أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - يحي عباسي بن أحمد - المقالة الثانية: بنو إسرائيل في القرآن — بين الاصطفاء والمشروطية الأخلاقية قراءة نقدية في المفهوم القرآني ودلالاته على الواقع المعاصر















المزيد.....

المقالة الثانية: بنو إسرائيل في القرآن — بين الاصطفاء والمشروطية الأخلاقية قراءة نقدية في المفهوم القرآني ودلالاته على الواقع المعاصر


يحي عباسي بن أحمد
كاتب

(Abassi Yahia Ben Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 23:32
المحور: القضية الفلسطينية
    


المقالة الثانية: بنو إسرائيل في القرآن — بين الاصطفاء والمشروطية الأخلاقية
قراءة نقدية في المفهوم القرآني ودلالاته على الواقع المعاصر

المقدمة
يحتلّ مفهوم “بني إسرائيل” مكانة مركزية في القرآن الكريم، ليس فقط بسبب كثافة ورود الاسم (أكثر من 40 مرة)، بل بسبب الدور التربوي والتاريخي الذي يؤديه باعتباره نموذجاً غنياً لتحولات الجماعات البشرية بين الهداية والضلال. إلا أنّ هذا المفهوم كثيراً ما جرى إسقاطه في الخطاب السياسي العربي بشكل مباشر على اليهود المعاصرين، دون تدقيق أنثروبولوجي أو لغوي أو تاريخي، مما أدى إلى الالتباس بين:
بني إسرائيل (كيان رسالي تاريخي)
اليهود (أتباع ديانة)
الصهاينة (أتباع أيديولوجيا حديثة)
تهدف هذه المقالة إلى تحرير مفهوم بني إسرائيل كما يقدّمه القرآن، بعيداً عن الاستخدامين المتطرفين:
استخدام صهيوني يوظّف النص لتأسيس "حق تاريخي".
استخدام عربي يختزل اليهود جميعاً في صورة "جماعة منحرفة".
وبذلك نؤسس قاعدة معرفية صلبة تُنهي الخلط الشائع، وتفتح الباب لتحليل العلاقة بين “الاصطفاء” و“المشروطية الأخلاقية”.
أولاً: من هم بنو إسرائيل؟ — قراءة لغوية وتاريخية
1. الدلالة اللغوية
اسم إسرائيل في العبرية يعني “عبد الله” أو “قوّة الله”، وهو لقب النبي يعقوب.
إذن فبنو إسرائيل هم أبناء يعقوب ونسلهم المباشر.
2. الدلالة التاريخية
بحسب القرآن والتوراة، تشكل بنو إسرائيل جماعة:
عرقية محددة بالنسب
جغرافية غير ثابتة (تنقلوا بين مصر، سيناء، الشام، العراق)
دينية الرسالة (ارتبط وجودهم بالنبوة والكتاب)
3. اندثار البنية العرقية
اتفق مؤرخون كثر (مثل: Sand, 2008؛ Pappe, 2006؛ Whitelam, 1996 أنّ:
بني إسرائيل تشتتوا بعد السبي البابلي.
الجماعة تحولت لاحقاً إلى ديانة مفتوحة لغير بني إسرائيل.
معظم اليهود المعاصرين ليسوا من نسل يعقوب بالمعنى البيولوجي، بل ينتمون لتحولات تاريخية (الخزر، الأوروبيون، الأمازيغ، العرب).
وبذلك يصبح الخلط بين بني إسرائيل واليهود خطأ معرفياً وأيديولوجياً.
ثانياً: نموذج الاصطفاء القرآني — وظيفة لا عرق
يرد مفهوم “الاصطفاء” في القرآن في سياقين:
1. الاصطفاء الوظيفي
الاصطفاء عند القرآن تكليف وليس امتيازاً عرقياً.
قال تعالى: “وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا” (الأنبياء: 73)
أي أنّ دورهم كان الهداية وإقامة العدل.
2. الاصطفاء المشروط
قال تعالى: “فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ” (النساء: 155)
وهذا يؤكد أن:
الاصطفاء يتوقف عند نقض العهد
العهد مبني على القيم
العقوبة جماعية عند الفساد
3. امتناع الاصطفاء العرقي
يقول تعالى: “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات: 13)
“مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا” (آل عمران: 67)
فإذا كانت كرامة الإنسان مرتبطة بالتقوى لا بالعرق، فإنّ “الاصطفاء” لا يمكن أن يكون عرقياً.
ثالثاً: الديناميات النفسية لبني إسرائيل في القرآن
يعرض القرآن شخصية بني إسرائيل عبر نمط دينامي نفسي معقد:
1. التردد بين الإيمان والمادية
“فَقَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا” (الأعراف: 138)
يظهر القرآن ميلاً لدى بني إسرائيل إلى المحسوس وتجنّب التكليفات الصعبة.
2. الخوف الشديد من القوة
“فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا” (المائدة: 24)
وهو نمط يتكرر في القصص القرآنية.
3. الجدال والمراوغة
“قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا” (البقرة: 67)
هذا النمط الذهني يؤثر في تفسير السلوك السياسي لاحقاً.
4. العبادة الشكلية
“ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ” (المائدة: 78)
يؤكد القرآن على الخلل الأخلاقي قبل العقائدي.
رابعاً: قراءة في آية الإسراء — الفسادان وزمن التاريخ
من الآيات الأكثر ارتباطاً بواقع الصراع:
“لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ…” (الإسراء: 4)
اختلف المفسرون في تحديد “المرتين”، لكن هناك اتفاق على أن:
الفساد ليس عرقياً بل سلوكياً
العقوبة دنيوية وليست أخروية
الإفساد يمكن أن يتكرر كلما تكرر الفساد
اللافت أنّ الآية تقول: “ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ” (الإسراء: 6)
بعض المعاصرين (المسيري، 2003؛ قطب، 1991) رأوا أنها قد تشير إلى:
قيام كيان لليهود
استعادة قوة دنيوية
عودة الفساد في صورة استعمارية
لكن القرآن لا يحدد زماناً ولا جهة بعينها، بل يربط الحدث بالسلوك الأخلاقي.
خامساً: التفريق القرآني بين اليهود كدين وبني إسرائيل كقومية
1. اليهودية دين
اليهود في القرآن هم:
الذين آمنوا بالتوراة
جماعة دينية
تشمل من دخلوا الدين بالتحول (Proselytes)
2. بني إسرائيل قوم
هم نسل يعقوب، والقرآن يعاملهم كـ:
جماعة تاريخية
لها عهد وميثاق
دورها مرتبط بوجود الأنبياء بينهم
3. اليهود ≠ بني إسرائيل
الخلط بين المصطلحين يؤدي إلى:
إسقاط النص القرآني على الواقع السياسي
إضفاء قداسة على المشروع الصهيوني
تشويه فهم القرآن في الوعي العربي
وبذلك فإنّ اليهود المعاصرون ليسوا موضوع الآيات القرآنية التي تتحدث عن “بني إسرائيل”.
سادساً: الصهيونية ومحاولة خطف المفهوم
1. ادعاء وراثة الاصطفاء
الصهيونية تزعم أن:
اليهود اليوم = نسل بني إسرائيل
فلسطين = أرض الميعاد
العودة = تحقيق نبوة توراتية
لكن هذا الادعاء يسقط عند:
الأدلة الجينية (Ostrer, 2012)
الأدلة التاريخية Whitelam, 1996؛ Sand, 2008
الأدلة الدينية (اليهودية الأرثوذكسية نفسها ترفضه)
2. تجاهل المشروطية الأخلاقية
الصهيونية تقرأ النصوص الوعيدية كأنها غير موجودة:
“لعنّاهم”
“ضربت عليهم الذلة”
“تعتدون”
“يفسدون”
فهي تريد وعداً بلا شروط.
3. تحويل الاصطفاء الأخلاقي إلى امتياز سياسي
وهذا يناقض:
كل التراث اليهودي
كل الموروث الإسلامي
كل القيم الإنسانية
سابعاً: لماذا لم يعد بنو إسرائيل موجودين اليوم؟
وفق القرآن:
الاصطفاء مرتبط بوجود الأنبياء
الالتزام بالوحي شرط البقاء
الانحراف يقطع الامتداد
وبذلك اختفت الجماعة الرسالية بعد:
انقطاع النبوة
انتشار المعاصي
ذوبان الجماعة في الشعوب
تحوّل اليهودية إلى ديانة عالمية
إذن: بنو إسرائيل جماعة من الماضي، وليسوا كياناً قائماً الآن.
ثامناً: أثر هذا الفهم على الصراع المعاصر
1. يسقط الادعاء الصهيوني بالحق الإلهي
لأن اليهود المعاصرين ليسوا بني إسرائيل.
2. يفتح المجال لفهم اليهود كأفراد
بعيداً عن الكتلة النمطية.
3. يعزل الصهيونية بوصفها “أيديولوجيا حديثة”
لا علاقة لها بالنصوص.
4. يساعد في بناء خطاب عربي عقلاني
قائم على:
التفريق بين الدين والسياسة
احترام العقائد
مقاومة الاحتلال دون شيطنة شعوب كاملة
الخاتمة
مفهوم بني إسرائيل في القرآن أخلاقي–رسالي، لا عرقي–سياسي.
يقدّم القرآن نموذجاً لتحولات الجماعات بين الهداية والضلال، ويؤكد أن:
لا امتياز بلا أخلاق، ولا فضل بلا تقوى، ولا وجود لعرق مقدس.
وبهذا الفهم يمكن تفكيك الادعاء الصهيوني في جذره:
فاليهود اليوم ليسوا بني إسرائيل، والصهيونية ليست اليهودية، والوعد القرآني ليس تفويضاً استعمارياً.
السؤال الجدلي للمقالة الثالثة
إذا كانت اليهودية في أصلها ديانة توحيدية، فكيف تحولت في العصر الحديث إلى قومية سياسية؟
وما الظروف التي سمحت بنشوء الصهيونية الأوروبية؟
قائمة المراجع
Masalha, N. (2007). The Bible and Zionism. Zed Books.
Ostrer, H. (2012). Legacy: A Genetic History of the Jewish People. Oxford University Press.
Pappe, I. (2006). The Ethnic Cleansing of Palestine. Oneworld.
Sand, S. (2008). The Invention of the Jewish People. Verso.
Whitelam, K. (1996). The Invention of Ancient Israel: The Silencing of Palestinian History. Routledge.
المسيري، عبد الوهاب. (2003). موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية. دار الشروق.
قطب، سيد. (1991). في ظلال القرآن. دار الشروق.



