|
|
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية فى مصر - الموجة الثالثة - سبعينات القرن العشرين. ( الحلقة السابعة) – الكفاح الجماهيرى
بشير صقر
الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 17:36
المحور:
التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية
الباب الثانى:
الفصل الثالث:العمل الجماهيرى – التطبيق والنشاط :
الحركة الوطنية الديمقراطية للطلاب المصريين
ا-عمن يعبر طلاب الجامعة فى البلدان النامية. ب- الحركة الطلابية.المصرية ج- .....
ملاحظة هامة للسادة القراء: اضطررنا لوضع الهوامش بين قوسين [.....] ونقلها للمتن حيث أن النشر على موقع الحوار المتمدن لا يقبل أية هوامش بالمقالات المنشورة عليه .. لذا لزم التنويه
أ-عمن يعبر طلاب الجامعة فى البلدان النامية تنويه: فى بلدان العالم الثالث النامية والتى تعانى الفقر والأمية والتخلف ؛ يشكل كثير من طلابها الجامعيين الوكلاء الأكثر استنارة لفئات الشعب الكادحة والفقيرة .
وعلى محور مواز يتوهم حكام ذلك العالم خصوصا من العسكريين أن الطلاب الخارجين عن خط المحاذاة مع النظام مجرد متمردين يافعين ؛ لم يشبّوا عن الطوق ، ولا زالت أظافرهم غضة خضراء ؛ ومن اليسير العبث بعقولهم.
ونشيرهنا إلى حركة فلاحية فعالة وقوية بدأت فى خمسينات القرن الماضى إثر صدور قانون الإصلاح الزراعى بقرية كمشيش بالمنوفية عندما شرع عدد من طلابها فى تكوين حلقة نضالية - ليست سرية - هدفها تطبيق قانون الإصلاح الزراعى والحيلولة دون التهرب منه وخلق مناخ مغاير فى القرية أساسه احترام وصون كرامة وحقوق الأهالى وتسييد العدالة والتعايش السلمى بين الأهالى . وفى مسارهم الكفاحى اصطدموا بكبار ملاك الأرض ، وبجهاز الدولة القديم الذى تولى تطبيق قانون الإصلاح وتواطأ مع كبار الملاك ، وطوروا أفكارهم لتتسق مع أهدافهم ومع وسائل وأدوات تحقيقها وذلك حتى سيطروا على المؤسسات الشعبية فى القرية كالجمعية الزراعية والتنظيم السياسي.. التى تشكلت بالانتخاب.
ثم جاءت بعدها الحركة الطلابية المصرية فى الجامعات فى ستينات وسبعينات القرن العشرين و أكدت على خطأ مقولة هؤلاء الحكام ، وبرهنت أن الطلاب كانوا أبعد نظرا من كل الحكام الذين توالوا على حكم مصرمنذ منتصف القرن الماضى ، بل وأقدر على لمس نبض الشعب وخصوصا فئاته وطبقاته الكادحة والفقيرة.
وهو ما يستشفه ويقوله ( الراحل أحمد عبد الله ) أحد قادة حركة 1972 البارزين متحدثا عن زملائه الأسبق منه بعدة سنوات فى النشاط بكلية هندسة القاهرة ( )، ويشير لتميزهم وقدرتهم الرفيعة على التعبير عن تصوراتهم وعما يتوجب إنجازه بشأن تشخيصهم لنكسة يونيو 1967 وعلاج أسبابها؛ والإجراءات المفترض اتخاذها لإطلاق الحريات السياسية فى مصر لكى تيسر للجادين من أبناء الشعب العمل فى طمأنينة وسلام ودون عراقيل لتعديل ما أفسده الدهر. [ 1 -أنظر أحمد عبدالله – الطلبة والسياسة فى مصر - - المركزالقومى للترجمة 2012 –ترجمة إكرام يوسف صـ 394 ] وبتصفح بياناتهم الأولى التى صدرت عن كلية هندسة القاهرة بشأن مآخذهم على نكسة 1967 وأحكام قادة سلاح الطيران تلمس بأناملك.. الندّية والثقة والاعتداد بالنفس واضحة فى خطابهم السياسي.. بل وفى تشخيصهم المحدد للعيوب والمآخذ التى يرفضونها ويرون علاجها أو استئصالها، وهو ما تكرر فى بيان كلية الصيدلة بالإسكندرية بعدها مباشرة حين أوصى مؤتمرها بأن يصل نصه للرئيس مباشرة من الكلية دون وسائط.
تمهيد :
لماذا .. عندما نتعرض بالكتابة أو حتى بالتذكّر لمساحة زمنية سبق أن عشناها أو عاصرنا أطرافها.. تطاردنا موجات النوستالجيا ( ) .. وربما البكاء على اللبن المسكوب؛ ونشتاق ولو للحظات منها تشعرنا بدفء الماضى . مع أن الزمن الحالى يُعَدّ- بمقياس التطور - الأكثر حداثة ومن ثم الأعلى فائدة..؟ [2 - نوستالجيا = تعنى مشاعرالحنين للماضى ]
ومع أن العينة الزمنية – محل الدراسة – تتضمن عادة بعضا من كوارث الأزمنة الماضية من [ حروب، وزلازل وبراكين ، وأوبئة ( جذام – جدرى- كوليرا وكورونا )، فضلا عن استئصال عرقى لكثير من السكان الأصليين بقارات كاملة، واستعماراستيطانى وإحلالى لبلاد أخرى مثل فلسطين..؟)
وتطرح تساؤلا: هل يمكن أن نعيش ولو فى أحلامنا اليومية بعضا مما عشناه ونحن أطفالا..؟ ولمَ – رغم الآفاق الشاسعة للتكنولوجيا المتقدمة الصاعدة للأقماروالمتجولة فى مجرتنا والباحثة عن كوكب جديد بديل للأرض يكون موطنا لمطاريد كوكبنا – لمَ نجدُ الأرضَ تضيق بنا والحياة تصعُب علينا؛ والأمنيات تصير لافتات معلقة على الجدران متجاورة مع صور أحبائنا الذين رحلوا عن الحياة.
ولمَ لمْ تتحول الحقائق التى أرساها وأعلنها العالم السويسرى جون زيجلر فى العقد الأول من الألفية الثالثة ( ) عن أن " الحياة البرية والبحرية آنذاك تذخر بغذاء يكفى ضعف سكان الأرض الحاليين" ، ومن ثم فالمجاعات الحالة بسكان العديد من بقاع الأرض لم تحدث إلا بفعل فاعل ؛ ومن ثم فإن وراء كل طفل يموت جوعا مجرم .. تجب محاكمته. 3- تصريح لجون زيجلر عام 2005 عندما كان رئيسا لبرنامج الغذاء العالمى التابع للأمم المتحدة.
لمَ لمْ تتحول تلك الحقائق لشئ حى يمشى على أرجل.. يفك الخناق حول رقابنا .. ويحل أزماتنا.؟ولم َ كلما تقدم الإنسان خطوة على طريق إخضاعه للطبيعة وكلما سيطر وتحكم أكثر فيها .. تأخر خطوات عن الحصول على نصيب أوفر منها ، وكلما حصل على حق صغير منها يتبين أن أعدادا متزايدة من البشر تتناقص حصتهم منها ..؟!
وبناء على هذا ..هل سينتهى مصير البشرية بفعل التناقض الحاكم لها بين التطور التكنولوجى الهائل وبين تناقص حقوق البشر منها ومن خيرات الطبيعة. ولمَ كلما سمعنا عن اختراعة أو انفراجة تكنولوجية يكون ذلك جرس إنذار بنقيصة - فى وسائل الحياة ومفرداتها - فى انتظارنا ، بل وظهور هموم أخرى تثقل كاهل الإنسان ؛ وتحط من آماله وروحه المعنوية .. وتدفعه لليأس.
ولماذا - وهذا هو الأهم – يتركز ويتراكم الثراء والوفرة والتخمة فى جانب من الأرض ويتركز الشقاء والفاقة والبؤس فى الجانب آخر..؟
وهل يُعدّ هذا من ضمن لعنات السماء كما يقول البعض ..؟ أم بفعل فاعل سنظل نبحث عنه طيلة عمرنا وعمر أبنائنا وربما وأحفادنا أيضا دون أن نعثر عليه ونمسكه بأصابعنا... بينما هو قابع أمامنا ولا تراه ابصارنا؟
وهل هذا الفاعل من البشر ( يحتل ، ويستعمر ، ويستوطن ، ويقوم بالتطهير العرقى ويهيمن علي البر والجو والبحر..) أم أنه شئ آخر ميتافيزقى( ).. يتحرك أو يسكن مع الأرواح والشياطين ويتردد على مسامعنا مع الأساطير. [ - ميتافيزيقى = خيالى و مستنتج أو غير ملموس وغير مادى ] ولكى نتمكن من مواجهته لابد أن نفهمه ونتحلى بصفات عملية ونمسك بوسائل وأدوات تساعدنا على ذلك وتيسره :
ولعل تأمّل نتائج البحثين التاليين ( ) تمهد لنا تلك المهمة : [5 -مرجع سابق –أحمد عبد الله - الطلبة والسياسة فى مصر- صـ 426 / 427 – المركز القومى للترجمة- ترجمة إكرام يوسف. ] • تم إجراء بحث على طلاب جامعة الأسكندرية أفاد بالتالى : 91% من العينة لا تشارك فى العمل السياسي، وهناك عدم اهتمام بالمشاركة فى الانتخابات العامة ، ومشاركة شباب الفلاحين والعمال تتجاوز مشاركة المهنيين . واختلف المسئولون السياسيون فى الحزب الحاكم فى فهم عزوف الشباب عن العمل السياسي فارجعه بعضهم لضعف الأساس الديمقراطى ، وبعضهم: لأن هناك لبس فى مسألة الفهم ، والبعض الثالث: لحداثة التجربة الديمقراطية. بينما أفادت احزاب المعارضة بتركز الأسباب فى تقييد الحريات العامة ، وانفراد الحزب الحاكم بالسلطة، وأن الحل فى جهد مشترك بين الحزب الحاكم والمعارضة في تأ سيس تنظيم قومى للشباب.. وهو ما يُتوقع رفضه من الحزب الحاكم.
• بينما البحث الآخر فى جامعة القاهرة تفيد تفاصيله بالآتى:
نوع العينة : طلابية جامعية - ج القاهرة توقيت أخذ العينة وإجراء البحث : 1982 نتيجة البحث: الطلاب بشكل عام لا مبالين بالحياة السياسية ، بينما المنخرطون منهم أم المهتمون بهذه الحياة من الفئات المتيسرة نسبيا. وتفيد النتائج بالآتى: هناك عزوف عام عن المشاركة فى العمل السياسى ، بل وهناك قطاع يرى فى المشاركة عرقلة وخلقا للمشاكل نظرا لأن المناخ القائم والدائم متسبب فى ذلك.
تقديرات بحث (طلاب جامعة القاهرة .. والعمل العام ).. عام 1982
1- ليس لديهم بطاقات انتخابية 81.2 % 2- لا ينتمون لأحزاب سياسية. 84.2 % 3- لا يترددون على . 81.4 % 4- يترددون على أحزب لكن دون عضوية 11.6 % 5- لا يميلون للعمل السياسى. 54.8% 6- لا يرون جدوى للاشتراك فى أحزاب. 23.4% 7- يرون أن المشاركة فى أحزاب سبب فى المشاكل. 13.7 % 8- يرون المناخ السياسى لا يشجع على الديمقراطية ، ولا على المشاركة بحرية. 45%
ب- الحركة الطلابية المصرية (*) مقدمة تاريخية :
كانت الحركة الكفاحية للطلاب المصريين على مدى تاريخها الحديث بنت الظروف السياسية التى لابستها، وكانت أولى التجليات البارزة لثورة 1919 وما تلاها ؛ فى ظل الاحتلال البريطانى.
هذا وكانت مصر- من زمن أسبق - مطمعا لعدد من البلدان الرأسمالية البازغة فى أعقاب بداية ما سمى بعصر النهضة فى القارة الأوربية واندلاع الثورات والتغيرات السياسية والاقتصادية المحتدمة فى هذه القارة العجوز أو بمعنى أدق العصر الرأسمالى.
ونظرا لموقعها الجغرافى الاستراتيجى وتوسطها طرق المواصلات البرية والبحرية بين شرق العالم وغربه وبسبب مواردها وتاريخها الحضارى تنافست فرنسا وبريطانيا تحديداعلى الفوز باحتلالها .. وهو ما ألقى بظلاله الداكنة على تشكل الطبقة الوسطى *( ) المصرية (الرأسمالية) من جذور كبار ملاك الأراضى الزراعية ؛ وعلى نموها وتطورها وبالتالى على انحيازاتها.. ليس هذا فحسب بل وعلى الأداء السياسى لها ولبقية القوى السياسية والاجتماعية - ممثلة فى الأحزاب التى ظهرت إبان مقاومة الاحتلال البريطانى وفى الطبقات والفئات الطبقية القائمة آنذاك (كبارملاك الأراضى، والفلاحين، والتجار، ورجال الأزهر من العلماء والمشايخ). [ 6-أنظر الهامش فى نهابة المقدمة التاريخية ، كتاب ( الفلاحون والزراعة المصرية من 1805-2014 ) صـ 338 - تحت عنوان (ملاحظة تتعلق بنشأة الرأسمالية المصرية وأفقها ومآلها) الكاتب بشير صقر – الناشر دار إنسان للدراسات والاستشارات والتدريب والنشر – 24 ش غزة المهندسين – جيزة- مصر - طبعة 2021- (هاتف20233031633+ ) . ]
ونظرا لبزوغ الخيوط الأولى من نسيج الطبقة الوسطى ( الرأسمالية )المصرية فى عهد محمد على باشا الكبير (1805 – 1849) ، فى الوقت الذى كانت نفس الطبقة - فى فرنسا وبريطانيا- قد بلغت مستوى متقدما من النضج والتطوروالقوة - ومن ثم التنافس والهيمنة والرغبة فى التوسع الخارجى( )- يشكل عائقا أمام نمو قريناتها فى مصر والبلدان المماثلة الفقيرة التى لا تستطيع منتجاتها الصمود أمام المنتجات والطبقات الرأسمالية الأوربية.. هذا من ناحية. [7- بحثا عن المواد الخام والأسواق. ] ومن ناحية أخرى فإن الظهور المتأخر ومن ثم النمو الأبطأ لطبقتنا المصرية المتوسطة ( الرأسمالية) لم ُيتح لها الوقتُ الكافى للنضج والتطور في موطنها الأصلى- مصر- علاوة على الكابوس الفرنسي ثم البريطانى اللذين جثما على صدرها منذ عامى 1798م ، 1882 حتى منتصف القرن العشرين حيث لا يفصل ميلادها ( أى الرأسمالية المصرية) عن ذلك التاريخ سوى (أقل من مائة وخمسين عاما).
