتذل الكاتب المتوسط وهنا اتحفظ لما حَدْ
يستوقفنى ويتكلم عن سيطرتى على اللغة باعتبارها أداة ، ( لأن الفن .. أى الكتابة فى حالتنا) ليس فقط تمكُّن من أداة .. وإنما هو - رؤيا - ملهمة للواقع شرفوها البشر بإلإجلال حتى رفعوها لمرتبة " الخلق " ( "خلق المطلق" .. " الحلم ") من قلب العادى ، وحتى المبتذل و" الخالد " من قلب " العارض" المتواضع.
واللى لا يخطر فى بال "الناس العادية" إنه هو بذرتها ، وهى اللى لازم تتخصب بيها الأحلام ، علشان تكون حقا عبقرية .. بس مين يقدر على سر الخلطة دى..؟!
إنتو بتطلبوا منى الجسارة ، وبتطلبوا منى ما لا أملكه من القدرة الإنسانية ، الكتابة عايزة وجدان خصب ، اما أنا فمن أى معين أجلب..؟ من ندوب..؟ "
وتستكمل قائلة: " أنا لم أعرف الناس ، وإنما عرفت فقط خوفى منهم ، والخوف شعور فقير .. وطبعا مش ملهم".
لكنها عندما سئلت عن التوقف عن الكتابة فى بعض فتراتها ردت وقالت :" المشكلة دلوقتى .. إنى مفتقرة لما يكفى من العاطفة علشان أكتب" .
"العاطفة هنا ليست أكثر من تعبير بديل عن اليقين .. وحيث لا يقين فى هذه الحالة ، .. فلا عاطفة ".
وعندما كتبت مؤلفها قالت : " أنا ما عنديش أى شك ، فى إنى لما كتبت الكتاب ده كنت فى حالة .. إن كتابته كانت السبب الرئيسى وراء إصابتى بالشيزوفرانيا المؤقتة .. إللى جت قرب نهايته."
وتعليقى – كمحرر- على التصريح الأخير: [ لقد كان الكتاب الأخير هو تلخيص او تقرير للحالة التى كانت تمر بها ولم يكن سببا . صحيح أن الكتابة تخفف نسبيا الضغوط لكن لا تقضى عليها، أى كان الكتاب هو الانتحار الحقيقى الذى تحولت بعده كاتبته إلى حالة أقرب إلى ( الموت الأكلينيكى
)، وأن ما جاء بعدها كان بحثا عن وسيلة للرحيل عن الدنيا .. لقد كانت بمجرد انتهائها من آخر صفحات الكتاب قد اتخذت قرارها بالرحيل ].
كان الكتاب وما فيه عبئا ثقيلا على النفس ونقله على الورق لا يغير من الأمر شيئا تقريبا، فهو ليس عبئا على الورق وإنما على عقلها وقلبها، وكان محتما أن تتخلص منه لتتخفف من عبء ذلك الماضى بكل مآسيه وجروحه وبعدها يكون الرحيل..أى تتبقى إذن الوسيلة. أما عن التوقيت .. فبمجرد
العثور على الوسيلة.
وعندما سافرت من مصر للترويح عن نفسها فى شبه جزيرة إيبيريا قالت عن مؤلفها : " إللى كتبته فى الخارج ، وأنا لأول مرة بأحلّق بعيدا عن مشوار القبح الطويل فى السياسة .. وأسبح فى جمال صافى بلا أعباء ، وبلا ثمن من النوع اللى اتعودت أدفعه .. ثمن انفضاض الوهم " . وتصف
حالتها إبان الكتابة [ بأنها قفزة من الإرهاق الطويل .. ولأنها قفزة كان لازم أفقد التوازن ].
وعفوا هنا أصادف تناقضا واضحا : بينما هى تكتب مؤلفَها بعيدا عن مشوار القبح وتسبح فى جمال صافٍ دون ثمن كانت تقفز فى الهواء قفزة كانت لابد أن تخل بتوازنها. والتناقض المذكور كامن فى الكتابة وليس فى الواقع فلا هى كانت فى ملعب جمباز ولا تعلقت بجهاز العقلة ولا حتى كانت
لاعبة جمباز معتزلة لتكتب عن قفزة فى الهواء كان لابد ..أن تميتها.
وإلا كان عليها أن تفسر لنا كيف يسبح الإنسان فى الجمال دون ثمن ثم يقفزفى الهواء قفزة لابد وأن تميته. كان عليها أن تشرح لنا وأن تبرز لنا السبب وصلته بواقعها.