#يحي_عباسي_بن_أحمد (هاشتاغ)       Abassi_Yahia_Ben_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقالة الأولى: بين الوحي والواقع… لماذا هذه السلسلة؟ قراءة ...
- المقال السادس: الخاتمة: كيف نتعامل مع ظاهرة المدخلية؟ رؤية م ...
- المقال الخامس: المنهج الوسط: البديل الشرعي في التعامل مع الو ...
- المقال الرابع: نقد فكر المدخلية من منظور شرعي وواقعي
- المقال الثالث: تأثير المدخلية على النسيج الاجتماعي والحراك ا ...
- المقال الثاني: الأسس العقدية والفقهية للمدخلية: قراءة نقدية
- المقال الأول: المدخلية: التعريف والنشأة وملامح الفكر
- كرة القدم أو: حين يُستبدل المعنى بالهتاف قراءة فلسفية في زيف ...
- المقال الثامن :الاستنتاج البنيوي: تفكيك الأسطورة الصهيونية و ...
- المقال السابع : الكيان الصهيوني كأداة مركزية في الغرب: قراءة ...
- المقال السادس :الوعي العربي أمام إسرائيل: من الخضوع الرمزي إ ...
- المقال الخامس : الديمقراطية الانتقائية: لماذا يُمنح القاتل ح ...
- المقال الرابع : إسرائيل كوظيفة: لماذا ليست دولة مكتملة؟ تفكي ...
- المقال الثالث :الصهيونية المسيحية: حين تتحوّل النبوءة إلى سي ...
- المقال الثاني: من الهولوكوست إلى فلسطين: كيف انتقلت الضحية؟ ...
- المقال الأول :إسرائيل: دولة أم أسطورة؟ – تفكيك مفهوم الشرعية ...
- الكيان في عقول النخبة العربية والمسلمة دراسة تحليلية في تمثّ ...
- حين تنتصر اللغة قبل الدبابة: كيف صنعت «دولة إسرائيل» نفسها ف ...
- مرة أخرى الرد على مقال :ضاعت الأمة بين وهم السند وعلم الرجال ...
- تبريرات النخبة العربية المتصهينة: تفكيك البنية الذهنية والسي ...


المزيد.....




- بعد الجدل.. إنفانتينو يعتذر عن تصريحه بشأن الجماهير البريطان ...
- لقاء مرتقب بين ويتكوف وعراقجي بدأت تتضح معالمه.. ماذا نعرف ع ...
- حمزة عبد الكريم أول مصري في برشلونة.. فهل ينجح في الوصول إلى ...
- بعد أشهر من الفوضى والانقسامات.. فرنسا تُقرّ ميزانية 2026 وا ...
- رغم عدم دعمها لنظام الملالي.. لماذا تعلن دول إقليمية رفضها ل ...
- ملفات جيفري إبستين.. هل زهران ممداني عمدة نيويورك هو «ابنه ا ...
- المغرب: إجلاء نحو نصف سكان مدينة القصر الكبير لتفادي خطر الف ...
- -لباب- تناقش في عددها الـ29: تحولات القوة في نظام دولي آخذ ف ...
- الإعلان عن 20 مخططا استيطانيا بالقدس خلال يناير
- جولة إقليمية لأردوغان تشمل السعودية ومصر


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - يحي عباسي بن أحمد - المقالة الثانية: بنو إسرائيل في القرآن — بين الاصطفاء والمشروطية الأخلاقية قراءة نقدية في المفهوم القرآني ودلالاته على الواقع المعاصر