محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 13:57
المحور:
قضايا ثقافية
---
مقدمة
منذ فجر التاريخ السياسي، شكلت الأقليات الدينية، العرقية، اللغوية والثقافية جزءًا لا يتجزأ من نسيج المجتمعات الإنسانية. ومع ذلك، فإن أنظمة الحكم الشمولية — سواء كانت يسارية، قومية، دينية، أو عسكرية — غالبًا ما تعامل الأقليات باعتبارها تهديدًا لوحدتها أو مشروعيتها، مما يدفع تلك الأقليات إلى مقاومة سياسية، اجتماعية وثقافية. هدف هذا المقال هو استكشاف الاستراتيجيات والآليات التي تمكن الأقليات من الخروج من رحمة الأنظمة الشمولية، من خلال تحليل دروس تاريخية ونماذج واقعية، مع استخلاص توصيات قابلة للتطبيق في السياقات المعاصرة.
---
أولاً: خلفية نظرية – فهم الشمولية وقسوة الأنظمة على الأقليات
تعريف الشمولية
يُعرف النظام الشمولي بأنه نظام سياسي يهدف إلى السيطرة التامة على المجتمع، ليس فقط في المجال السياسي والاقتصادي، بل في البُعدين الثقافي والاجتماعي، من خلال المنظومات الأمنية، الإعلام والسيطرة على السرديات الوطنية. وفقًا لهانا آرندت، تعتبر الشمولية أقصى أشكال الاستبداد لأنها تسعى إلى “ابتلاع الفضاء العام والخاص” على حد سواء.
الأقليات في السياق الشمولي
الأقليات تمثل هويةً بديلةً داخل الدولة: دين، لغة، إثنية، أو ثقافة تختلف عن الأغلبية. ولهذا، غالبًا ما تكون أول المستهدفين بالسياسات التمركزية والعنصرية، والتي تحاول “تطهير” السرد الوطني. تشمل هذه السياسات:
التهميش الاقتصادي والاجتماعي.
الاعتقالات التعسفية.
ملاحقة النشطاء الثقافيين والسياسيين.
تغييب التمثيل السياسي.
---
ثانيًا: آليات قهر الأقليات في الأنظمة الشمولية
هناك أربعة محاور رئيسة يتبعها الشموليون لقهر الأقليات:
1. المركزية القسرية للهوية الوطنية
الأنظمة الشمولية تعمل على إنشاء هوية وطنية موحدة تهمّش الهويات الأخرى، من خلال:
التعليم الموحد.
الإعلام الخاضع للدولة.
قوانين تمنع تعدد اللغات أو المعتقدات.
مثال بارز: الاتحاد السوفييتي في عهد ستالين، حيث تم قمع لغات وثقافات مثل الشيشان، التتار، والبلطيق عبر فرض اللغة الروسية ونزع الرموز الثقافية.
2. المركزية الأمنية والقمع السياسي
تشكل الأجهزة الأمنية أداة رئيسية في قمع الأقليات:
اعتقالات واسعة.
محاكمات صورية.
اختفاء قسري.
مثال: الصين في شينجيانغ حيث يُحتجز مئات الآلاف من الأويغور في ما وصفتها منظمات حقوقية بأنها “معتقلات إعادة التأهيل”.
3. التهميش الاقتصادي والتهميش الاجتماعي
الأنظمة الشمولية غالبًا ما تميز ضد الأقليات في فرص العمل والتعليم والخدمات الاجتماعية، مما يؤدي إلى فجوة تنموية واضحة بين الأغلبية والأقلية.
---
ثالثًا: موارد ونماذج تاريخية لاستراتيجيات خروج الأقليات من رحمة الشمولية
من خلال دروس التاريخ، يمكن تقسيم الاستراتيجيات التي استخدمتها الأقليات إلى أربعة مسارات رئيسة:
---
1. المقاومة السلمية والتحالفات المدنية
حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة (1950–1960)
كان للحقوقيين السود في الولايات المتحدة مثالًا واضحًا على نجاح المقاومة المدنية في مواجهة أيديولوجيات عنصرية متجذرة:
العصيان المدني.