كذلك ماذا كانت تعنى الرفيقة بأنه " كان لازما أن تنظر للماضى بتشفى " كما ورد فى الجملة التالية: صـ 103 سطر 18
" إللى كان مفتقد فى الاتجاه الآخر .. وخطر ببالى، وكان لازم يخطر ، إنى أتطلع للماضى بتشفى ، وكتبت كتاب بالغ الشاعرية ، ومسموم وما كانش فيه مفر إنى أستنشق بخاره ده كله. "
ماذا عن القرار الأهم ..؟ : صـ 104/ 106
" أعرف إنى باصدر حكم نهائى ليس فقط على علاقتى بالشيوعية التى أحبها من أعماق قلبى ( وإن يكن .. كمفهوم مطلق فقط) بل وعلى علاقتى بالكتابة ، وبالبشر القليلين اللى بيربطونى بواقعى وأهلى.. باصدر حكم نهائى فى الحقيقة على نفسي، وأنا لسه يادوب بابتدى اتعرف على الدنيا..؟ "
" أنا اتأخرت قوى وجاية ابتدى فى زمن ليس فيه ما يُكتشف .. ما فيش خيط جمال أمشى وراه وابقى مستعدة أدفع ثمنه.. لكن حتى لو كان فيه ..هل بقى لدى بعد كل الرحلة المنهكة دى ما أدفعه مهما كان جمال الوعد..؟ "
وتؤكد فى هذين التصريحين توقف أو إنهاء علاقتها بالشيوعية التى تحبها ، وبالكتابة لأنها كفت عن القدرة على التحمل .. ولأنها لاترى خيطا من الجمال يشير إلى مسار من جديد. وتبرهن على ذلك قائلة: " كل أحلام العالم لا تغنيك عن لحظة دفء يقدمها لك وجه إنساني " .
وتعود لتؤكد- كما لو أن من يسمعونها لا يودون تصديقها : " كانت دى اللمسة الأخيرة علشان تكتمل الهوة السحيقة التى تفصل أحلامى عن واقعى.
أما آخر التصريحات المفتاحية للرفيقة التى رحلت عن قصد إلى عالم آخر: " الواقع صاررماديا وساحقا للأحلام والحالمين، وخيالى الحالم أكثر هزالا من أن يصمد له. ولازال صدقى يمنحنى الحرية فى تحديد اختياراتى وموقعى من الأحداث دون حرج ، لكن الحرية دى واضح إنها مرتبطة
بتحرر أحلامى حتى من واقع بلادى".
" مازال الحل الذى أقترحه – بصدق – هو الهروب إلى حيث لايوجد كل هذا العنف والقسوة ، وأحلامى لا تخجل من الفرار من هموم الوطن".
قول فصل: " ما باحبش الصراع "
وهنا نصل إلى نقطة بالغة الثراء، تفيد بأن أكثرمن تم طحنهم فى طاحونة الأغلبية هم أعضاؤها لقد نالوا من الأذى والتشوه أكثر مما نال المعارضون . لقد تم دهس أرواحهم بينما بقيت أجسادهم شاخصة أمامنا تخاف من قوانين الجدل ومن الاختلاف .. حيث قالت رفيقتنا الراحلة :فى آخر
سطور الصفحة 106 التى نشرتها دار النهر فى عام 1996.. " تصور .. أول خوف مُحْرق عبّرت عنه فى بداية علاقتى بالسياسة هو أنى قلت – بالحرف – ما باحبش الصراع ."
وبينما سبق وتساءلنا فى تعقيب سابق عن التغيرات الشديدة التى اكتنفت رفاق الأغلبية بعد أن عاد بعضنا للحزب عام 1982 إثر التخلص من الرفيق صالح ..وقلنا: إنهم يرتعبون من ظهور أي بادرة خلاف وأرجعنا ذلك للسياسة المتبعة منذ إقرار ت.9/5 . التنظيمى وطالبنا بفحص مجموعة
منهم بكونسولتو طبى للتيقن من ذلك ، لتأتى الرفيقة الراحلة لتباغتنا بقولها: " أنها فى مقتبل عمرها السياسي صرحت بالحرف ( أنها لا تحب الصراع ). لكن أحدا لم يتنبه فخسرناها إنسانة كانت ستلمع كأديبة لو وجدت الفرصة .. ولكنها للأسف ضلت الطريق للسياسة ولأنها لا تناسبها .. فقد
خسرت نفسها.
21 مايو 2025 المحرر
#بشير_صقر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