هذا وقد تزامن ميلادها ونموها وتطورها مع أحداث متنوعة هائلة سواء فى عصر محمد على أوعصورخلفائه ، حيث التخلص من المماليك وشن الحروب والفتوحات فى إفريقيا ، ومحاولات الإفلات من هيمنة الحكم العثمانى، وعمليات التوسع والوصول إلى قرب تركيا وجنوب شرق أوربا والبحر المتوسط ،والتى انتهت بإجبار الجيوش المصرية على العودة لمصر وتقليص أعداد المجندين بها، علاوة على أحداث الثورة العرابية وتوابعها ، والهجرات الأوربية لمصر والتى ارتبطت بالاحتلالين الفرنسى ثم البريطانى.. وعبث الأخير بمبدأ المساواة بين المصريين ومحتليهم، وتفاقم أزمة الديون الشهيرة- خصوصا ديون كبار ملاك الأرض الزراعية والدولة - وحل مجلس الشورى وإلغاء الدستور ومحاصرة التعليم وتعميق ازدواجيته والحيلولة دون توسعه وتطويره إلخ.وتسخير المقدرات المصرية والشباب المصرى فى حربين عالميتين ( 1914/ 1919& 1939/1945) وهو ما بدد موارد مصر وضيّق على تطويرصناعاتها الوليدة وخنق عمليات نمو الرأسمالية المصرية فى ظل الاحتلال .
كذلك فقد ورثتْ الرأسمالية من طبقة كبار ملاك بعض ما اتسمت به من جُبْن ؛ ولجوء للأسهل ؛وركون إلى المحتل ؛ وتبادل للمصالح معه ، ودَعْمِه سياسيا مقابل القيام بتصديرالقطن المصرى للمصانع البريطانية.
ولا ننس أن علم أعلام الرأسمالية المصرية ورائد الصناعة بالمحروسة ومؤسس بنك مصرالزعيم طلعت باشا حرب كان من كبار ملاك الأرض الزراعية بل وواحدا من المتورطين فى رهن أراضيه الزراعية - لبنوك الرهونات الأجنبية التى كانت تتحكم بديونها - إبان الأزمة الكبرى فى ثلاثينات القرن الماضى - فى 90% من أراضى طبقة كبار ملاك الأرض, تلك الطبقة التى كانت قاب قوسين أو أدنى من الإفلاس والتسليم بشروط الرهونات لولا القضاء والقدر الذى أنقذها من الكارثة ، ومنَع تدفق القطن الأمريكى للأسواق العالمية بسبب الحرب الأهلية التى اندلعت هناك ؛ ومن ثم حل محله القطن المصري فى الأسواق وتضاعف الطلب عليه كما تضاعفت أسعاره وشكل ذلك قارب الإنقاذ الوحيد لكبار ملاك الأرض الزراعية المصريين .
وحيث أن الطلاب هم أبناء كل طبقات وفئات الشعب لكنهم يُصنفون من الناحية السياسية كفئة من فئات الطبقة الوسطى التى تضم معهم المثقفين والمعلمين والعلماء والتجار والحرفيين وأصحاب الصناعات وكل المهنيين (من أطباء ومحامين ومهندسين ومحاسبين وبيطربيين وصيادلة ، وعلميين ، وزراعيين وإداريين وغيرهم .. إلخ) على اختلاف أنواعهم. ولأنهم من الناحية الطبقية يختلفون عن الفلاحين وعن العمال وعن ملاك الأرض الزراعية خصوصا كبارهم فإن مصالحهم كانت فى جانب منها تلتقى مع مصالح البعض من هؤلاء وتتعارض مع مصالح البعض الآخر.مع ملاحظة أن هناك فارقا بين انحيازهم للطبقات التى نشأوا فيها ، وبين تصنيفهم كجزء من الطبقة الوسطى، فالانحيازات السياسية لا تتدخل فى عملية التصنيف.. إلا فى لحظات محددة وهى لحظات الحراك السياسى.
وعلى الأرجح فتصنيفهم كطبقة وسطى يرجع إلى أفقهم المستقبلى أو ما يُتوقّعُ لصيرورتهم عقب انتهاء دراستهم.
هذا ولكى نتتبع دور الطلاب المصريين فى العصر الحديث كتمهيد لتقييمه إبان نشاطهم ومعرفة القضايا التى تستثير بواعثهم وكوامنهم ووجدانهم وتخاطب عقولهم.. نعود للقرن الماضى لقراءة النظام السياسى الذى كان يحكم الشعب المصرى: فمنذ الغزو البريطانى لمصر فى 11 يونيو 1882 واعتقال الزعيم أحمد عرابى قائد جيش المقاومة المصرية ورفاقه ومحاكمتهم وعزلهم والاستيلاء على أموالهم وممتلكاتهم ونفيهم خارج البلاد، وقيام المحتل بحل مجلس الشورى ( الأشبه بالبرلمان ) ، وإلغاء دستور 1882، والهيمنة على الحكم ومصير البلاد بمساعدة الخديوى توفيق.. واستتباب الأمر للاحتلال البريطانى تشكل النظام السياسى فى أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى (1914 / 1919) من الثالوث التالى: القصر / المحتل البريطانى / حزب الوفد. وكان لتشكل وفد مصرى من عدد من رموز ونشطاء البلاد لإدارة المفاوضات مع ممثلى الاحتلال البريطانى الذى كان يماطل بشأن جلائه عن مصر أن اضطر الوفد لجمع توقيعات الشعب بشرعيته فى الوكالة عنه للقيام بمفاوضات الجلاء.
وشكلت المماحكاتُ التى اختلقها المحتل للتنصل من التفاوض السببَ الجوهرى فى تفجر الحركة الشعبية التى أسبغت على الوفد شرعيته وأكدت على دور الشعب فى دعم الوفد ومناوأة المحتل وأفضت بعدها إلى تمرد الشعب وثورته ضد نفى أعضاء الوفد فى مارس 1919 وبقاء المحتل. ولأنه عادة ما يكون للطرف المسيطر أو المبادر بالعدوان خلق مبرر لعدوانه وتحويل الوضع السلمى إلى أزمة ساخنة تسفر عن اشتعال الموقف وتفجره ؛ ومن ثم إمداد الطرف الآخر بالطاقة التى تدفعه لمواصلة المقاومة والصراع واستمرار التحدى.
فإذا ما اتسقت أفكار قادة المقاومة( ) مع حركة الجمهور وفهمه للموقف يكون تحقيق الهدف ميسورا مهما كانت الصعاب التى تبدو فى الأفق أو تعترض المسار. لكن الوفد لم يكن متسقا فى نسيجه وفى أفكاره وأهدافه لأنه كان مختلف المنابع والمصالح فهناك من أعضاء الوفد من يرى الإصرار على الجلاء وهناك من يسعى للحصول على ما يسمح به المحتل ليس أكثر وهناك من ترتبط أهواؤه أو مصالحه الخاصة مع المحتل،وهناك من تكون فلسفته.. كيف أستفيد وأابحث عن مصلحتى فى أى وضع من ألأوضاع..؟ ، وهناك من يرى الحل فى التفاوض وآخر يراه فى مواجهة المحتل بالعنف ، وهناك من يرى الدعم لن يأتى إلا من الشعب وهناك من يخشى الشعب أكثر مما يخشى المحتل .. وهكذا.
[8- أنظر ( الطلبة والسياسة فى مصر) ـ بقلم أحمد عبد الله – ترجمه عن الإنجليزية .. إكرام يوسف - الناشر المركز القومى للترجمة - القاهرة- طبعة 2007 – العدد 1154- صـ 31-34-35 . معتقدات ومبادئ الوفد السياسية تشكلت على مدار تاريخه ولم تولد معه منذ أيامه الأولى- ولم يكن حزبا بالمعنى الحرفى ولم يكن حزبا برلمانيا بنفس المعنى ، وكانت له ممارسات غير برلمانية مثل منعه صحفييى حزب آخر من تغطية جلسات البرلمان عام 1924 وسلب رئيسه فيما بعد مقعده البرلمانى، وبه عيوب تنظيمية وصلته بجمهوره تقتصر على نوابه فقط وكان اشبه براية فضفاضة ترفرف على جماهير لا يَهتم بتنظيمها وهو أقرب لحزب المؤتمر الهندى حيث يتم تعيين قادته وليس انتخابهم داخليا، علاوة على نهجه غير المستقيم فى عدد من القضايا منها القضية الوطنية والفوارق الطبقية الواسعة خصوصا فى الأرض الزراعية وتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وكثرة انشقاقاته ( الأحرار الدستوريين انشقاق 1921) – وانشقاق السعديين 1937 الذى كان معبرا عن رجال الأعمال فى المدن) .ومواقفه الضعيفة إبان تصريح 1922، ومعاهدة 1936. وانسحاب مكرم عبيد سكرتير الوفد على رأس الكتلة الوفدية عام 1942 / 1943 ونشره الكتاب الأسود عن فضائح بعض قيادات الوفد. باختصار شتان الفارق بين وفد 1919/ 1923 وبين نسخته فى 1936، ونسخة سنة 1943.كما تم التضييق على العناصر اليسارية فيه مثل د. محمد مندور ، ود. عزيز فهمى .. وهو ما بدا واضحا فى استسلام الحزب لحركة الضباط فى يولية 1952 وحل الأحزاب عام 1953. مع ملاحظة أن الوفد عندما كان يشكل الحكومة كان يختلف فى قوته عنه لحظة الخروج منها كما حدث مع الصلاحيات التى انتزعها الملك فؤاد منه فى أعقاب خروجه من وزارة 1924. ]
وإذا ما أردنا التيقن من ذلك الاختلال فى النسيج والاضطراب فى الأفكار والتضارب فى الأهداف بل والوسائل فما علينا سوي العودة لأصول كل من حزب الأحرار الدستوريين وحزب السعديين وحزب الشعب ولعديد من الشخصيات البارزة فى المجال السياسى مثل طلعت حرب ومكرم عبيد وفؤاد سراج الدين لوجدنا المسافة التى تفصلهم عن المحتل أضيق من المسافة التى تبعدهم عن جماهير الشعب الكادحة التى قامت على كاهلها ثورة الرأسمالية المصرية عام 1919.. وهو ما ظل قائما حتى بعد ابرام وإلغاء معاهدة 1936.
وهو نفس المنطق الذى حكم الرأسمالية البريطانية إبان احتلالها لمصر فى وقوفها ضد مبادئ النظام الرأسمالى وانحيازها لجانب كبار ملاك الأرض الزراعية فى مصر حرصا على الإبقاء على استمرار مد المصانع البريطانية بالقطن المصرى من مزارع كبار الملاك . ولم تسع للقيام بإصلاح زراعى يعيد توزيع المصدر الرئيسى للثروة - الأرض الزراعية - بينما كان فى الإمكان الحصول علي نفس القطن- كما ونوعا- من زراعات صغار وفقراء الفلاحين وهو ما كان يرفع القدرة الشرائية للشعب المصرى التى تعيد شراء السلع البريطانية من السوق المصرية بقدر ما ازدادت قوتها الشرائية ..جراء التطبيق المفترض لقانون الإصلاح الزراعى إبان الحرب العالمية الأولى أو الثانية ( ) .
[1 - أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية قانونا للإصلاح الزراعى وقت احتلالها لليابان كان الحد الأقصى للملكية فيه لا يزيد عن 4 هكتارات للفرد وطبقته على االشعب اليابانى بالإرغام وكان ضد رغبة كل القوى السياسية اليابانية .. يمينا و يسارا. ]
لذلك لم تسفر مرحلة التفاوض عن اعتراف المحتل بالجلاء وطيلة ثلاث سنوات أسفرت " لجنة الأشقياء " التى نعتها سعد زغلول بهذا الوصف عن تصرح 28 فبراير 1922 الذى اعترفت فيه بريطانيا باستقلال مصر لكن جيوشها ومسئوليها ظلوا رابضين على أرضها وهو ما دعا الكثيرين للسخرية من ذلك الاستقلال الذى يظل فيه المحتل جاثما على أنفاس ضحيته . ليقول بعدها سعد زغلول : " أن مشكلتنا هى تصديقنا أننا مستقلون ".
ويظل الوضع كما هو نظرا لاتساع الخلاف بين الأحزاب التى هى جزء من النظام الملكى الدستورى حيث سمحت تلك الحالة من تبوؤ المحتل لدورَ رمانة الميزان بين القصر ومؤيديه من الأحزاب وبين حزب الوفد الذى يحظى بتأييد أغلبية الجمهور.
ويأتى عام 1936 ليقوم حزب الوفد بإبرام اتفاق جديد لا جديد فيه تقريبا سوى إقراربالتواجد البريطانى على الأراضى المصرية..وهو ما دلل وأكد أن طريق المفاوضات قد بلغ منتهاه ولا أمل في جلاء غير مشروط من خلاله .. وكانت نتائجه تدهورأوضاع حزب الوفد وتساقط وانفراط عناصره البارزة واحدا بعد الآخر إضافة إلى انشقاقات متتالية فى صفوفه تضعفه وتنال من سمعته وهكذا حتى اضطر لإلغاء معاهذة 1936 من طرف واحد فى عام 1951. حيث كانت ارهاصات الكفاح المسلح تتصاعد من مختلف الفصائل السياسية مستهدفة قوات المحتل التى قلصت تواجدها فى مصرلتقصره على منطقة القناة... للدرجة التى صار اللعب فيها على المكشوف بين القصروالمحتل والأحزاب. باختصار معظم الساسة يدركون أن المنطق الوحيد الذى يفهمه المحتل .. هو البندقية والتى برهنت عليها وقائع ثلاث:
الأولى:هى حريق القاهرة فى26 يناير1952 والذى كان المتهم فيها معروفا ومبرراته مستنتجة.
بينما الثانية : كانت الصدام الذى انفجر بين جنود وضباط قسم شرطة الاسماعيلية وبين قوات المحتل البريطانى التى حاصرت قسم الشرطة مُصرّة على أن يستسلم رجال الشرطة ويسلمون أسلحتهم .. لكنهم رفضوا وواصلوا الصمود حتى فرغت ذخيرتهم .
أما الثالثة : فكانت أبسط من الواقعتين السابقتين لكنها كانت تستجمع كل إشكاليات الموقف السياسي بمصر فى مشهد واحد. وكان ميدانها مدينة سمنود فى قسم شرطتها الذى كان مأموره الرائد عبد الحميد شوقى مقلد خال الشهيد صلاح حسين ووالد الراحلة شاهندة مقلد. فقد فوجئ المأمور بضابط حديث العهد بالخدمة منقول إلى القسم من عدة أيام ، فوجئ به يطالبه بإجازة طويلة نسبيا. ولما أبدى المأمور دهشته مستفسرا عن السبب .. لم يُجب الضابط المستجد .. وبتكرار الاستفسار تلعثم ، ولما أصر المأمورعلى معرفة السبب ليساعده . أجاب الضابط: لا تؤاخذنى يا أفندم: أصلى ناوى اروح أحارب الانجليز فى القناة. فابتسم المأمور وقال للضابط : و إجازة ليه..؟ لو كده فعلا يا سعد.. إذهب وأنا أغطيك .. وشد حيلك يا بطل.