الاعتصامات السلمية.
اللوبي القانوني لتعديل القوانين التمييزية.
نتيجة ذلك:
إلغاء قوانين جيم كرو.
ضمان حقوق التصويت.
الدروس:
المقاومة لا تحتاج دائمًا إلى العنف.
بناء لوبي قانوني قوي يمكنه هزيمة التشريعات التمييزية من داخلها.
---
2. التمكين القانوني وطلب الاعتراف الدولي
حالة السودانيين في جنوب السودان (قبل الاستقلال 2011)
النضال القانوني والسياسي ضد نظام الخرطوم الشمولي اعتمد على:
مؤتمرات دولية.
دعم الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
حملة توعية عالمية حول “جرائم الحرب” و”إبادة ثقافية”.
نتيجة ذلك:
اتفاقيات سلام.
استفتاء أدى إلى استقلال جنوب السودان.
الدروس:
الاعتراف الدولي يمكن أن يشكل رادعًا قويًا للأنظمة الشمولية.
توحيد الصف الداخلي قبل التوجه الدولي ضروري.
---
3. التمركز الثقافي واللغوي مقابل الاندماج القسري
الأكراد في تركيا والعراق
الأكراد، كردًاغة الأكبر من حيث عدد السكان بلا دولة مستقلة، واجهوا سياسات القمع الثقافي في تركيا من خلال:
المدارس السرية للغة الكردية.
الإعلام البديل.
الحفاظ على التراث الثقافي.
وفي العراق، ساعدتهم المرحلة الانتقالية بعد سقوط صدام في الحصول على حكم ذاتي ضمن الدستور الجديد.
الدروس:
العمل على حفظ اللغة والهوية يمكن أن يكون وسيلة أساسية للحفاظ على الجماعة.
الاستفادة من التغيير السياسي بعد سقوط النظام كفرصة لبناء قواعد دستورية عادلة.
---
4. المقاومة المسلحة المشروعة كأداة ضغط
النضال الفلسطيني ضد الاحتلال والهيمنة
رغم الجدل حول بعض الممارسات، فإن المقاومة الفلسطينية طالبت بحق تقرير المصير أمام مؤسسات دولية عديدة. حركة التحرير الفلسطينية استخدمت كل الأدوات الممكنة – السلمية والقانونية والدبلوماسية – للحصول على اعترافات دولية.
الدروس:
المقاومة المسلحة يمكن أن تكون أداة ضغط في سياقات الاحتلال، لكنها تحتاج دعمًا شعبيًا وقانونيًا لتكون شرعية.
---
رابعًا: مقارنة بين الاستراتيجيات – ما بين النجاح والفشل
الاستراتيجيةفرص النجاحالمخاطر والقيود
المقاومة السلميةمرتفعة في السياقات الديمقراطيةتتعرض لقمع أمني وحشي
العقاب القانوني الدولييمكن أن يغيّر السياسات القمعيةيحتاج دعم دولي ذو تأثير
الحفاظ الثقافييحافظ على الهويةلا يكفي وحده للخروج من القمع
المقاومة المسلحةيفرض نفسه كأداة ضغطمخاطر دموية، وإمكانية فقدان الدعم الدولي
---
خامسًا: دروس مستفادة لاستراتيجيات المستقبل
من التحليل التاريخي لعدد من الأقليات التي ناضلت ضد الشموليات، يمكن استنتاج مجموعة من الاستراتيجيات التكتيكية التي قد تساعد الأقليات الحديثة:
1. التماسك الداخلي كخط الدفاع الأول
يجب أن:
تحافظ الجماعة على هويتها (لغة، تراث، ممارسات).
تبني مؤسسات تعليمية ثقافية مستقلة.
بدون ذلك، يصبح اندماج الأقليات في ثقافة القمع ذاته أمرًا محتمًا.
