أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جميلة شحادة - إبستين كما رواه الأدب والفن … وقبل أن تكشفه الصحافة














المزيد.....

إبستين كما رواه الأدب والفن … وقبل أن تكشفه الصحافة


جميلة شحادة

الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 18:15
المحور: الادب والفن
    


لم أكن أنوي الكتابة عن قضية جيفري إبستين ولا عن جزيرته، لا لأن المسألة ثانوية، بل لأن مجتمعنا العربي يكفيه ما فيه من عنف وجرائم قتل تؤرّق مضاجع الناس، ويكفيه معاناته جرّاء العنصرية المتفشية، ومعاناته من آثار الحرب عليه نفسياً واقتصادياً، ولو أن الأمور كلّها متعلقة بعضها ببعض، حيث راح البعض يربط بين فضيحة إبستين، والحاصل في العالم منذ سنوات. فهذه القضايا، مهما بدت متباعدة جغرافيًا، لا يمكن قراءتها بوصفها أحداثًا منفصلة؛ فهي تنتمي إلى المنطق ذاته الذي يحكم علاقة السياسة والسلطة بالمال، إذ لا تُلغى الجريمة، بل يُعاد تعريفها. لكني عدلتُ عن نيّتي وها أنا أكتب الآن عن الموضوع بسبب اشتعال شبكات التواصل ووسائل الإعلام المختلفة بالفيديوهات والتقارير والمقالات التي تناولت جزيرة إبستين وصاحبها وعلاقاته بسياسيين ومشاهير... كذلك استغراب الكثيرين من العرب وغيرهم ممّا حدث في الجزيرة من استغلال فتيات قصّر وتورط شخصيات نافذة استغلّت نفوذها وسلطتها لإشباع رغباتها، ولربمّا ما زال المخفي أعظم... وكأن فضيحة "إبستين" استثنائية، أو شذوذ تاريخي يكشف عن ميل شائع إلى التعامل مع السلطة بوصفها انحرافًا فرديًا لا بُنيةً متكاملة.
فضيحة جزيرة إبستين، ذكّرتني ببعض الأعمال الأدبية التي قرأتها، والسينمائية التي شاهدتها وما زالت مطبوعة في ذاكرتي. وهذا، يعزّز الفكرة عندي بأن الأدب هو مرآة للواقع، وأداة إنسانية راقية للتعبير عن المشاعر والأفكار، وأن الأدب والسينما قد يصبحان في كثير من الحالات أكثر من مجرّد تعبير جمالي، وإنما يتحولان إلى أدوات معرفية تكشف ما يتأخر القانون في الاعتراف به.
في رواية "ترمي بشرر" لعبده خال، تتجلى سلطة لا تحتاج إلى تبرير أفعالها، لأنها محصّنة اجتماعيًا واقتصاديًا. ونحن نقرأ الرواية نشعر بأن السارد يلهب أرواحنا بسياط الألم، لكننا نتابع القراءة لنغوص في ذوات شخصيات الرواية ونجوب في فضاء "الجنة "(القصر) الذي أصبح فضاء للمتناقضات، حيث يجوس الشر والألم والحقارة دروب "الجنة"(القصر) في وضح النهار بدعم ومساندة من "السيد"، رأس الشر، الذي يعطي لهذه المعاني قوة وجرسا يرن في آذان وقلوب من يلج القصر المُسيّج بالقوانين الصارمة والأمنيات التي لا تنتهي.
أما كتاب "الخبز الحافي" لمحمد شكري، فيضعنا أمام شكل آخر من العنف، أقل بهرجة وأكثر قسوة: جسد مسحوق بفعل الفقر والتهميش، يتحول إلى مادة قابلة للاستهلاك. هنا لا نواجه نخبة عالمية ولا شبكة دولية، بل نظامًا اجتماعيًا كاملًا يدفع الجسد إلى موقع الاستباحة، ويُقنعه بأن ذلك قدره الطبيعي.
وفي رواية The Girl with the Dragon Tattoo لستيغ لارسون، نقترب أكثر من نموذج إبستين: شبكات مغلقة من المال، العائلة، والشركات، حيث تُدار الجرائم بوصفها أسرارًا داخلية، لا فضائح عامة. الشّر هنا ليس صاخبًا، بل إداري، منظم، ومحميّ بالصمت، ما يجعل محاسبته أكثر تعقيدًا.
كذلك السينما بدورها لعبت دور المرآة الكاشفة. ففي أفلام مثل: "عمارة يعقوبيان" و "كشف المستور" وفيلم "المنسي"، نرى كيف تتسلل السلطة من المجال السياسي إلى الجسد الفردي. ففيلم كشف المستور يسلط الضوء على تورط نساء في أعمال تجسس سياسي وجنسي لصالح جهات رسمية، ويصور محاولات التخلص منهن.
أما فيلم Spotlight، فيقدم مثالًا نادرًا على قدرة الصحافة الاستقصائية على كسر الصمت المؤسسي، وهو تذكير مهم بأن كشف قضية إبستين لم يكن نتاج يقظة أخلاقية مفاجئة، بل ثمرة عمل صحفي طويل في مواجهة منظومة متماسكة.
ذكرت فقط، بعض الأمثلة على روايات وأعمال سينمائية، ولم أتناولها بتوسّع لأن هذا ليس هدفي، وإنما الإشارة الى أن هذه الأعمال (الأدبية والسينمائية) قد تحدّثت عن إساءة استخدام السلطة، وعن شخصيات نافذة مارست أفعال مظلمة بعيدًا عن المحاسبة، وتحدّثتْ عن زواج السياسة، بالمال، وحتى تواطؤ الإعلام، ولو أن مَن كشف مستور جزيرة إبستين هي صحفية. وجديرٌ بالذكر أن هناك الكثير من الأعمال الروائية السينمائية التي تناولت هذا الموضوع ولم أذكرها هنا. كذلك لن أتطرّق الى ما أطلعنا عليه التاريخ في عصور غابرة، على طغاة وسلاطين مارسوا القسوة، والعنف، والتسلّط، والظلم، وانتهاك روح وجسد الفتاة والفتى، لأن الحديث عن هذه العصور (كما راح الكثيرون بفعله) أقل كلفة من مساءلة أنظمة معاصرة ما زالت فاعلة، وما زالت تتحكم في شروط الرواية والعدالة.
إذن، ما جرى في جزيرة إبستين،
لا يمكن اختزاله في سيرة شخص أو فضيحة عابرة. إنما هو نموذج مكتمل لزواج الثروة بالسلطة، حيث يتحوّل القانون إلى أداة انتقائية، وتُستبدل العدالة بمنطق الحصانة. في هذا السياق، لا يُنتهك الجسد فحسب، بل يُعاد تسويقه ليتحول الى سلعة ضمن نظام يعرف جيدًا كيف يحمي نفسه.
قضية إبستين، في جوهرها، ليست قصة جزيرة بعيدة، بل قصة عالم مألوف، نقرأ عنه في الأدب، ونشاهده في السينما، ثم نصرّ على التعامل معه بوصفه استثناءً. الاستثناء الحقيقي ليس وقوع الجريمة، بل لحظة انكشافها. أما ما عدا ذلك، فليس سوى استمرار لبنية تعرف جيدًا كيف تؤجّل الحساب.
*************
كُتبَ بتاريخ: 6.2.2026