وانتهى الموقف..( ) وسافرالملازم / سعد الدين وهبة الذى صار فيما بعد وكيلا لوزارة الثقافة وكاتبا مسرحيا وأديبا معروفا..لينال شرف المقاومة والدفاع عن تراب الوطن.( ) وهكذا كان الكفاح المسلح هو الحل وهو ما اختاره الشعب وما شارك فيه الكثيرون من فئاته وأبنائه. 0[10 -الفلاحون والإقطاع – قصة كفاح قرية كمشيش- بشير صقر- صـ 289 (عنوان جانبى .. كلمة حق.. عن رجل مهضوم الحق)- الناشر : دار المرايا للثقافة والفنون- 23 ش عبد الخالق ثروت – القاهرة – إصدار 2022 .] [11-- الطلبة والسياسة فى مصر – بقلم أحمد عبد الله- ترجمة إكرام يوسف. إصدار 2007 - يرى الكاتب أنه بإلغاء الوفد لمعاهدة 1936 بتأثير الضغط الشعبى عليه انتهت مرحلة وبدأت مرحلة نوعية أخرى فى النضال الوطنى وبدا واضحا ان صار للكفاح المسلح دوره الحاسم كوسيلة جديدة ووحيدة لحل القضية الوطنية، وهو ما كان يتعارض مع اسس وجود النظام السياسى المصرى القائم آنذاك إبان إبرام المعاهدة ، وبذلك صارت مدن القناة الثلاث وقناة السويس الهدف الأهم فى النضال الوطنى حيث تتركز معسكرات الجيش البريطانى.ويتوجه إلى هناك مقاتلو الفصائل السرية بل والمناضلون الوطنيون الفرادى .
ووصل الأمر لحد تطوع الشباب والضباط وبمساعدة وربما دعم الكثير من القيادات الوسطى فى مختلف الهيئات والمجالات بينما كثير من الأحزاب لم يتوصلوا إلى أن ذلك هو الحل الوحيد ربما خوفا أو قصورا فى التفكير أو حفاظا على الوظيفة أو الكرسى .
ومن ناحية أخرى كان لعدد من الأحداث الكبرى مثل الصدام الذى وقع بين قوات البوليس المصرى وجنود الاحتلال البريطانى بمدينة الاسماعيلية ، و حريق القاهرة فى يناير 1952، والتذمرالذى انتشر فى صفوف الجيش بسبب هزيمة القوات العربية فى حرب فلسطين عام1948 .. وما ارتبط بها من أخبار و فضائح كمسألة الأسلحة الفاسدة التى راجت بشأنها شائعات قوية عن دور القصر الملكى فيها ، ومطالب بعض قوات الشرطة برفع رواتبها واستخدام الجيش فى قمع احتجاجها ؛ كان لتلك الأحداث تأثير عميق يفيد بألّا حل سوى الحكمة الشهيرة " ما حك جلدَك مثلُ ظفرِك.. فتولّ أنت جميع أمرِك ".لكن المشكلة فى تطبيق تلك الحكمة كانت تتمثل فى كيفية وضع أمرنا فى يد أوفى قبضة واحدة نثق فيها وليس فى أياد وتوجهات متعارضة.
وكانت تلك الأحداث تشير من جانب آخرغير خفى إلى اهتزاز يد النظام السياسى القائم فى تعامله مع ضبط الجيش والشرطة – خصوصا وقت استعانة النظام السياسى بأحدهما ضد الأخر الذى احتجت قطاعات منه علي مستوى الرواتب التى يصرفونها... وتحديدا بعد إحساس الشرطة بدورها الوطنى الذى اشتعل بين جوانحها إبان الصدام المسلح لقسم شرطة الاسماعيلية الشهير بقوات الاحتلال .
فضلا عن تنامى الوعى الجمعى بشأن كذب الوعود البريطانية وفشل كل المحاولات السلمية فى التفاوض مع الساسة البريطانيين للجلاء عن أرض البلاد- بالذات وأن الشعب المصرى دفع مقدما - من كده وعرقه وعمره ودماء أبنائه - ما يتجاوز تكلفة الجلاء للمحتل ممثلة فى تسخير موارده ومرافقه ومقدراته فى حربين عالميتين مدمرتين والتوصل إلى أن الكفاح المسلح هو السبيل الناجع لإرغام المحتل على الرضوخ ؛ وارتباط تلك الفكرة أو ذلك التوجه بأن الطبقة المتوسطة تتكاثر أعدادها والنمو الصناعى فى البلاد يتزايد ..الأمر الذى يفرض نفسه كمعطى جديد لا يمكن تجاهله فى المعادلة الاجتماعية ..فى شقيها الوطنى والسياسى.
ويشارك فى ذلك الجديد قوى ثلاث ظهرت من خارج البرلمان ممثلة فى( المجموعات والحلقات الشيوعية البازغة والتى تستعيد ظهورها السابق الذى تجلى فى عشرينات القرن العشرين على الساحة مرة أخرى ، وجماعة الإخوان المسلمين ، وحزب مصر الفتاة ) وتشكيلاتها الشبابية (مليشياتها) بقمصانها السوداء و الزررقاء والخضراء والتى باتت تشكل خطرا حقيقيا على النظام السياسي الليبرالى المريض وآلياته العتيقة وشعبيته المتهالكة.
وقد أسهم حزب الوفد باعتباره المعطى الرئيسى فى النظام السياسي الحاكم بمواقفه السياسية الوسطية وخشيته الدفينة - والتى لم ينكرها - من حراك الطبقات الشعبية ؛ علاوة على غياب حركة نقابية قوية( ) فى أوساط الطبقات الكادحة فضلا عن المسافات الأيديولوجية الشاسعة بين الفرقاء الجدد وميولهم المترددة والمتذبذبة بين أقطاب المعادلة المجتمعية الأصلية( المحتل، القصر،الشعب).. وليس معادلة النظام السياسى فقط( المحتل، القصر، الأحزاب). [12 - يفرق المحرر بين مفهوم الحركة النقابية أو السياسية وبين النشاط النقابى أو السياسى .. فى أن معنى الحركة يشمل الجزء الأعظم من الطبقة ويغطى مختلف مناطق المجتمع الجغرافية ، بينما النشاط قد يكون موجودا فى بعض المناطق دون غيرها ولا تكون له صلاحية تسمية نفسه بالحركة دون أن يغطى أغلبية مناطق المجتمع.]
الوطنية ليست جلدا بشريا بل رداء يسهل خلعه كما يمكن ارتداؤه :
وهنا نتعرض لبعض الوقائع التاريخية التى تكشف نماذج من السياسيين ذوى الرؤى والمواقف المتذبذبة (Amphoteric views ) من علية القوم.. ومن أصول اجتماعية متباينة وإن كانت جذوربعضهم ترجع للطبقة المتوسطة مثل بطرس غالى ، وإبراهيم الهلباوى ممثل الادعاء فى قضية دنشواى، وأحمد فتحى زغلول رئيس المحكمة الأهلية وشقيق زعيم الأمة. حيث شارك و تواطأ فتحى زغلول على إصدار المرسوم ( سنة 1895م ) الخاص بإصدار ناظر الحقانية قرارا بتشكيل محكمة لمحاكمة فلاحى دنشواى. فبطرس غالى الذى عُيّنَ رئيسا لمحكمة دنشواى.( ) فى ( 1906 ) كان ناظرا للحقانية؛ ثم صار( فى 1908 / 1909) رئيسا وزراء مصر. [ -أنظر نجلاء المكاوى- محكمة دنشواى 1906- الناشر المركز العربى للأبحاث ودراسات السياسات. دبي]
فقد وقع - بطرس غالى- أحكاما بالإعدام والأشغال الشاقة والحبس والجلد على21 فلاحا من بين 51 متهما جرت محاكمتهم فى دنشواى لم يرتكبوا ذنبا وكانت جريمتهم هى تنبيه جنود الاحتلال لمخاطر احتراق محصول القمح فى الأجران التى انتهكها الجنود الإنجليز خلال تسلَّيهم بصيد حمام الفلاحين بالبنادق فى شهر يونيو حيث درجة الحرارة فى أعلى مستوياتها صيفا. ووفاة أحد الجنود بضربة شمس بعد فراره جريا من فلاحى القرية لعدة كيلومترات بعد أن أصاب إحدى الفلاحات بمقذوف نارى. والمثير للدهشة ليست فى نوعية الأحكام التى وقعها بطرس غالى بل فى نص الحكم الذى تضمن الكيفية التى يتم بها التننفيذ وطريقة ومكان التنفيذ ليؤكد طابع الانتقام والإذلال والترويع فى لحظة واحدة ، ويتجاوز بالحكم حدود كونه حكما قضائيا. وهذا بخلاف ما اكتنف انتزاع القضية عنوة من دائرة اختصاصها ( المحكمة الأهلية ) - بدعم فتحى زغلول - إلى دائرة مغايرة . لقد نص الحكم على أن يكون التنفيذ فى ساحة القرية وأمام أهلها ليسمعوا بآذانهم صراخ المجلودين وعويل النساء واستغاثات الفتيات.. ويبصروا ما حل بالأربعة المشنوقيىن، فكانت عملية الجلد تنفذ – بالتبادل - على اثنين من الفلاحين بعد شنق فلاح وقبل شنق الفلاح التالى .. وهكذا.
ونشير إلى ما أسس عليه ابراهيم الهلباوى ممثل الادعاء فى القضية مرافعته بأن باعث المتهمين من الفلاحين فى عدوانهم على الجنود لم يكن صيد الحمام بل طبيعتهم الشريرة، وطالب بتطبيق القانونين الفرنسى والمدنى الذى يعاقب على التهمة بالإعدام أو حتى الحكم بدون قانون. والغريب أنه بعد سنوات تم اغتيال قاضى المحكمة بطرس غالى على يد أحد أعضاء المنظمات العسكرية السرية.. ويتصادف أن يقوم الهلباوى - بعد ترك وظيفته وممارسة المحاماة – بالدفاع عن المتهم الوردانى قائلا:" اذهب يا ولدي إلى ساحة ربك، حيث العدالة الخالصة المجردة من الزمان والمكان، اذهب فقلوبنا ستكون دائمًا معك، وعيوننا ستسح عليك الدمع ما دامت الأرض والسموات" ، وهكذا تحدث الهلباوى عن الفلاحين باعتبار دافعهم فى العدوان على الجنود هوطبيعتهم الإجرامية بل وطالب رئيس المحكمة بإعدام الفلاحين .. وفى زمن آخر يبكى ويسح الدمع بل ويرثى" الوردانى " قاتل رئيس المحكمة بطرس غالى المتواطئ مع المحتل ؛ ولأنه يدرك أنه سيعدم يعتذر له ويطلب العفو : " اللهم إننا نستغفر مواطنينا عما نكون قد وقعنا فيه من أخطاء." وهو ما تم تنفيذه تفصيلا فى أغسطس1952بمدينة كفر الدوار بالبحيرة مع عامليْن قادا اعتصاما نقابيا فى إحدى شركات الغزل والنسيج بالمنطقة ( مصطفى خميس ومحمد البقرى) حيث تم تنفيذ حكم الإعدام وسط جمهور العمال فى ملعب الكرة بنادى المدينة حيث جرى نصب المشانق وتنفيذ الإعدام. وكانت قد جرت قبلها محاكمة هزلية للعامليْن فى نفس المكان الذى تم شنقهما فيه بدعوى قيادتهما اضرابا احتجاجيا - عن العمل - لعمال الشركة لتنفيذ بعض المطالب النقابية والعمالية المعتادة. وقد جرى ذلك بعدعدة أسابيع من قيام حركة الجيش فى23 يوليو 1952وكانت اللجنة المكلفة بالإشراف على الطبقة العاملة المصرية مكونة من ثلاثة أشخاص منهم البكباشى عبد المنعم أمين غالى وسيد قطب ، بينما ضم تشكيل المحكمة عبد المنعم أمين رئيسا ، وعضوية كل من عبد العظيم شحاتة وحسن ابراهيم ، والثلاثة كانوا من مجلس قيادة الضباط الأحرار .
أما الواقعة الثالثة فكانت فى ريف زفتى بقرية (سمبو مقام) : وراويها يقيم فى ميت غمر وهو المناضل عطية الصيرفى ( ) حيث قام علي باشا ماهر أول رئيس وزراء بعد حركة الجيش فى 23 يوليو 1952– فى الأسابيع الأولى من صدور قانون الإصلاح الزراعى فى سبتمبر 1952 - بترتيب خطة لتهريب ثلاثة آلاف فدان مملوكة لأصهاره من عائلة فودة فى القرية المشار إليها ببيعها لعدد من تجار المخدرات من عائلة الشعاروبحماية مجموعة من الخارجين على القانون من عائلة الدماصى وبالاتفاق مع مركزالشرطة المختص.وحيث توهم الفلاحون أنهم سيحصلون على الآرض ووقفوا مبتهجين لاستقبال المسئولين إذا بقوات الشرطة تقوم بتفريقهم بالرصاص.. ومن تسلق منهم أشجار النخيل القريبة – طلبا للنجاة - تم إسقاطه برصاص البنادق على الأرض ومن لم يهربوا تم القبض عليهم وغمْرِهم فى أحواض سقاية الخيل وترحيلهم كالقطيع لمركز الشرطة. [14 عطية الصيرفى – يوميات عامل مشاغب. رواية شخصية ونصا. ]
ويتضح من الوقائع السابقة التى جرت فى يونيو 1906، وأغسطس 1952، ونوفمبر 1952 كيف كان يُستخدم القانون وكيف كان يجرى التعامل من جانب المحتل البريطانى ورموز الطبقة المتوسطة وكبار ملاك الأرض الزراعية مع الفقراء من الفلاحين والعمال وعامة البسطاء. وكيف كان الترويع والعنف هو الوسيلة الأكثر نجاعة فى إدارة الحكم، وكيف بدا دور الشرطة فى تلك الوقائع الثلاث. وعليه فصفة الوطنية ليست سوى ثوب يمكن أن يجرى خلعه بنفس البساطة التى يمكن ارتداؤه بها.. وأن الفوارق ليست كبيرة ولا واسعة بين الأساليب التى استخدمتها الطبقة المتوسطة و كبار الملاك الأرض والمحتل البريطانى مع الشعب المصرى وطبقاته الفقيرة.. وعليه فقد ثبت أن الطبقة المتوسطة (الرأسمالية) فى مصر التى نشأت من جذوركبار ملاك الأرض الزراعية وفى أحضان الرأسمالية الأجنبية التى بلغت مرحلة الاحتكار لا يمكن لها الفكاك من آثار تلك الهيمنة.. وهو ما انعكس على جميع مواقفها إزاء كبار ملاك الأرض والقصر والمحتل الأجنبي .. وقبلهم فقراء الشعب المصرى.
