أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جميلة شحادة - المقعد الفارغ














المزيد.....

المقعد الفارغ


جميلة شحادة

الحوار المتمدن-العدد: 7611 - 2023 / 5 / 14 - 18:29
المحور: الادب والفن
    


كان المقعد فارغًا، فشعرتُ بانقباضة في صدري لا أدري تمامًا ما سببها؟ ربمّا لأن المقاعد الفارغة تثير بي الحزن، فقد لا يعود البعض ممَن شغَلها ذاتَ أُنسٍ إليها مرة ثانية. وربما؛ ستظلُّ شاغرة كتلك التي ما زالت تحتلُّ مساحةً من أركان بيتي، وتنتظر الأحبةَ الذين غادروها ولم يعودوا، فقدِ اكتفوا بأن تركوا عطرهم يفوح في كل ثنايا المكان والزمان، لكنّي أنا، ما اكتفيت.
" لقد مات". قالت رغد ردًا على سؤالي لها عنه. لقد مات قبل خمسة أيام، وهناك نعي معلّق على باب العيادة، ألم تلاحظيه عند دخولكِ للعيادة؟ سألتني رغد وتابعت تقول دون أن تنتظر سماع ردّي: " على أي حال النعّي مكتوب بالروسية فقط، ومع هذا قرَّرت الإدارة أن تلصقه على المدخل الرئيس للعيادة تكريمًا له على ما قدمّه لها من خدمات.
ترقرقت دمعتان في عينيّ، وشعرتُ بهما تتوسلان كي أفكَّ قيْدهما، لكني لم أفعل، وكنت أقسى من السجّانِ.، حيث أعدتهما سريعًا الى مخبئهما. لستُ جاهزة بعدُ لأظهر حزني، لست جاهزة بعدُ لأكشفَ لبيض الوجوهِ، سَمار فقْدي.
لقد مضى ثلاثة أشهر على أول مرة شاهدته فيها. كان يجلس على مقعد خشبيّ موضوع على الرصيف أمام إحدى العيادات في المدينة. كان يرتدي ينطالًا من نوع الجينز، وقميصًا طويل الأكمام أزرق اللون كزرقة عينيْه، ويعتمر قبعة كروهات صيفية ملوّنة بالرماديّ الفاتح والكحلي الغامق، مصنوعة من قماش الكتّان، وجزؤها الأمامي يندلع كلسان طفلٍ اندلع من فمه ساخرًا من أحدهم. كان دائم النظر الى البعيد، لا ينتبه الى المارين من أمامه، وهم بدورهم لا يعيرونه أي انتباه أو اهتمام. ربمّا، هو مصاب بحنين موجع لأيام خلت، وها هو يستحضرها بجلسته هذه كشريط يعيده الى الوراء، ليتفرج بالأسود والأبيض على محطات قد مضت من حياته.
من ملامحه يكتشف الناظر إليه أنه قادم من روسيا، ولا يمكن لأحد أن يخطئ بذلك، وإنما قد يخطئ بتحديد عمره؛ فقد عرفتُ من "رغد" أنه يبلغ الثالثة والسبعين من العمر، غير أن مظهره الأنيق وجسمه الرياضي يجعلان كل من ينظر إليه يظن بأنه لم يتجاوز الخمسين من العمر.
- أهلا ديمتري. هتفت رغد باللغة الروسية مُرحبة به عندما لمحتْهُ يطلُّ بقامته السامقة من باب قسم العلاج الطبيعي. كانت رغد تجلس خلف مكتبها وأمامها الحاسوب، وأنا أجلس على مقعد أمامها لتوثيق بعض المعلومات عن وضع الانزلاق الغضروفي أسفل الظهر الذي أصبتُ به نتيجة حادث سير، كان هذا بعد الجلسة العلاجية السادسة، والمتبع أن يتم تقييم وضع العضو المصاب ومدى الألم الذي يشعر به المعالَج بعد الجلسة العلاجية السادسة، لمتابعة طريقة العلاج، أو لإحداث التغيير عليها بما يتلاءم مع الوضع الصحي للمتعالج. إذن هو أيضًا متعالج في قسم الفيزوترابيا. قلت لنفسي. لم تكن "رغد" هي المعالجة لديمتري، بل جواد، ومع هذا كانت علاقتها به متينة، وبي أيضا، فقد بنيت معها علاقة ودية منذ الجلسة العلاجية الثانية، ولا سيما أن أختها "بلسم" زميلة لي في العمل. عندما لاحظت رغد دهشتي من ترحيبها الحار به، قالت وهي تشير لي بيدها أن أستلقي على السرير لتصلني بجهاز يصدر ترددات كهربائية تُشغِّل عضلات ظهري، بهدف تقويتها.
- أُذكِّرهُ بابنته لوسْيانا. لقد صرّح لي بذلك، فهي تجايلني، وابتسامتي تشبه ابتسامتها، لكن مهنتها تختلف عن مهنتي، فهي محاضرة جامعية، ومؤرخة أيضًا.
- وفي أي جامعة تعمل؟ سألت رغد.
- لم يخبرني عن اسم الجامعة التي تعمل فيها، كل ما أعرفه أنها تعمل في إحدى جامعات موسكو حيث تقيم مع زوجها.
- "إذن هي لم تقدم الى البلاد"؟ سألتُ رغد.
- "كلا. لقد رفضت القدوم مع والديْها الى البلاد قبل سبع عشرة سنة بالرغم من أنها ابنتهما الوحيدة، لم تقتنع أن بانتظارها أرض السمن والعسل وبلد الديموقراطية والمساواة". وتابعت "رغد" كلامها وهي ما زالت تضبط قوة الترددات الكهربائية الصادرة عن الجهاز بما يتلاءم مع قدرة تحملي لها قائلة: "ديمتري طبيب بجراحة الأوعية الدموية، ومع هذا لم ينجح بإنقاذ زوجته "نتاليا" مدرِّسة الموسيقا من الموت قبل ثلاث سنوات، لقد ألمّت بقلبها نوبة حادة فجائية، أدت الى وفاتها. ديمتري عمل في هذه العيادة، وقد أثبت جدارته في ممارسة مهنته، وبنى علاقات طيبة مع مرضاه وزملائه في العمل، وعندما خرج الى التقاعد، ظلّ يداوم في العيادة كطبيب متطوع، وهو منذ سنة، يجيء أسبوعيًا الى هنا للعلاج الطبيعي". لم تذكر رغد سبب حاجته للعلاج الطبيعي، وأنا لم أسألها.
انتهت جلستي العلاجية، شعرت بمرونة بعضلات ظهري، غير أن عضلة قلبي كانت أسرع من المعتاد في ضخ دمي الى خلايا جسمي. عدت مسرعة الى البيت، توجهت مباشرة الى الشرفة المطلّة على الشمال لعلّي أستنشق أكبر كمية من الهواء، وأملأ رئتيَّ بالأكسجين بعد أن شعرت بالاختناق. التفت يسارًا، اصطدم نظري بالمقعد الفارغ، فحرّرتُ دموعي من أسرها.
**********
12.10.2021