#جميلة_شحادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كتاب -الخليفة- نصًا تأمليًا لا سردًا حكائيًا
- صوت سخنين
- حين تصطدم رسالة السلام بواقع العالم
- الأديبة، جميلة شحادة، تلتقي طلاب مدرسة البعنة (أ) ضمن فعاليا ...
- رصاصةٌ يقولون عنها طائشة
- وحدي ولست وحدي
- دمج طلاب مع صعوبات تعلُم في إطار التعليم العادي- صعوبات وتحد ...
- ليس للحرب وجه أنثوي
- بانتظار فرح
- المقعد الفارغ
- أَبحثُ عن تفاصيل روحي
- عزيزتي المرأة اختاري العيش بكرامة وسعادة
- قبل الغروب
- قلق
- قراءة ناقدة لقصة -صوت ذاك الآخر - للكاتبة جميلة شحادة
- على عتبة العام الجديد
- استضافة الأديبة جميلة شحادة في فعاليات يوم اللغة العربية الع ...
- قصة من يافا ترويها روائية تعيش في رام الله
- هلا هلا بكم في مونديال قطر 2022
- النبتةُ النَّكِرة


المزيد.....




- متحف -نابو-.. ذاكرة ثقافية قد تنقذ ما عجزت عنه السياسة في لب ...
- نجم -المؤسس عثمان-.. الموت يغيب الممثل التركي كانبولات أرسلا ...
- منع وغرامات.. -البلوغرز- بمرمى نقابة المهن التمثيلية في مصر ...
- هل فقدت كتب المعرفة جاذبيتها بعد تراجع مبيعاتها؟
- فخ -الاختراق- من الداخل.. كيف تمنحنا السينما مفاتيح فهم لغز ...
- قفزة في مشاهدات وثائقي ميشيل أوباما على نتفليكس بعد إطلاق في ...
- معاذ المحالبي للجزيرة نت: الاهتمام الروسي باليمن ثمرة لتلاقي ...
- يكلمني -كنان- ويكتبني الوجع.. كيف يواجه شعراء غزة -رواية الد ...
- مهند قطيش يكسر صمته: -الدجاج السياسي- شهادة فنان عن جحيم صيد ...
- بتقنيات الذكاء الاصطناعي.. فيلم -مادلين- يوثق كواليس اختطاف ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جميلة شحادة - إبستين كما رواه الأدب والفن … وقبل أن تكشفه الصحافة