الدور السياسى للطلاب:
شكلت انتفاضة عام 1935/ 1936 الطلابية أولى الاحتجاجات الطلابية فى العصر الحديث ضد النظام السياسي الليبرالى القائم منذ عشرينات القرن العشرين، حيث أن التعليم الذى أتاحه النظام الحاكم للطلاب كان ذا طابع ليبرالى.. وأسهم فى تكوين قوة عددية لهم ؛ أحبطها المستوى المنخفض للرواتب ؛ وفاقمه المستوى المتدنى للتنمية الاقتصادية فى المجتمع المصرى؛ وهو ما اصطدم بطموحاتهم المتعلقة بمستقبل حياتهم الخاصة.وبذلك وجد النظام الحاكم نفسه أمام ذرية ساخطة خلقها بنفسه.. حيث فشل فى التوصل إلى استقلال وطنى كامل تفجرت بسببه ثورة 1919مما دفع الحياة الدستورية فى البلاد للاضطراب. وسقطت وزارة صدقى التى ألغت دستور 1923 وأحلت محله دستور 1930، كما سقطت وزارة نسيم باشا التى ألغت دستور 1930 ولم تحل مكانه دستور1923 تهادنا مع المحتل. وأيقن الشعب وفى مقدمته الطلاب باستمرارأسلوب المماطلة والمماحكة.. رغبة فى دوام الهيمنة البريطانية على مقدرات البلاد.
حتى خطب النحاس باشا زعيم الوفد محرضا الشعب ومطالبا باستقالة وزارة نسيم باشا المتواطئة مع المحتل فى 13 نوفمبر 1935 وبدا من لهجته أنها توصية للطلاب ببدء الاحتجاج الشعبى الواسع .
يقول بَشْتَلى أفندى مختص تحرير التقارير الرسمية بالقسم المخصوص ( الأمن السياسى) بوزارة الداخلية [فى 13 نوفمبر 1935 سار حوالى ألفيْ طالب – 2000 - من الجامعة إلى القاهرة مهددين متوعدين، وأبدوا روح التشدد والتهور والعدوانية، وكان التعامل معهم أشد صعوبة عن ذى قبل] وانتقلت عدواها إلى مدن أخرى . [ ففى 14 نوفمبر 1935 اصطدم أربعة آلاف طالب -4000- بقوة بوليس يقودها بريطانيون عند كوبرى عباس استشهد فيها محمد عبد المجيد مرسى طالب من كلية الزراعة ، وأصيب محمد عبد الحكم الجراحى طالب بكلية الآداب .. وتوفى بعدها بأيام فى 19 نوفمبر 1935. ]
هذا ولما كان محمد الجراحى يمت بصلة قرابة لضابط بالحرس الملكى، فقد أخفى زملاؤه من طلاب الطب جثمانه رغبة فى إقامة جنازة شعبية له، وتمكنوا من ذلك وحضر تشييع الجنازة الزعيم مصطفى النحاس باشا ، واسماعيل صدقى باشا ، ومحمد محمود باشا .. وآخرون . وانتشرت المظاهرات واتخذ رئيس الوزراة – نسيم باشا- قرارا بمنع نشر أخبارها ؛ ومن جانب آخر تم إغلاق الجامعة نظرا لاندلاع المظاهرات فى اليوم السابق- السابع من ديسمبر- فى الحرم الجامعى.. و كان المتظاهرون قد أعدّوا تمثالا كبيرا يرمز لشهداء الحركة الوطنبة ، وهربوه داخل الجامعة وتمكنوا من تجهيزاحتفال مناسب لإقامته داخل الجامعة حضره رئيس الجامعة ولفيف من الأساتذة وآلاف الطلاب.
وهو ما أكده عبد الرحمن الرافعى فى كتاباته عن الأحداث حيث قال : [ " قام الطلاب فى نوفمبر 1935 بمظاهرات سلمية مدفوعين بشعور وطنى صادق .. يهدف لتحقيق مطالب البلاد ، ولم يكن موعزا لهم من أحد ؛ وكانوا يهتفون بالاستقلال والحرية والدستور؛ متجنبين روح الاعتداء والإتلاف ؛ ويحولون دون اندساس الغوغاء فى صفوفهم" . باختصار كانت صفحة مجيدة فى تاريخ الشباب، وقد أسميناها شبه ثورة.. فقد كانت صورة مصغرة من ثورة 1919.]
ثورة طلاب 1935 هى من أعادت العمل بدستور 1923وأفضت لمعاهدة 1936 :
وقد أفضت حركة الطلاب- فيما بعد – إلى تشكيل جبهة وطنية موحدة من الأحزاب السياسية . و لعب الطلاب فيها دورا لاحما ورئيسيا حسبما أشار محمد حسين هيكل، وقد أظهر الطلاب قسطا وافرا من التشدد والإصرار على ضرورة المصالحة بين الأحزاب لتشكيل موقف موحد من الجبهة والمطالب الوطنية.
وإزاء هذا الزخم الكاسح ورضوخا له أصدر الملك فؤاد فى 21 ديسمبر1935 مرسوما بإعادة العمل بدستور 1923.
ورغم تلك الإرهاصات الإيجابية استمر الطلاب فى إضراباتهم ضد الإنجليز بل وملاحقتهم أينما ذهبوا خصوصا فى المناسبات والمؤتمرات حتى العلمية منها كما جرى فى 13ديسمبر 1935 حيث التقوا بأعضاء المؤتمر الدولى للجراحة وبادروهم بالهتاف الأثير ( مصر للمصريين) وافتعلوا بعض الضوضاء عندما حل موعد إلقاء الوفد العلمى البريطانى كلمته حتى اضطر للعودة من حيث أتى ؛ كما أوقفوا أعمال المؤتمر لفترة قصيرة إمعانا فى الإصرار على رفض وجود البريطانيين فى مؤتمر علمى بمصر .. وليس وجودهم كمحتلين فحسب، وفى إثر ذلك قرروا تشكيل لجنة للدعاية الوطنية فى الأقاليم.
لقد برهنت تلك الأحداث المتدفقة على أن الحركة الطلابية المصرية قد دخلت الساحة السياسية كمعطى ثابت وملموس حيث كان إبرام معاهدة 1936أحد النتائج المباشرة للحراك الطلابى. تلك المعاهدة التى رغم اعترافها باستقلال مصر أبقت على الوجود البريطانى العسكرى بها .. وتأكيدا لدور طلاب الجامعات بل والمدارس الثانوية العامة والفنية فى هذا الحراك وما أسفر عنه من نتائج ملموسة ومعنوية سميت هذه الفترة بـ ( سنوات الشباب).
من هنا كان دور الشباب واضحا – خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية- التى أبقت على استمرار تسخير الموارد والمرافق والمقدرات والدماء المصرية فى الحرب العالمية الثانية التى اندلعت بعد إبرام معاهدة 1936 والتى برهنت على أن مماطلة بريطانيا ومماحكاتها فى الجلاء عن مصر – إضافة لحالة الأنانية الاستعمارية - كانت تخفى وراءها حالة الهلع التى انتابت كثيرا من دول أوربا الغريبة من النهوض الفاشى والنازى القابع علي تخومها والذى تجاوز مرحلة التلويح بالتهديد إلى مرحلة الاستفزاز والشروع فى التنفيذ.
وتأكيدا لجدية حالة الهلع ؛ ظهرت فكرة دفاعية بريطانية مجنونة وخرقاء وتنم عن رعب مستطير غير مسبوق وذلك قبيل صدام الصحراء الغربية بين قوات الحلفاء ( بريطانيا وفرنسا وبقية حلفائها ) و قوات المحور ( ألمانيا ، وإيطاليا، واليابان ) تتمثل فى الإعداد لإغراق دلتا مصر بمياه النيل كآخر خط – بعد حقول ألغام العلمين الشاسعة - للدفاع عن الوجود العسكرى البريطانى فى مصر وصد القائد الألمانى روميل عن الوصول إليها .
وقد شهدت فترة أواسط الثلاثينات زخما سياسيا يستهدف الشباب من قبل عدد من الأحزاب الجديدة على الساحة السياسية المصرية مثل حزب مصر الفتاة ، وجماعة الإخوان المسلمين، والحلقات الشيوعية الكثيرة والمتنوعة تلك المعطيات التى ظهرت لأسباب شتى منها تراخى قبضة الأحزاب التقليدية خصوصا حزب الوفد عن الشباب وتحديدا الطلاب .. ويمكن القول أن دور الطلاب فى الحركة السياسية قد تصاعد واتسع سواء بتواجدهم فى الأحزاب وترجيح كفة حزب على آخر لكن ذلك لم يكن الميل الوحيد حيث أنه فى بعض الظروف ضغطوا على أحزابهم لاتخاذ مواقف محددة كما حدث فى حلقتى ايسكرا والفجر الجديد الماركسيتين إزاء رغبة الطلاب فى إبرام اتفاق بالوحدة بين حلقتهم وحلقة أخرى .. وإلا سينشقون.
بينما فى حزب الوفد فقد لعب الطلاب أدوارا لا يمكن للحزب القيام بها خصوصا فى التضييق على الأحزاب الأخرى(1) يهمنا التعرض لكيف بدأ انخراط الطلاب فى النشاط السياسى ؛ من زاوية للتعرف على الدوافع والبواعث التى تقف خلفها ومن زاوية أخرى للتعرف على الأغراض السياسية الرامية لتجنيد الطلاب فى عضوية الأحزاب. وهنا نشير لأن فرق الجوالة فى جماعة الإخوان، وأصحاب القمصان الزرقاء فى مصر الفتاة، وذوى القمصان الخضراء فى الوفد كانت كلها خيارات شبابية ولأغراض متنوعة بعضها حديث كما هوالحال فى الوفد (2) وبقيتها قديم وثابت كما هو الوضع فى جماعة الإخوان.
شرارة ثورة 1919 بدأت من نادى المدارس العليا:
بدأ نشاط حزب الوفد مع الطلاب منذ إرهاصات ثورة 1919 التى بدأت شراراتها الأولى من نادى المدارس العليا (3) الذى شكل أحد الأنوية التنظيمية لحزب الوفد، ووظفهم سكرتير الحزب عبد الرحمن فهمى فى جهاز الاتصال السرى لنقل الأخبار والتوجيهات من وإلى عموم نواحى الوطن.هذا ورغم تدهور شعبية الوفد – خصوصا بعد حادث 4 فبراير1942 الشهير- ظل محتفظا بالكتلة الأكبر من الطلاب ، يليه حزب مصر الفتاة. بينما وجهت جماعة الإخوان جهودا خاصة واستثنائية للطلاب بالذات خلال فترة تدهور شعبية الوفد، وأنشأت قسما خاصا بهم ، وبذلت جهودا دعوية وتنظيمية لكسب تأييدهم ووفائهم. هذا وقد شهدت الكتلة الطلابية للوفد منبرا راديكاليا مستقلا تمت تسميته عام 1943بالطليعة الوفدية ظهر إبان تدهور شعبية الحزب وقد انضم إليه عدد من المثقفين .. ولقيت الطليعة الوفدية تأييدا كبيرا من الطلاب الوفديين. وفى انتخابات اتحاد طلاب جامعة لقاهرة فى نوفمبر1951حصلت جماعة الإخوان على الأغلبية (58 مقعدا من 71 مقعد).. وشكلت تلك الانتخابات أحد المؤشرات القوية على تدهور شعبية الوفد. ويوضح البيان التالى تفاصيل السيطرة الإخوانية على اتحادات الطلاب بجامعة القاهرة والتى تحققت فى الفترة السابقة مباشرة لاستيلاء حركة الضباط الأحرار على الحكم التى استغلت بكفاءة عدة عوامل لا تتجمع فى وقت واحد إلا نادرا منهاالاضطرابات السياسية التى تفجرت جراء مواقف الوفد الوسطية من القضية الوطنية ومنها معاهدة 1936 وتدهور شعبيته إلى حدها الأقصى بنشر الكتاب الأسود - لمكرم عبيد - الذى كشف كثيرا من سوءاته الداخلية . ويلاحظ أن الجماعة حصلت على 58 مقعدا من 71 بنسبة تتجاوز80% ، وأنها تفوقت فى الكليات النظرية والعملية الست ، وحصلت على 90% من أصوات كلية الحقوق التى كانت معقلا لحزب الوفد هذا فى آخر انتخابات قبل عام1952. بيان بمقاعد اتحاد ات الطلاب بجامعة القاهرة ( ) التى حصلت عليها جماعة الإخوان – نوفمبر 1951 من كتاب أحمد عبدالله –الطلبة والسياسة فى مصر- صـ94- بيان بنتائج انتخابات اتحادات الطلاب بجامعة القاهرة –نوفمبر 1951- لصالح جماعة الإخوان المسلمين مسلسل الكلية مقاعد الإخوان ملاحظات 1 الزراعة 11 : 11 100% 2 العلوم 11 : 11 100% 3 الهندسة 7 : 10 70 % 4 الآداب 11 : 16 69 % 5 الحقوق 9 : 10 90% 6 التجارة 9 : 13 69%
أما بعد استيلاء الجيش على الحكم فيلاحظ التناقض البيّن بين الطبيعة السياسية لاتحاد الطلاب على النطاق القومى( الاتحاد العام لطلاب الجمهورية ) وبين الحصارالمفروض على نشاط الاتحادات المحلية ليقتصرنشاطها على دور خدمى واجتماعى فى وحداته القاعدية بالكليات المختلفة؛ فلجانه الست على النطاق القومى ثلاث منها سياسية هى ( السياسية، والعلاقات العربيية ، والعلاقات الخارجية) وواحدة غير سياسية ( العلاقات الداخلية) والأخيرة مختلطة ( النشر والإعلام ).
كذلك كان توزيع ميزانية الاتحاد على الأنشطة يغل يد اللجان عن القيام بكامل أعمالها .. ويتيح للدولة الهيمنة شبه الكاملة على النشاط الذى تمارسه اللجان ذات الطابع السياسى وذلك بالتحكم فى أوجه صرف الميزانية.
من زاوية أخرى نشطت منظمة الشباب الاشتراكى فى أوساط طلاب الجامعة وكذلك الجهاز الطليعى، ذلك الجهاز الذى اتخذ طابعا غير علنى فى ممارسة نشاطه وتحركاته داخل التنظيم السياسي- الاتحاد الاشتراكى- وقد انتهى الأمربالانسحاب من الجامعة والقبض على عدد من الطلاب خصوصا من القوميين العرب الذين انخرطوا فى نشاط الجهاز الطليعى ( ) .والواضح أن الدولة كانت تسعى للهيمنة على الحركة والاتحادات الطلابية من خلال الجهاز الطليعى.. ولكنها تراجعت عن ذلك مفضلة الاقتصار على التدخل فى الانتخابات وحصار الاتحادات إداريا وأمنيا لحرمان العناصر غير المرغوبة من دخولها . [ 16- أنظر – أحمد هشام - مرجع سابق عن الحركة الطلابية بهندسة القاهرة - شهادة محمد نبيل عبد الله – تم القبض فى اكتوبر 1966 وأفرج عنهم بعد 200 يوم – أى فى شهر مايو 1967.]