#جميلة_شحادة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أَبحثُ عن تفاصيل روحي
- عزيزتي المرأة اختاري العيش بكرامة وسعادة
- قبل الغروب
- قلق
- قراءة ناقدة لقصة -صوت ذاك الآخر - للكاتبة جميلة شحادة
- على عتبة العام الجديد
- استضافة الأديبة جميلة شحادة في فعاليات يوم اللغة العربية الع ...
- قصة من يافا ترويها روائية تعيش في رام الله
- هلا هلا بكم في مونديال قطر 2022
- النبتةُ النَّكِرة
- تبقى العائلة حين لا يبقى أحد. هل حقًا؟
- أدب الرسائل، وتعريج على رسائل من القدس وإليها
- الفرق شاسع، بين النقد البنّاء وبين جَلْد الذات
- سِرْ في الطّريقِ
- عند انتهاء السنة الدراسية
- * ما بين الجنوبي وجنوبي
- مَن كَسَرَ عُنقَ الزجاجةِ؟
- أتْعَبْنا الطريقَ
- زفاف قاصر
- رسائلُ جزيرة غمام


المزيد.....




- نجل الفنان المصري الراحل صلاح السعدني ينفعل في جنازة والده و ...
- مترجمة عربي وبالفيديو … أحداث مسلسل عثمان الحلقة 156 الموسم ...
- ليبيا تشارك في اختبارات اللغة الروسية
- الآن كل ما يخص امتحانات الدبلومات الفنية 2024/2023 في مصر وا ...
- ماريا المغاري فنانة جامعية قتلها الاحتلال ووأد أحلامها
- فيلم -شِقو-.. سيناريو تائه في ملحمة -أكشن-
- الأدب الروسي يحضر بمعرض الكتاب في تونس
- الفنانة يسرا: فرحانة إني عملت -شقو- ودوري مليان شر (فيديو)
- حوار قديم مع الراحل صلاح السعدني يكشف عن حبه لرئيس مصري ساب ...
- تجربة الروائي الراحل إلياس فركوح.. السرد والسيرة والانعتاق م ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جميلة شحادة - المقعد الفارغ