---
2. بناء أحزاب سياسية تحظى بقبول شعبي
وجود تنظيم سياسي قوي داخل البلد:
يخلق ممثلين قادرين على التفاوض قانونيًا.
يفتح مساحة للمطالبة بالإصلاحات.
---
3. استثمار التشريعات الدولية لحقوق الإنسان
الانخراط في:
المعاهدات الدولية.
المنظمات الحقوقية.
التوثيق القانوني للانتهاكات.
يمنح الجماعات منظورًا قانونيًا لمواجهة القمع.
---
4. التحالفات مع القوى الديمقراطية داخل المجتمع
التفاهم مع أطراف الأغلبية الديمقراطية:
يوسع قاعدة المناصرة.
يخفف احتمالات وصم الأقليات كـ “خصم”.
---
سادسًا: تحديات معاصرة
في القرن الحادي والعشرين، تواجه الأقليات تحديات جديدة:
أ. التكنولوجيا والمراقبة الرقمية
الأنظمة تستخدم المراقبة، تحليل البيانات والإعلام للتأثير على التمثيل الاجتماعي والسياسي للأقليات.
---
ب. الأزمة البيئية والهجرة القسرية
التغير المناخي والهجمات على الموارد الطبيعية يؤديان إلى نزوح جماعي يُضعف التماسك الداخلي للأقليات.
---
خاتمة
أثبتت التجارب التاريخية أن الخروج من رحمة الأنظمة الشمولية ليس مهمة سهلة؛ ولكنه ليس مستحيلًا. يتطلب ذلك مزيجًا من:
المقاومة الذكية.
التمكين القانوني والسياسي.
بناء تحالفات داخلية وخارجية.
الحفاظ على الهوية الثقافية.
لقد أظهرت دروس التاريخ أن الضغط الدبلوماسي، الإعلامي والاجتماعي يمكن أن يحقق تغييرًا جذريًا عندما يُستخدم بشكل مدروس ومتسق. في عالم يتسارع فيه التغير السياسي والاجتماعي، يصبح على الأقليات أن تحوّل خبراتها السابقة إلى أدوات فاعلة للتفاوض على حقوقها الإنسانية والسياسية، سواء داخل حدود الدولة أو في المحافل الدولية.
---
المراجع
1. Arendt, Hannah. The Origins of Totalitarianism. Harcourt Brace, 1951.
2. Branch, Taylor. Parting the Waters: America in the King Years, 1954–63. Simon & Schuster, 1988.
3. Davenport, Christian. State Repression and the Domestic Democratic Peace. Cambridge University Press, 2007.
4. Deng, Francis M. The Quest for Peace in Sudan. Brookings Institution Press, 2013.
5. Donnelly, Jack. Universal Human Rights in Theory and Practice. Cornell University Press, 2003.
6. Gunter, Michael. The Kurds: A Modern History. Markus Wiener Publishers, 2008.
7. HRW. “China: Big Data and Surveillance Behind Bars”, Human Rights Watch, 2019.
8. Kymlicka, Will. Multicultural Citizenship. Oxford University Press, 1995.
9. Lijphart, Arend. Democracy in Plural Societies. Yale University Press, 1977.
10. Margalit, Avishai. The Decent Society. Harvard University Press, 2002.
11. Natali, Denise. The Kurdish Quasi-State. Syracuse University Press, 2010.
12. Patterson, James T. America’s Struggle Against Poverty in the Twentieth Century. Harvard University Press, 1996.
13. Said, Edward W. The Question of Palestine. Vintage Books, 1979.
14. Smith, Jeremy. The Bolsheviks and the National Question, 1917–23. Macmillan, 1996.
15. Young, Iris Marion. Justice and the Politics of Difference. Princeton University Press, 1990.
16. Zuboff, Shoshana. The Age of Surveillance Capitalism. PublicAffairs, 2019.
17. IPCC. Climate Change 2022: Impacts, Adaptation and Vulnerability. Cambridge University Press, 2022.
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