هذا وكانت الدولة قد قدمت عددا من التنازلات فى مواثيق ولوائح اتحاد الطلاب بعد الجولة الأولى ( فبراير) من انتفاضة 1968 لكنها عادت – فى الجولة الثانية من السنة ( نوفمبر )- وتراجعت عنها فى أعقاب الاحتجاجات الشعبية الواسعة على أحكام قادة سلاح الطيران.
وباستيلاء السادات على السلطة وإزاحة رجال عبد الناصر تم حل الجهاز الطليعى وتفكيك الاتحاد الاشتراكى مما أدى لوجود فراغ شغلته قوى أخرى جديدة ساهم بعضها فى الحراك الطلابى الذى تجلى فى العام الدراسى 1971 / 1972 وما بعده ، وكان انصرام عام 1971 دون حرب لتحرير
الأرض المحتلة كما وعد السادات ( باعتباره عام الحسم ) سببا كافيا لانفجار الطلاب فى وجه النظام مطالبين بالحرية والديمقراطية وتحرير الأرض.
عام 1952 الحد الفاصل بين نظام حكم ملكى دستورى ونظام حكم عسكرى:
بعد 5 أشهر من استيلاء حركة الضباط على الحكم ؛ وفى يناير 1953 أصدر مجلس قيادة الحركة قرارا بمرسوم يلغى دستور 1923 وبالتالى حل الأحزاب السياسية ووقف نشاطها وقد استثنيت منه جماعة الإخوان المسلمين دون غيرها.
وفى العام التالى1954 بدأت الخطوات الأولى لمحادثات الجلاء بين ضباط يوليو وبريطانيا. وبذا صار عام 1954 آخر الأعوام التى شهدت حراكا جماهيريا مشروعا ؛ وهو ما شمل النشاط الطلابى.لذا اتُهِمَت حركة ضباط يوليو 52 بأنها معادية للمثقفين .
وعلى الرغم من أن صدور قانون للإصلاح الزراعى فى الأسابيع الأولى لحركة الجيش.. ومصادرة (تمصير) عدد من الشركات الأجنبية والخاصة ، وبعدها الإعلان عن مجانية التعليم الأساسى والجامعى ووضع حد أدنى للأجورقد أعطى انطباعا إيجابيا عن المسار الاجتماعى لحركة الجيش.. إلا أن مصادرة الحياة السياسية والتضييق على النشاط النقابى كان الحاجزالذى رفضته القطاعات المستنيرة من الشعب وظل يفصلهاعن ضباط يوليو ، خصوصا فى صفوف المثقفين.
وكانت محاكمة العامليْن خميس والبقرى الهزلية - اللذين قادا احتجاجا فى إحدى شركات الغزل والنسيج بكفر الدوار يطالب ببعض الحقوق النقابية المعتادة - والقيام بإعدامهما فى ملعب كرة القدم بالمدينة..وسط جموع العمال بالشركة أبرز مواقف الحكم الجديد من الطبقة العاملة وصار فى عرف المثقفين عنوانا لطبيعة نظام الحكم الجديد.. هذا بالإضافة إلى مذبحة الفلاحين التى جرت بقرية "سمبو مقام " مركز ميت غمر بواسطة قوات الأمن لمئات من الفلاحين تحت إشراف على ماهر ( ) باشا أول رئيس للوزراء فى عهد ضباط يوليو 52 إبان مشاركته فى تهريب ثلاثة ألاف فدان يملكها أصهاره من عائلة راغب فودة من قانون الإصلاح الزراعى فى الشهور الأولى للثورة.
[ 17-أنظر ( يوميات عامل مشاغب) لعطية الصيرفى، ومقال كريمة كمال (لماذا لا يثورالفلاحون ضد الظلم ) - صحيفة البديل عدد 80 – بتاريخ3 /10/ 2007 - صـ 11]
وباندلاع حرب يونيو 1967 فوجئ الشعب بهزيمة عسكرية منكرة حولت الحاجز النفسى مع الحكم الجديد إلى مطالب وشعارات تنادى بالديمقراطية وأخرى باستعادة الأرض المحتلة تجلت عمليا فى رد الفعل الشعبى بالقاهرة والإسكندرية والمنصورة إبان احتجاجها على الأحكام التى صدرت فى فبراير 1968 فى محاكمة قادة سلاح الطيران.
ومنذ أزمة مارس 1954 فى صفوف ضباط يوليو 52 لم تشهد شوارع مصر جماهير الشعب فى تظاهرات احتجاجية سوى فى شهر يونيو 1967 رفضا للهزيمة وتنحى عبد الناصر ثم فى شهرى فبراير ونوفمبر1968 احتجاجا على هزلية محاكمة قادة سلاح الطيران وشكليتها وعلى مصادرة الحريات. ومنذ فبراير 1968 استمرت حركة الطلاب فى التصاعد حتى انتفاضة الخبز فى يناير 1977 مرورا بحركتها التى تفجرت بدءا من العام الدراسي 1971/1972 فى الجامعات المصرية مطالبة بالديمقراطية والحريات السياسية، واقتصاد الحرب ، وتدريب الشعب على السلاح ، وتحرير الأرض المحتلة .
هوامش عامة: ،،،،،،،،،،،،،،،، انظر بشير صقر- كتاب الفلاحون والزراعة المصرية ( 1805- 2014 ) الباب الثالث - صـ 338
1-ملاحظة تتعلق بنشأة الرأسمالية المصرية وأفقها ومآلها:
لم يكن من المنطقى فى مثل هذا البحث تناول دور حكام أسرة محمد على ودور الاحتلال البريطانى وكبار ملاك الأرض الزراعية دون التعرض ولو إجمالا لدور الرأسمالية المصرية ؛ سواء من حيث نشأتها وسياق تطورها ودورها فى صلته بكبار ملاك الأرض خصوصا وأن كل الطبقات الرأسمالية كانت تتعارض بشكل أو بآخرمع طبقة كبار الملاك فى كل المجتمعات خصوصا فى الفترة التى يتمفصل عندها أفول نجم الإقطاع وبزوغ شمس الرأسمالية. ومن المنطقى أن يكون لها– أي الرأسمالية - تقدير مختلف عن موقف كبار الملاك إزاء الاحتلال البريطانى الذى كان يشكل أهم العقبات أمام انفرادها بالسوق المصرى؛ علاوة على أهمية التعرف على دورها فى القضايا التى يتعرض لها البحث اعتبارا من ثورة 1919 وحتى الآن.
وحيث كانت أوضاع الفلاحين والزراعة تمثل إشكالية كبري على مستوي الإنتاج وتوزيع الثروة القومية وعائد توظيفها وكذا نمط الإنتاج السائد فضلا عن غياب أي قدرمن الحريات الديمقراطية ، في الوقت الذي كان المستعمر البريطاني (الرأسمالي) يفرض سطوته ومحاكمه وقوانينه علي المصريين ويتحكم في مقدار ومعدل التطور الذي يسمح به ويقرره لنمو العلاقات الرأسمالية في المجتمع . في هذا الوضع لم يكن ممكنا حل القضية الوطنية وإزاحة المستعمر الرأسمالي دون ضفرها مع القضية الفلاحية. وتبقى محاولة حل إحداهما بعيدا عن الأخرى محض أوهام تبوء بالفشل وتفضي إلي الإحباط كما اتضح من مجمل السياق التاريخى للمجتمع.
فالرأسمالية المصرية اكتنف ميلادها وتشكلها مجموعة من الشروط الاستثنائية التى حكمت نموها اللاحق، منها أن المكون الأهم منها نشأ من جذور كبار ملاك الأرض الزراعية بالأساس ونقل عنهم كثيرا من جبنهم ومنطقهم وقيمهم؛ خصوصا وأن قطاعا كبيرا منهم كان ذا أصول أجنبية ؛ فى الوقت الذى لم يكن رافدها الثانى الذى تمثل فى ( الحرفيين والصناع ) قد وجد المناخ الملائم للنمو فقد قام الحكم العثمانى - فى وقت أسبق - بتهجير أعداد كبيرة منهم- خصوصا أكثرهم مهارة وحرفية إلى الآستانة للاستعانة بهم فى تطوير الحرف والصناعات الصغيرة هناك، وهو ما حرم الرأسمالية المصرية من واحد من مكوناتها الرئيسية. كما أسهمت سياسة الاحتكار التى شملت كل الاقتصاد المصري فى عهد محمد على فى التضييق على النشاط الحرفي والصناعي الوليد خصوصا فيما يتعلق باستيراد الخامات وأسعارها وتسويق منتجاتها، ولم يجد ( الحرفيون والصناع ) فيما بعد متنفسا حقيقيا ليتحولا إلى رأسمالية كبيرة حقيقية حتى أطبق الاحتلال البريطاني على مصر فأضاف عائقا جديدا لها متمثلا فى منافس رأسمالي شديد البأس أكثر قوة منها وخبرة وأوسع إنتاجا وأعلى جودة ، إضافة إلى أن رافدها الثالث فى المدينة وقوامه الأساسي من التجار وبعض العلماء و الماليين لم يكن قويا بالدرجة التى يقود بها الطبقة وهو ما أتاح الفرصة ليفرض المُـكوّن الأول للرأسمالية المصرية - القادم من طبقة كبار الملاك- منطقه على الطبقة كلها،حيث الهلع من ارتياد مجالات جديدة فى الصناعة واستبداله بالبحث عن مواطن النشاط المأمونة والمضمونة والبعيدة عن منافسة وغضب البريطانيين ؛ حتى صناعات القطن لم تتجاسر رأسماليتنا على الدخول فيها إلا متأخرة وكذا العديد من الصناعات الزراعية باستثناء صناعات السكر وحلج القطن.
باختصار انتقل جبن طبقة كبار ملاك الأرض- مشفوعا بمصالحها فى تصدير القطن- إلى الرأسمالية المصرية من خلال هذا الرافد المتخلف ، وعلى سبيل المثال لا الحصر كان طلعت حرب باشا رائد الصناعة والاقتصاد الرأسمالي المصري واحدا من كبار ملاك الأرض وكانت أرضه مرهونة– فى أزمة الرهونات الكبرى عام 1930- ضمن أراضى الكثيرين ممن شاركوه فى مجال الصناعة، والذى لم ينج من حالة الهلع التى شملت الطبقة الرأسمالية ليس من الرأسمالية البريطانية فحسب بل ومن الطبقة العاملة. ويقول جابرييل بيير( ) فى دراسته [تاريخ ملكية الأراضى فى مصر الحديثة، ص 168] وهو يتحدث عن فترة الثلاثينات فى القرن العشرين:" الطبقة الوسطى من أبناء المدن بعد أن نمت من التقدم الصناعي والتوسع التجاري والاستثمارات المالية النامية نتيجة الحرب العالمية الثانية لتحتل مكانتها كوريث لملاك الأرض فى السلطة لم تكن على استعداد لمواجهة التحدي، ثم أن الأجانب والأقليات كانوا العمود الفقرى لهذه الطبقة بنوع خاص مما جعلها أقل مقدرة على القيام بدور سياسي مستقل.هذا إلى جانب أن اهتمامات الطبقة الوسطى هذه ترتبط ارتباطا وثيقا باهتمامات كبار ملاك الأراضي تبعا للمشاركة بينهما فى البيئة الحضرية ورغبة الطبقة الرأسمالية فى الحضر فى امتلاك الأرض.إضافة إلى عامل آخر أنها حققت كيانها النامى من خلال التوتر الاجتماعي فى المدن ذاتها " فى مظاهرات المجاعة عام 1942 وسلسلة التوترات والمظاهرات والاضطرابات العمالية " التى سادت أواخر الأربعينات قد أدت جميعها إلى التعاون بينها وبين الطبقة الحاكمة ( وهى هنا ملاك الأرض ) خشية الإصلاح الاجتماعي .. حذرة من كل مايثيره .. وخوفا من أنها حين تبدأ فلن تجد ما يردها عنه "
من جانب آخر كان موقف الرأسمالية البريطانية المتذبذب والمتردد بين الوفاء للمبادئ والأسس الرأسمالية فى التطبيق وبين مصالحها فى مصر وعلاقتها بكبار ملاك الأرض المصريين قد حسمته نهائيا لصالح المصالح ؛ ولذا تحكمت فى معدل تطور علاقات الإنتاج الرأسمالية فى مصر ولم تسمح لها بالانطلاق وحرصت على أن يظل هذا المعدل محجوزا وفى أضيق نطاق ، بمعنى أنها لم تتخذ موقف الاحتلال الأمريكى لليابان فى الحرب العالمية الثانية بتطبيق مشروع للإصلاح الزراعى فى مصر من بين المشروعات التى نادت بها كثير من الأصوات فى المجتمع المصرى آنذاك وبالذات بعض الأحزاب السياسية وقطاعات من الشعب وتواطأت على أن يظل ( نصف فى المائة من السكان ) مستحوذا على معظم الأرض الزراعية بينما80% منهم لا يملكون سوى20 % منها ؛ فى الوقت الذى فرض فيه الجنرال الأمريكى ماك آرثر مشروعا للإصلاح الزراعى على المجتمع اليابانى- لاقى معارضة اليمين واليسار اليابانى- لكنه نفذه جبرا. ومن هنا لم نجد غرابة فى معارضة كثير من الرأسماليين المصريين- وليس كبار الملاك وورثتهم - لقانون الإصلاح الزراعى الذى طبقته سلطة يوليو 1952 لا وقت إصدار القانون وتطبيقه ولا بعد 20عاما عندما حل السادات؛ بل وحتي زماننا هذا الذي نعيشه .
أما ما جرى فى عهد السادات فكان إرساء لعناصر جديدة فى العلاقات الرأسمالية القائمة فى المجال الزراعى تختلف إلى حد بعيد عما أرسته سلطة يوليو فى إطار نفس العلاقات أو بمعنى أدق تنصلت سياسة السادات من كوابح عديدة فرضتها السياسة العامة فى العصر الناصرى على الاقتصاد وخصوصا الزراعى وعبرت عنها جملة الدعوم والحماية النسبية التى كفلتها له . ولعب تنصل السادات من تلك الكوابح دورا فعالا فى تحويل الاقتصاد المصرى بما فيه الزراعة إلى مفردات لا رابط بينها وأغرقتها فى سياسة السوق الحرة والمنافسة غير المتكافئة.. خصوصا فى عصر غدت فيه العولمة الرأسمالية تيارا جارفا يصعب صده.
واستتبع ذلك فى عهد مبارك استهداف وسيلة الإنتاج الرئيسية ( الأرض الزراعية ) بتعديل قانون الإصلاح الزراعى فيما يتصل بإيجارات الأراضي بالقانون 96 /1992 الذى أزاح مئات الألوف من المستأجرين خارج الأرض الزراعية وأدى لخفض جدوى الزراعة بشدة، ولم يكن ذلك هو التعديل الأول على قانون الإصلاح الزراعى بل سبقه تعديل (تحايل) آخر فى عهد السادات يخص قانون الأراضى الصحراوية الذى أطلق– عمليا– الحد الأقصى للملكية فى الأراضى الجديدة وأسهم فى تعميق سياسة السوق الحرة غير المتكافئة برفع الدعم تماما عن مستلزمات الإنتاج الزراعى والقروض وأفضى لاحتكار تجارة الحاصلات الزراعية والتحكم فى أسعارها،وتاه الفلاحون فى هذا الطوفان. ،،،،،،،،،،،،،،،،
الحركة الطلابية والطريق إإلى موقف مستقل و مغاير عن سلطة ضباط يوليو52
لم يكن لمعظم ضباط يوليو .. ميول سياسية متبلورة أو محددة ؛ ويبدو ذلك واضحا من جملة الشعارات التى أطلقوها علي حركتهم. فبعد الإعلان عن المبادئ الستة أطلقوا مجموعة من الشعارات كانت تتغير كل عدة سنوات؛ ولم تكن رؤيتهم تنم عن خبرة سياسية بقدر ما تفصح عن افتقار لذلك ، وتبرز احتياجهم لمؤازرة جماهيرية منظمة من خلال تنظيم شعبى ديمقراطى حقيقى, و حيث أن معاصرتهم أو متابعة بعضهم للحياة السياسية والنيابية قبل 1952 لم تكن تكفى لاكتساب الخبرة والدراية والدُربة السياسية بأبعادها المتنوعة، ذلك لأن القرارات السياسية المختلفة مهما كان صوابها تحتاج لظهير شعبى مشجع ومؤازر ومحتضن لها لكى تعطى ثمارها المرجوة ؛ ومن ثم تحفظ لها تماسكها وترابطها وقواها الفاعلة ؛ لذا لجأوا لابتداع وسائل مستحدثة تُوهِم الناس بحجم تبنى الشعب الواسع لتلك الشعارات .
•فمثلا.. فى الفترة ( 1952/ 1957) كانت الشعارات المرفوعة هى : ( الاتحاد والنظام والعمل) وهى شعارات لا تبرز الجوهر المقصود وهى أقرب لشعارات فرق الكشافة المدرسية منها للمؤسسات السياسية. وحظيت تلك الفترة بمحاولة عملية لتأسيس تنظيم سياسى أسموه ( هيئة التحرير) وهو تعبير يشير إلى التحرر من الاحتلال لكنه لا يتناول القوى التى كانت تسيطر على الحكم قبل 52 .
ونظرا لحداثة عهدهم بالنشاط الجماهيرى السياسى اعتقدوا أن المشاركة الجماهيرية تعنى ترديد الشعب لتلك الشعارات ولذا تسابق الشعراء والموسيقيون فى نظم تلك الشعارات فى أناشيد يغنيها تلاميذ وطلاب المدارس فى طوابير الصباح..( ) حيث كان محرر هذه السطور واحدا ممن ينشدونها على مقاعد الدراسة فى السنوات الأولى من التعليم.
ويوحى تكرارها اليومى لمدى التفاف الشعب حولها ومن ثم تبنيها.. وكان ذلك فى زمن التلقين والاستظهار والتسميع وليس فى عصر التفكير والتحليل والاستنباط.
•أما فى الفترة من 1957/1962 فكانت الشعارات المرفوعة هى :
(الاشتراكية - الديمقراطية – التعاونية) واستُبدِل اسم التنظيم السياسى بـ " الاتحاد القومى" وعلى ما يبدو أن التسمية اقتبست ( ) من دولة البرتغال فى أعقاب زيارة لعلى صبرى إلى هناك استهدفت آخر ما أنتجته العقلية الأوربية من وسائل الحكم حيث كان النظام السياسى فى البرتغال نظاما ديكتاتوريا يقوده أنطونيو سالازار الذى استمر فى الحكم من عام 1932 حتى عام 1968. ولو حاولنا الاستدلال على الفارق بين هيئة التحرير والاتحاد القومى لما توصلنا لاختلافات ذات شأن.
[ 20-انظر أحمد هشام.. من تاريخ الحركة الطلابية - كلية الهندسة – عون للنشر - الطبعة الأولي يونيو 2012- تحت عنوان التنظيم السياسي الثانى – الاتحاد القومى صـ104 – زيارة على صبرى للبرتغا ل عام 1957.]
•ومنذ 1962وحتى1971 تحول اسم التنظيم السياسى إلى " الاتحاد الاشتراكى العربى" ، وكانت شعاراته الثلاثة هى ( حرية – اشتراكية – وحدة ).
ويتضح من هذا الموجز افتقاد الحكم الجديد لشعارات واضحة تعبر بجلاء عن أهداف النظام وتحدد أدوات ووسائل الحكم واحتياجه الماس لحزب جماهيرى يكون قوامه من اصحاب المصلحة المفترضين فى النظام الجديد وهم المعدمون والفلاحون الفقراء والصغار الذين هم المرشحون الأول للحصول على أرض الإصلاح الزراعى، وفقراء المدن من العمال والطبقة المتوسطة التى ستستفيد من التخلص من حكم العائلة المالكة ومن الإصلاحات فى الاقتصاد والتعليم والصحة والثقافة والرياضة وغيرها.
لكن التنظيمات الجديدة الثلاث التى تعاقبت منذ 1952 لم تستوعب الطاقات الجماهيرية ولم تكن ديمقراطية ولم تعمل لمصلحة الشعب بقدرما كانت تعمل لصالح النظام الجديد.. فانفضت عنها أغلبية الجماهير ولم يستطع من تبقى بها من( جمهور) أعضائها توجيه دفتها لصالحهم. وفى النهاية اهتدى ضباط يوليو 52 لمشروع وثيقة فكرية سياسية تسمى ميثاق العمل الوطنى. ويرى نبيل عبد الله طالب هندسة القاهرة آنذاك ( ) فى الفترة من 1961 / 1968– تشخيصا للوضع السياسى فى مصر بعد تسع سنوات من حركة الجيش وتفسيرا لمسارها [ أن نقد النظام الحاكم أو معارضته كان معناه الاعتقال الفورى- لذلك كان ينظرلمن يمارس العمل السياسى من عامة الشعب علي أنه انتهازى ووصولى، ولم يقتصر الأمر على النشاط السياسى بل تعداه إلى أوجه النشاط الأخرى الثقافية والاجتماعية وكانت العلاقة مع السلطة تتلخص فى أنها تسعى للسيطرة على الطلبة، عن طريق إطلاق الشعارات الوطنية العامة. ] [ 21- المرجع السابق – صـ 16 كان عضوا من مؤسسى جماعة الفكر بالكلية ، وعضوا بحركة القوميين العرب التى تعتبر عبد الناصر قائدا للقومية العربية ،وعضوا بمنظمة الشباب الاشتراكى وعضوا بالجهاز الطلبيعى وعضوا باتحاد طلاب الهندسة المنتخب فى 1964/ 1965، وأمينا للجنة الميثاق - وقد قبض عليه فى عام 1966 لمايقرب من عام .. وفصل من تنظيمات السلطة. ]
ويستطرد قائلا: [ باختصاركانت آثار عملية استئصال الرحم السياسى للأمة التى قامت بها ثورة الضباط فى 1952 واضحة جلية بعد ما يقرب من تسع سنوات من قيامها، وتمثل هذا فى قمع جميع القوى السياسية، سواء يمينية كالإخوان المسلمين أو ليبرالية كالوفد أو يسارية كالشيوعيين، ولجأ ضباط 1952 فى سعيهم لاحتكار العمل السياسى إلى جميع وسائل التنكيل وقبل ذلك وأثناءه إدانة كافة القوى السياسية ، وأيضا تشويه كلمة حزبية باعتبارها سبب كل المصائب وسبب كل الفساد، وبالتالى فإن الطريق الوحيد للعمل السياسى فى تلك الفترة كان لا بد أن يمر من خلال القناة الوحيدة التى أنشأتها الثورة وهى هيئة التحريرالتى أصبحت الاتحاد القومى فيما بعد، وقد رافق ذلك دعاية هائلة تضخم من قدرة أجهزة الأمن والمخابرات وسطوتها، والوسائل الوحشية التى تعامل بها المعتقلين، أدى ذلك إلى حالة من العقم السياسى فى كلية الهندسة. إن ضعف النظام يتمثل فى وجهين:
وجه أيديولوجى نظرا لغياب النظرية المتكاملة التى لا تغنى عنها الشعارات، ووجه تنظيمى لغياب التنظيم الحزبى الملتزم الذى لا تغنى عنه التنظيمات الجماهيرية المترهلة مثل الاتحاد القومى وقبله هيئة التحرير]
وبالعودة لشعارات ضباط يوليو التى أطلقوها كمبادئ موجهة لحركتهم نجدها تتلخص فى :
1-القضاء على الإقطاع.2 - القضاء على الاستعمار.3- القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم. 4- إقامة جيش وطنى قوى.5- إقامة حياة ديموقرطية سليمة. 6- إقامة عدالة اجتماعية. ويتضح من ترتيب المبادئ أن أهمها وأكثرها إلحاحا وأولوية كانت القضاء على الإقطاع والاستعمار.
وذلك لأن كبار ملاك الأرض الزراعية سواء من العائلة الملكية الحاكمة أو ممن أطلقوا عليهم تعبير (الإقطاعيين ) هم من يتحكمون فى حكم البلاد استنادا إلى حيازتهم للمصدر الرئيسى للثروة وهو الأرض الزراعية، وان الاحتلال البريطانى هو من يوجه السياسة العامة فى سبيل مصالحه المتعددة.
ولآن إزاحة الاستعمار خارج البلاد تحتاج إلى عملية معقدة استنادا لثقله المادى والسياسى والعسكرى والدولى التى تصْعُب مواجهتها ؛ وتتخللها مفاوضات غالبا ما تستغرق وقتا وجهدا ؛ فقد كانت إزاحة كبار ملاك الأرض الزراعية ( الملك وعائلته والإقطاعيين ) من الحكم هى المبدأ المباشر الأيسر تحقيقا أمام ضباط يوليو ؛ وحيث أنجز انقلاب الجيش الجانب الأهم من المهمة وهو تنحيتهم عن كراسى الحكم ومواقع النفوذ السياسى فلم يتبق سوى كسر شوكتهم بتقليم أظافرهم اقتصاديا .. وكان مفتاح ذلك هو قانون الإصلاح الزراعى الذى أُصدِر على عجل.. بعد 47 يوما من عمر الحكم الجديد.
وما يؤكد هذه النية هو أن القانون لم ينفذ فورا سوى على الملك وأسرته والعائلة الملكية( 1رقم 178/ 1952.) من الأبناء والأقارب ، بينما تضمن تنفيذ القانون نصا يلزم الخاضعين للقانون بالتخلص من المساحات التى تزيد عن الحد الأقصى للقانون فى بحرخمس سنوات؛ جرى مدها – فيما بعد – سنتين أخريين حتى يوليو 1959 .]
انظر الرابط https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=803712/مقال متى وكيف تم تنفيذ قانون الإصلاح الزراعى رقم 178 /1952. وهنا نبدى ملاحظة بالغة الأهمية تتعلق بكيفية تنفيذ القانون على كبار الملاك خارج الأسرة الملكية أى الذين استهدفتهم المادة الرابعة من قانون الإصلاح وهى :
أنه بمجرد صدور القانون تم تطبيقه على الأسرة الملكية وأقاربها من العائلات على الفور. وقد غادرت الأغلبية العظمى منهم البلاد إيثارا للسلامة ؛ وهو ما أضفى حالة من الارتياح والطمأنينة على الأوضاع السياسية لحكم ضباط الجيش. وانعكس ذلك على الطريقة التى تم بها تطبيق القانون على كبار الملاك من خارج الأسرة الملكية، وأبسط ما يقال عنها هو التراخى والتهاون وربما فى حالات محددة التولطؤ كما حدث فى حالة أراضى عائلة راغب فودة صهر على ماهر باشا أول رئيس للوزراء فى العهد الجديد.. حيث جرى تهريب مساحة 3 آلاف فدان بالبيع لبعض تجار المخدرات من عائلة الشعار بمنطقة ميت غمر بالدقهلية.
ناهيك عما لابس وشاب إصدار وتطبيق القانون من ملابسات ومآخذ منها قيام جهاز الدولة القديم – الموالى لكبار ملك الأرض الزراعية – بتطبيق القانون مثل الهيئة العامة للإصلاح الزراعى وفروعها فى الأقاليم، ومنها تسريب أخباره قبل صدوره من داخل مجلس قيادة حركة الضباط الأحرارلكبار الإقطاعيين مما ساهم فى تهريب مساحات شاسعة من الأراضى، وما اكتنف توزيع الأراضى الزائدة عن الحد الأقصى للملكية من مخالفات ، وما ساهم فى كثير من التجاوزات مثل مساعدة بعض أقارب من شاركوا فى إصدار القانون فى التهرب من تطبيقه وكذا محاولات إبرام صلح إجبارى بين بعض الإقطاعيين الخاضعين للقانون وبين الفلاحين فى مناطق ينتمى لها بعض أعضاء مجلس قيادة ضباط يوليو؛ وإزاء رفض الفلاحين للصلح جري إدخالهم المعتقلات لمدة عشرين شهرا دون محاكمة.. بأمر مباشر من القيادة.
(القرية هى كمشيش ، وأنور السادات كان مبعوث القيادة لإبرام الصلح ، وأحمد شوقى عبد الرحمن من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وكلاهما من قرى تبعد 5 كم ، 8 كم عن كمشيش ، وشمس بدران 10 كم & وعبد المحسن أبو النور ، وحسين الشافعى من الضبط الأحرار من قرى على مسافة 14 كم، 15كم فى نفس المحافظة ( المنوفية )
من ناحية أخرى كان لعديد من الطلاب النابهين الذين احتلوا المراكز المتقدمة فى نهاية المرحلة الثانوية واختاروا الإبحار فى مجالات الهندسة والطب والتكنولوجيا المتقدمة والعلوم السياسية معتبرين أنفسهم رجال المستقبل فى العصر الجديد وبادروا- استنادا لإحساسهم بالتميز والتفوق - بإطلاق طاقاتهم ومواهبهم الكامنة فى عدد من الأنشطة الفنية والأدبية والسياسية فى كلياتهم .. إلى جانب دراستهم خصوصا فى ظل الحديث الرسمى عن خطط تحويل مصر لبلد صناعى/ زراعى يستكمل تاريخها الحضارى منذ عهد الفراعنة، فأسسوا جماعات التذوق للفنون والآداب ، والأسرالتى تهتم بالتاريخ المصرى ، وجماعة أنصار الثورة الفلسطينية التى تدعم المقاومة الفلسطينية الوليدة .وتنتج من الأفكار ما تستقيه من حروب المقاومة الحديثة فى جنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية ضد الاستعمار الأوربى والهيمنة الأمريكية، وتستنبط منها ما يدعم الوطن فى مقاومة الدخلاء. وتطالب بتدريب الشعب على السلاح لدعم الجيش فى المعارك التى يفرضها تحرير الوطن واستقلال الاقتصاد وحرية اتخاذ القرار الوطنى.
وفى ظل تلك التصورات والأحلام التى بدت قريبة من أنامل هؤلاء الطلاب وقعت هزيمة يونيو1967، وجاءت تداعيات الانكسارمن محاكمات شكلية لضباط الطيران وأحكام هزلية لتستهين بعقولهم وبذكاء الشعب وتهدر دماء من فقدوا وماتوا وقودا للحرب ، لتفصم الرابطة المعنوية بين الطلاب والنظام الحاكم وتقطع الحبل السرى بينهما حسبما ذكر أحد طلاب الهندسة ( )عندما أيقن ( من قبول النظام لوقف لإطلاق النار رابع أيام الحرب ؛ ومما تردد على موجات الإذاعة من أن جيشنا يحارب ببسالة على خط الدفاع الثانى ؛ ومن قيام أعضاء الاتحاد الاشتراكى وجنود الشرطة برفع اللافتات المعلِنة عن شعارات الحرب من الشوارع؛ ومن فض معسكرات التدريب العسكرى لطلاب الجامعة بالمدرسة السعيدية ) أنها الهزيمة المروعة؛ ومن ثم امتلات الشوارع باحتجاجات الطلاب والعمال فى أكثر من مدينة.
وصار بذلك 5 يونيو67 حدا فاصلا بين صعود نظام يوليو 52 الحاكم وبين انحداره ، وشاهدا تاريخيا لانتهاء مصداقية النظام فى عيون شباب الجامعات والقطاعات المستنيرة من الشعب. وجرس إنذار بإمكانية استعادة السلطان الغارب للقوى الرجعية ورجالات الاستعمار وفصائل الإسلام السياسى.
لذا شهدت سنوت 67 ، 68 ، 69 محاولات شتى فى مجالات المثقفين والطلاب لتشكيل حلقات سرية أغلبها من اليسار لتحل محل فجوة ذوبان الثقة التى كانت بين النظام والطلاب، وبدأت فى التعبير عن ذلك على صفحات مجلات الحائط الجامعية ..
وكانت جامعة القاهرة- إحدى تلك البؤر الساخنة - تغلى وفى مقدمتها كلية الهندسة التى تحتضن مجموعة من الطلاب المتفوقين فى مصر ومن أكثرهم ثقافة وأقدرهم مبادرة على تأسيس الأشكال التنظيمية للنشاط فى العمل العام ونشر الثقافة والتفكير العلمى فى صفوف الطلاب من جمعيات وأسر وجماعات وفرق للفنون ومناصرة الثورة الفلسطينية قد بادرت فى منتصف الستينات بتأسيس عدد من تلك الجماعات والجمعيات والأسر واحتجت على الهزيمة وتداعياتها. ودعّمهم فى ذلك النشاط بعضُ الأساتذة المرموقين خصوصا بعد أن فشلت المنظمات السياسية للنظام الحاكم كالاتحاد الاشتراكى، ومنظمات الشباب والجهاز الطليعى شبه السرى.. فى استيعاب طاقاتهم وفى تفسير سياسات النظام أوتفسير ماحدث فى حرب 67 ؛ مما أفضى إلى حل بعضها داخل الجامعات فى يوليو 1967. بينما كان اتحاد طلاب الجامعة أكثر عجزا – بحكم تركيبته وتكوينه ودوره السابق- عن إبعاد الطلاب عن السياسة.
[ انظر أحمد هشام.. من تاريخ الحركة الطلابية - كلية الهندسة – عون للنشر - الطبعة الأولي يونيو 2012- تحت عنوان شهادة علاء بكيش – عنوان جانبى : حرب 67– صـ35.] ولما كانت مجلات الحائط لا تصدر إلا بعد المرور على رائد الشباب وعلى الحرس الجامعى فقد تمكنت كلية الهندسة بالقاهرة من التحرر من ذلك القيد منذ سيطرة طلاب جماعة الفكر وجماعة التذوق الفنى على اتحاد الطلاب فى دورة 1964 / 1965 والقيام بتعميم النقد السياسى على كثير من القرارات والسياسات الرسمية.
[ -المرجع السابق – من تاريخ الحركة الطلابية- أحمد هشام – صـ 37 - تحت العنوان الجانيى " مجلات الحائط " .]
وهو ما انعكس نسبيا على خطاب عبد الناصر() فى 30 مارس 1968 بشأن إعادة بناء الاتحاد الاشتراكى من القاعدة إلى القمة .
[من ذكريات الطفولة والشباب - بشير صقر - الجزء الثالث –صـ 34 – العمل السياسي ودعم المقاومة الفلسطينية- انظر الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=582575]. هذا وفى محافظة المنوفية شهدت قرية كمشيش ( ) المؤتمرات الأربعة لذكرى اغتيال القائد الفلاحى الشهيد صلاح حسين ( فى إبريل 68 ، 69 ، 70 ؛ 1971) التى أقامها فلاحو القرية وكانت تجمع العديد من فلاحى مصر ومن القوى السياسية متنوعة التوجهات ؛ علاوة على العديد من سفراء وممثلى الدول الاشتراكية ومنظمة التحرير الفلسطينية وتتناول فيها نقدا صارما لما كان ينادى به صحفيو وإعلاميو النظام الحاكم مثل محمد حسنين هيكل وموسى صبرى ومكرم محمد أحمد وغيرهم . بشأن الحل السلمى؛ وإعادة بناء الجيش، ؛ والحرب الشعبية، والتبعية للغرب؛ بل وإمكانية الجلوس مع العدو على مائدة المفاوضات بعد حرب محدودة دون تحرير الأرض المحتلة من الاحتلال الصهيونى.. وهو ما حدث بالفعل.
[مرجع سابق - من ذكريات الطفولة والشباب جزء 4 – ص، 51 –رحلة إلى كمشيش الجزء الرابع .أنظر الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=583103]
وكان كثير من الطلاب والشباب والمثقفين ( ) يحضرون تلك المؤتمرات - بل ويتردد بعضهم على القرية - التى ترفع جملة من الشعارات الخاصة بالقضية الوطنية ، وقضية الديمقراطية, والقضايا الاجتماعية والنقابية المتنوعة فضلا عن القضايا الفلاحية. ومن هذا المؤتمر السنوى ومن عدد من صلات طلاب القرية والمحافظة بالجامعات تسربت جملة من الشعارات التى رفعها الطلاب فى احتجاجاتهم ومسيراتهم داخل وخارج الجامعة فيما بعد. [ بعضها فى جامعة عين شمس حيث اتخذ الطلاب قرارا بشجب هجمة النظام الحاكم على قادة قرية كمشيش عام 1971 وبعثرتهم على محافظات بعيدة عن مقار إقاماتهم بالمنوفية. ]
ومن الغريب والمثير للدهشة ما أفاد به عدد من طلاب الجامعة وخصوصا هندسة القاهرة - [ أحمد هشام- من تاريخ لحركة الطلابية المصرية – شهادة نبيل عبدلله – صـ 23 ،24 ،25 ] بأن [ المسئولين عن الأمن يستبعدون أصلا أن يمتلك طلبة - فى أوائل العشرينات من عمرهم- القدرة على الحركة والمبادرة ] او تأليف أو رفع شعارات سياسية ناضجة ، [ وكانوا يفسرون أى حركة أو أى سكنة بأن وراءها أصابع تلعب من وراء الستار ومحتمل بل ومن المرجح أن تكون متصلة بالخارج ] كما كان يحلوا لهم دائما أن يعتقدوا& [ والثابت أن احتكار العمل السياسى كان سياسة ثابتة لنظام يوليو 1952 منذ قيامه ، وتمثل ذلك فى تصفية الأحزاب التى كانت قائمة عند قيام الثورة ] & وقد تمثلت العيوب الهيكلية للنظام الناصرى فى : 1-الطابع العسكرى الذى أفضى لنتائج سلبية للغاية، والاعتماد على جهاز أمن متضخم ونشر حالة من الرعب نتيجة لما أشيع عما يجرى من تعذيب داخل السجون.. مما أسفر عن حالة من العقم والإخصاء السياسى التى فرضت على الناس. 2-هيمنة الإعلام الرسمى الذى ليس لديه سوى ( ليس فى الإمكان أبدع مماكان) & انعدام الحرية وقتل روح المبادرة السياسية مما أدى لعدم ظهور آراء حرة ناقدة وأمينة وآراء مؤيدة وشفافة . 3-تسييد حالة من الاقتناع الخادع ( بأن كل شئ على ما يرام ) .. استنادا لوجود المشروع والبرنامج الفكرى( الميثاق ) ، والحزب الجماهيرى ( الاتحاد الاشتراكى) ، والتنظبم الضيق المُحْكَم المتماسك ( التنظيم الطليعى ) والتنظيم الشبابى العقائدى ( منظمة الشباب ) ] باختصار" لاعمل عام إلا من خلال النظام الحاكم واستجابة لأوامره ؛ فالمبادرة محرمة ، لأن من يبادر اليوم وهو مؤيد .. سيبادر غدا وهو معارض. ملاحظة من المحرر:( بشأن ما يُفهم ويُستنبط من هذه التقديرات يبرز استنتاج بالغ الأهمية يتمثل فى عدم ضمان انقلاب النظام على رفاق اليوم لصالح حلفاء الغد او لحساب آخرين أو نتيجة وشايات أو منافسات لا تحكمها معايير فكرية أو سياسية ثابتة ومتفق عليها من جناح فى السلطة لصالح جناح آخر أو صراع على مراكز النفوذ وكراسى الحكم . وهو ما تجلى فى التنكر لكثير من الحلفاء وأولهم مجموعة القوميين العرب من الطلاب المصريين التى انضوت- بناء على طلب من النظام ( ) - لمنظمة الشباب الاشتراكى وللتنظيم الطليعى ؛ ثم جرى استبعادها والقبض عليها وعلى بعض من ارتبط بها أوضمته بها صلة ، والتنكر لها بل وتعذيب بعض أفرادها طيلة شهور ممتدة فى السجون. ونظراً لتهافت التهم المنسوبة لها وكيديتها وشكليتها لم تجرمحاكمة أعضائها الذين بلغوا 13 فردا. وهو ما يعنى انعدام الثقة فى أى شخص أو مجموعة وتوقع الغدر منه والانقلاب. [ 25- أنظر المرجع السابق- من تاريخ الحركة الطلابية – هندسة القاهرة – شهادة نبيل عبد الله – صـ 26 ، 27 .]
لكن أهم ما نلفت النظر إليه هو ما أسفر عنه الحوار الجماعى داخل السجن بين المحبوسين باعتبارهم قوميين عرب وهم طلاب ما بين سن العشرين والإثنين والعشرين عاما ، وقد دار ذلك الحوار بعد شهور من القبض عليهم فى أكتوبر 1966 وقبيل هزيمة يونيو 67 ويتلخص () فى الآتى: [ الصدام بيننا- أى الطلاب القوميين العرب - وبين قيادة المنظمة، ومن ورائها النظام السياسى كله، صدام موضوعى وحتمى، ولا يتعلق أساسا بأسباب شخصية.. التى قد يكون لها دور فقط فى التفاصيل. فهؤلاء الناس لا يفكرون فى تحقيق المبادئ التى يعلنونها، ولا هم أصلا مؤمنون بهذه الأفكار، وما يعلنونه من شعارات مثل الحرية والاشتراكية والوحدة، ما هى إلا أدوات انتهازية وصولية لتحقيق أغراضهم الشخصية النفعية، وكل المشكلة هو أننا كنا نعتقد فعلا فى هذه الشعارات، وكنا نري أنها تعبر عن مباديء ينبغي نشرها والدفاع عنها، فاصطدمنا بهم وكان هذا الصدام حتميا، طالما لم يتغير أحد الطرفين، ولذلك كان حتما علي النظام أن يتخلص منا بالتصفية.]
[26- المرجع السابق – شهادة نبيل عبد الله – صـ 28، 29- وصاحب تفسيرأسباب الصدام الطالب بهاء عبد الفتاح ، بينما صاحب التقدير المتوقع بالسقوط هو الطالب نبيل عبد الله. ]
وامتد الحوار حتى توصلوا إلى:[ أن بعضهم توقع أن يسقط هذا النظام فى بحر خمس سنوات ولم يكن يتوقع أن ذلك سيكون أسرع – سواء اعتبرنا السقوط هو ما تم فى 5 يونيو 67 أو فى 14، 15مايو 1971حيث أفرج عنهم فى 13 مايو 1967.
ومما يعطى تلك الرواية مصداقيتها هو أن مجموعة القوميين العرب – التى تضم طلابا مصريين وعرب- كان مسئولها المباشر سامى شرف سكرتير الرئيس للمعلومات، وكانت التهمة المعلنة رسميا أن تلك المجموعة تتبنى خطا يساريا ( ماركسيا ) يتجاوز الخط السياسى المسموح به فى المنظمة. علما بأن تصفية تلك المجموعة من الطلاب القوميين العرب(مصريين وعرب) قد واكبها القبض على ما يقارب المائة مصرى متهمين بتأسيس تنظيم يسمى " وحدة الشيوعيين" المخالف للقوانين المصرية.
وتتضمن سيرة طلاب هندسة القاهرة ما سجله أحدهم – نبيل عبد الله – فى شهادته عندما التقى مصادفة فى إحد الفعاليات ووجه لسامى شرف السؤال التالى:
مَنْ يضمن عدم نشوء طبقة جديدة، تستولى على مكاسب الثورة، وتعيد الاستغلال مرة أخرى؟ والذى كان رده عليه محبطا حيث تحدث عن الطبقة الجديدة بالإنجليزية بينما أفاد بأن وجود عبد الناصر كفيل بعدم نشوء تلك الطبقة. لسبب بسيط أن التعقيب على الرد سيكون: وهل سيعمر عبد الناصرمائة سنة أخرى..؟ بافتراض صحة الرد ومنطقيته.
عن أحداث فبراير 1968:
[27- يفيد أحمد عبدالله فى رسالته 0 الطلبة والسياسة فى مصر – تحت عنوان – الأطار التعليمى – صـ 189 أن حركة ضباط الجيش 1952 ورثت نظاما تعليميا واجه نقدا حادا قبل انهيار النظام الساسى القديم بوقت طويل. وقد انعكس داخله التمايز الطبقى القائم فى المجتمع ، فإن البنية الطبقية لم تكن تستطيع أن تحقق أهداف نظام الحكم الجديد فى التنمية الاقتصادية أو توسع قاعدته من خلال التنمية الاجتماعية القائمة.هذا ورغم التوسع النسبى فى التعليم بشكل عام فإن النصيب الأبرز فى التوسع كان للتعليم الجامعى الذى كان متقاربا مع الزيادة فى التعليم الابتدائى والفنى.. حيث ارتفعت المخصصات المالية للتعليم إلى 16% من ميزانية الدولة، وكمؤشر بلغت ميزانية العليم 16% من الميزانية العامة أو نسبة الملتحقين بالمدارس الابتدائية 78 % من إجمالى الأطفال فى سن السادسة عام 1975 وأفاد بأن تلك النسب تتعارض مع نسبة الأميين بمصر. ]
كانت انتفاضة 1968 الطلابية هى المحاولة الرئيسية الأولى لخروج الطلاب المصريين من شرنقة الضباب والقيود والوصايا الناصرية .. ولا نقول من هيمنة النظام الناصرى، بل ويمكن القول أنها كانت البروفة النهائية لمسار الخروج من الأوهام التى عمت المجتمع والحياة السياسية منسوبة إلى الحريات التى تمتع بها الحكم الليبرالى قبل عام 1952 .
ولأن الشرارة التى أشعلت السهل تمثلت فى أحكام قادة الطيران يوم 20 فبراير 68 إلا أن الكثيرين اختلفوا بشأن بواعثها ؛ حيث ردها البعض إلى الهزيمة و هزلية الأحكام الصادرة وشكلية المحاكمة ، باعتبار أن المظاهرات تفجر ت فور صدورها؛ بينما أرجعها البعض الآخر للإحتجاج على مصادرة الحياة السياسية وحالة الحصار التى دفعت الشعب لتجنب النشاط العام والعزوف عن إبداء الرأي؛ وسيادة الرأى الواحد وانفراد التنظيم السياسى الواحد.
بينما الحقيقة أن المرجع الأخير(مصادرة الحياة السياسية وحالة الحصار ) هو السبب المباشر وجذر للمرجع الأول (الهزيمة و هزلية الأحكام ).
وقد تيقنت قطاعات واسعة من الشعب ومنها الطلبة الجامعيون- فيما بعد - بدورالعلم فى إنجاز عبورعسكرى نادر وناجح لجنودنا فى أكتوبر 1973 عندما تم تغيير قوام الجيش بجنود من خريجى الجامعات.. وهو ما أسهم فى اِشعار الجامعيين جميعا بدورهم فى تجاوز هزيمة 67 ومن ثم مقدرتهم على المشاركة الفعلية فى بناء الوطن .. وهو ما يعنى ضرورة الإنصات لآرائهم وتقديراتهم فيما يتعلق بمصير البلاد.
ولأن نفض غبار الهزيمة والاغتسال من آثارها يتطلب وقتا ومقومات مادية وعلمية ومعنوية ينبغى توفيرها ( مثل اقتصاد الحرب، وتمتين الجبهة الداخلية ، وسلاحا متطورا ؛ وجنودا بعقول مستنيرة ومتفتحة ؛ وروحا معنوية جسورة ومقدامة ؛ وقيادة ذكية ) وقبل هذا وبعده ايمان بحقنا وقدرتنا على استرداد أرضنا كاملة السيادة. فقد تجلت إرهاصات بعض تلك المقومات فى وقائع ثلاث فى أعقاب الهزيمة وفى مواجهة مباشرة مع العدو الصهيونى؛ أولاها كانت فى أول يوليو 1967وهى معركة رأس العش شرق مدينة بورسعيد بين سرية دبابات صهيونيىة ومجموعة من رجال الصاعقة المصريين، وثانيتها بعدها بأسبوعين- فى يومى 14 ، 15 يوليو 1967 عن هجوم مُركّزللطيران المصرى على قوات العدو فى سيناء ، والثالثة فى 21 أكتوبر 1967بإغراق قطعة بحرية للعدو" المدمرة إيلات " بواسطة قوارب الطوربيد المصرية فى مياه البحر المتوسط .. إن دلت على شئ فإنما تدل على أن الجيش المصرى لم تتح له فرصة الحرب قبل عدة أسابيع من تاريخ تلك الوقائع ؛ لأنه لم يصدر له إبان حرب يونيو 67 سوى أمرين ( الاستعداد للحرب ، والانسحاب) .. وهو ما رجح لدى القطاعات المستنيرة من الشعب إمكانية رد العدوان واسترداد الأرض والكرامة بل والهيبة.. شرط أن يتطلب ذلك قيادة سياسية تؤمن بقدرة الجماهير الشعبية على ممارسة دورها فى مناخ من الحرية والعدالة وليس قيادة سياسية توقن بأن 99% من أوراق اللعبة فى يد الولايات المتحدة . وفى ظل مناخ سياسى يشرك الشعب فى مهام وأدوار أساسها مبدأ " ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة " وليس مبدأ معركة جزئية تُيسر لنا بعدها الجلوسَ مع العدو على مائدة المفاوضات" .
وبالعودة لأحداث فبراير 68 نوضح أنه صدرت الأحكام على قادة الطيران الذين أسهموا فى هزيمة حرب يونيو 67 يوم20 فبراير 1968 وفى اليوم التالى( يوم الطالب المصرى) – الموافق21 فبراير- تفجرت الاحتجاجات الشعبية فى ضاحية حلوان قلعة الصناعة المصرية بواسطة أعداد كبيرة من عمالها تصدت لها الشرطة بالعنف وسقوط عدد من العمال. وفى يوم الأحد التالى 25 فبراير جرت حركة اعتقالات() فى صفوف الطلاب نظرا لمشاركتهم فى الاحتجاجات على هزال الأحكام الصادرة فى هذا الشأن .. وكان الحراك قد بدأ يتصاعد فى كليات الجامعة و كانت المبادرة الأولى من كلية الهندسة جامعة القاهرة.. التى عقدت مؤتمرا سياسيا وأصدرت بيانا احتجاجيا يتضمن المطالب التالية :
•الأفراج الفورى عن المعتقلين ، وإبعاد المخابرات والمباحث عن الجامعات ، والتحقيق الجاد فى أحداث عمال حلوان، والتحقيق فى مداهمة الشرطة للجامعات. •حرية الرأى والصحافة ، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات ووقف العمل بها ،وانتخاب برلمان نزيه وإقرارحياة ديمقراطية حقيقية. •التحقيق الجاد فى قضية الطيران وتوضيح أبعادها. •كما عُقِدَ مؤتمرٌ آخر بكلية الصيدلية بالإسكندرية طالب الحكومة بالآتى :
تحديد المسئولين عن كارثة الطيران، وتنحية الليثى عبد الناصر عن منصبه بالاتحاد الاشتراكى، وإعادة النظر فى منظمات الشباب وإلغاء التفرغ السياسى، وبناء تنظيم سياسى فعال. إطلاق حرية الصحافة والنقد، وتحديد المسئولين الحقيقيين عن كارثة الطيران، ومعاقبة المسئولين عن أحداث حلوان. وقف تدخل المباحث فى مراقبة الأفراد وحرية الجماهير. إرسال توصيات المؤتمر من الجامعة لرئاسة الجمهورية مباشرة.
ورفعت الجماهير مجموعة من الشعارات منها :
( تسقط دولة المباحث ) ، (يا جمال للصبر حدود // عشرة يونية مش حتعود) ، (فى 9 يونية أيدناك // والنهاردة عارضناك). [28- انظر أحمد عبد الله- الطلبة والسياسة فى مصر – صـ 278 / 280 الانتفاض الطلابى فى 1968.- الناشر المركز القومى للترجمة- ترجمة إكرام يوسف ] ويفيد فؤاد زكريا بتفسير لما جرى من احتجاجات عمالية وطلابية بعد حرب يونيو 67 فيقول : الروح العامة التى كانت وراء تلك الاحتجاجات تعبر عما هو أكثر من السخط على الهزيمة ، كانت تعبيرا عن عدم الرضا عن أسلوب كامل فى الحكم تعد الهزيمة العسكرية مظهرا من مظاهره السلبية. [29-المرجع السابق – احمد عبد الله- صـ 281 ]
ماذا تشكل حركة 1968 الطلابية بالنسبة للقضية الوطنية والديمقراطية بمصر..؟ كشفت الانتفاضة عما يلى:
1-هشاشة تنظيمات الدولة السياسية (كالاتحاد الاشتراكى ، ومنظمة الشباب، والتنظيم الطليعى ) ، وضحالة وعيها وتهافت مستواها الفكرى والسياسى. 2-ارتفاع الثقة فى الجانب النشيط من القطاع الطلابى وبشكل خاص بين القيادات الجامعية
التى شاركت فى الكفاح الطلابى بجوانبه المتعددة – السياسي، والفكرى، والثقافى والفنى من خلال اللجان ، والجماعات والجمعيات ، والأسر.. وعلى وجه الخصوص فى كلية الهندسة جامعة القاهرة. 3-أبرزت للنظام الحاكم ضحالة فهمه للطلاب وتقديره الحقيقى لامكانياتهم .
4-وضعت أمام الشعب والدولة مآخذها على النظام الحاكم عارية ودون سواتر أو ديكور..
وكشفت المخاطر التى تكتنف سياسة تعامل النظام مع أعدائنا التاريخيين (الصهاينة والأمريكان )، بل ومع أبناء الوطن من الطلاب والعمال.. بشأن مصادرة الحريات وقمع الآراء المخالفة ورد الفعل العنيف إزاء الاحتجاجات الشعبية المستحقة. وعلى سبيل المثال أوضحت بشكل عملى.. أن الصحافة الطلابية – سواء فى مجلات الحائط أوالنشرات التى تصدرها- هى الصحافة الوحيدة فى مصر الأكثر حرية وصدقا وجاذبية للقراء .ومن جانب آخر فى الحديث عن أهمية تدريب الشعب على السلاح لدعم الجيش النظامى بالمناطق الآهلة بالسكان القريبة من ميدان المعارك.. كمنطقة الدفرسوار ومدينة السويس.
5-كانت النتائج المباشرة للجولة الأولى من حركة 68 الطلابية ( فبراير68) ايجابية حيث تم الاعتراف الضمنى ببعض أخطاء الطريقة التى بنى بها التنظيم السياسى والتى يمارس بها مهامه .وبالضوابط التى تحكمه .. فتقررت إعادة بنائه بالانتخاب بدلا من التعيين . بينما انعكس وضع النتائج فى جولتها الثانية ( نوفمبر68) وكانت سلبية ؛ فتوجيه اتهامات محددة للمتهمين من الطلاب ( منها محاولة قلب نظام الحكم والتخريب ) والعزم على محاكمتهم ثم العدول عن ذلك واستبداله بمعاقبتهم وإحالتهم للتجنيد فى الجيش . ورغم أن المفجر المباشر فى الحالتين كان مختلفا حيث كان فى الجولة لأولى أحكام قادة الطيران؛ فقد كان فى الثانية قضية تعليمية نقابية تتعلق بالنسبة المئوية لدرجات النجاح وبعدد مرات الرسوب المسموح بها، فلا يمكن الفصل بين الباعث العميق فى الحالتين وهو حالة الضيق والضجروالإحساس بالحصار وتضييق الخناق .. وهذه كلها أمور تتعلق بمصدر واحد وهو الحريات..
ولأن أسباب التفجير قد تكون مختلفة ومتنوعة فإن علاجها فى الحالتين يحتاج لردها لباعثها الأصلى .. لكى يكون التشخيص صحيحا ومن ثم العلاج.
وعموما فقد تغلبت التقديرات المتشددة من جانب النظام فى تشخيصها بشكل عام - وبالتالى فى التعامل معها - على الآراء التى تتحدث عن خلفيات الأحداث وعن الفارق بين سبب تفجيرها وبين بواعثها العميقة.
6-تمهيد الطريق أمام الحلقة التالية للحركة الطلابية – التى تفجرت بدءا من العام الدراسى 71 / 1972 لتكون أكثر خبرة وعمقا ودراية بتضاريس الطريق ، وأكثر وعيا وقدرة على المواجهة. بما يعنى أن الجولة الأولى من حركة 68( فبراير) الطلابية التى بدأها عمال حلوان لا تصنف باعتباها تخص فقط القضية الوطنية ، بينما جولتها الثانية ( نوفمبر 68) لاتصنفُ فقط كقضية تعليمية أونقابية.. بل تصنفان استنادا لجذرهما الأصلى وبواعثهما العميقة. فالحركة الشعبية قد تُعرفُ أو تسمى أو تشتهر باسم أسبابها المباشرة لكنها ترجِع وتُردّ، وتُنسَبُ ومن ثم تعالجُ استنادا لبواعثها العميقة.
..........
#بشير_صقر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
-
عن رحيل ابن الإسكندرية رفيقنا العزيز طارق يوسف.. قبل قراءة ك
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر -الموج
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
-
دراسة عن الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر - الموجة الثالثة
...
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
-
اغتيالات قادة حزب الله ، وأزمة الاقتصاد العالمى 2008 .. والف
...
-
فى ذكرى مرور 72 عاما علي إصدار قانون الإصلاح الزراعى// والعو
...
-
العم شحاتة النشار.. نموذج مصرى مشرق للنضال السياسى والنقابى
...
-
أفكار عن التنظيم
-
الاستخدام الرجعي لحق التنظيم .. فى بلدان العالم الثالث
-
سطور من تقارير فلاحية منذ الثورة
-
ذكرى يوم الفلاح المصرى- 30 إبريل
-
تفجر جديد للنزاع القضائى بين فلاحى (كمشيش وميت شهالة) .. وور
...
-
النهضة الصناعية الغربية تفتح الطريق واسعا ليوم القيامة
-
خواطر من أيام الثورة .. من الدفاتر القديمة
-
وأخيرا.. تقرير خبير قضائى ينصف فلاحى الإصلاح الزراعى بالبحير
...
-
الدولة تختطف مؤتمر الكاتدرائية للتضامن مع الانتفاضة (9) .. م
...
المزيد.....
-
الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب تعلن تضامنها م
...
-
صور أوجلان ورموز -العمال الكردستاني- في مقار قسد.. ما دلالته
...
-
تيسير خالد : خيال دونالد ترامب واسع ... لكنه خيال مريض
-
The Streets of Iran Are Burning, and So Is the Myth of Stabi
...
-
So What Is It That Youth Should Aspire To?
-
Authoritarians’ Promise of “Law And Order” Always Translates
...
-
King’s Dream Was Never Finished
-
Does the Unthinkable Happen?
-
Resistance Grows as Border Wall Construction Threatens Jagua
...
-
Ending Republican Control Will Require Overcoming the Democr
...
المزيد.....
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية فى مصر - الموجة الثالثة
...
/ بشير صقر
-
دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة
...
/ بشير صقر
-
دراسة عن الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر - الموجة الثالثة
...
/ بشير صقر
-
محاضرة عن الحزب الماركسي
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
نَقْد شِعَار المَلَكِيَة البَرْلَمانية 1/2
/ عبد الرحمان النوضة
-
اللينينية والفوضوية فى التنظيم الحزبى - جدال مع العفيف الأخض
...
/ سعيد العليمى
-
هل يمكن الوثوق في المتطلعين؟...
/ محمد الحنفي
-
عندما نراهن على إقناع المقتنع.....
/ محمد الحنفي
-
في نَظَرِيَّة الدَّوْلَة
/ عبد الرحمان النوضة
-
هل أنجزت 8 ماي كل مهامها؟...
/ محمد الحنفي
المزيد.....
|