|
|
بوغاتشيف وتمرد القوزاق
سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 21:15
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
299 - أركيولوجيا العدم العدمية الثورية 47 ـ بوغاتشيف، وثورة القوزاق
هذه هي الصورة القاتمة لروسيا القيصرية حتى بداية القرن التاسع عشر، البلد الشاسع الذي تغطيه الثلوج وتحكمه عصابة من القياصرة المخبولين وعدة قبائل من النبلاء النهمين للمال والأرض والسلطة، وهدفهم الوحيد في الحياة هو زيادة ثرواتهم ونفوذهم مستعملين أسوأ الطرق وأبشعها لإستغلال بقية المواطنين البسطاء، ألا وهي الرق والاستعباد لبقية المواطنين، واعتبارهم أقل درجة من البشر وأدنى رتبة من الحيوانات. وإستغلال هذه "المخلوقات" المهدورة الحقوق، لحرث الأرض وإنتاج خيرات الطبيعة والتي لا حق لهم في الإستمتاع بها، أو للاشتغال في المصانع الحديثة أكثر من 12 ساعة في اليوم. وهذا النظام المتماسك والذي تمكن من الإستمرار لسنوات عديدة، كان سلاحه الوحيد وسر إستمرار حياته الطويلة، هو الحكم المطلق والإستبداد والعنف والجهل المفروض على غالبية الشعب، مما ضمن إستمراره وثبات ركائزه، بحيث لم يهدد وجوده أي نوع من الثورات الجدية والمتينة ولو لمرة واحدة طوال فترة وجوده حتى بداية القرن العشرين. وهذا ليس لغياب الفكر أو النشاط الثوري في روسيا، بل بالعكس، طوال القرن التاسع عشر، وقبل ذلك، لم تتوقف المحاولات الثورية، فلاحية، طلابية، برجوازية، عسكرية أو من ضباط الجيش، غير أنه في كل مرة، كانت هذه المحاولات تسحق كما تسحق الحشرة أو الذبابة بما يمكن مقارنته بمطرقة سيفايستوس الضخمة (الإله الحداد في الميثولوجيا اليونانية)، أي النظام البوليسي والجيش القيصري. وهذا ما فعلته كاثرين الثانية، الإمبراطورة "المستنيرة" في مواجهة ثورة الفلاحين القوزاق، والتي قادها "بوغاتشيف"، والتي تركت أثرا كبيرا في الخيال الشعبي الروسي وألهمت العديد من الثوريين رغم فشل التمرد والنهاية المفجعة لبوغاتشيف. وُلد إيمليان إيفانوفيتش بوغاتشيف نحو عام 1742 في منطقة نهر الدون، في أوكرانيا الحالية، ينتمي لعائلة من صغار الملاك للأراضي والعبيد، في بيئة قوزاقية فقيرة اعتادت حمل السلاح والعيش على هامش السلطة القيصرية. كان القوزاق، بحكم تاريخهم ونمط حياتهم، ينظرون إلى الدولة المركزية بريبة دائمة، إذ حاولت الإمبراطورية الروسية على مدى عقود تقليص استقلالهم وفرض الضرائب والتجنيد الإجباري عليهم. كانت ثورة بوغاتشيف (1773-1775) واحدة من أكبر الانتفاضات الشعبية في تاريخ روسيا. استغل بوغاتشيف استياء الفلاحين والقوزاق والأقليات العرقية من سياسات كاثرين الإصلاحية، والتي زادت من القمع وفرض الضرائب عليهم. كانت كاثرين الثانية حاكمة "مستنيرة" في بعض النواحي تجاه طبقة النبلاء، لكن سياساتها تجاه الفلاحين والقوزاق كانت قاسية ومهينة، مما أدى إلى تفاقم الفقر والاستياء. في هذا الوسط تشكّلت شخصية بوغاتشيف، حادة المزاج، متمردة ولاتخضع للسلطة، ومشبعة بإحساس عميق بالظلم الاجتماعي والرغبة في الثورة وتصحيح الأوضاع المزرية للفلاحين الفقراء. التحق بوغاتشيف في شبابه بالجيش الروسي وشارك في حروب كبرى مثل حرب السنوات السبع والحروب الروسية العثمانية (1768- 1774) وفي حملة بولندا، فاكتسب خبرة عسكرية لا يُستهان بها، لكنها لم تجلب له الاستقرار. فقد اصطدم بالانضباط القاسي وسوء معاملة الجنود، وهرب من الخدمة أكثر من مرة، ثم اعتُقل وفرّ مجددًا. هذه التجربة عمّقت عداءه للنظام القيصري ورسخت لديه قناعة بأن الدولة لا تمثل سوى النبلاء وكبار الملاك، بينما تسحق الفلاحين والجنود البسطاء. في النهاية سُرِّح من الجيش لأسباب صحية وقضى ثلاث سنوات بعد ذلك عاطلا عن العمل والنشاط يتجول في أنحاء روسيا الشاسعة بدون مأوى وبدون هدف محدد. ألقت عليه السلطات القيصرية القبض أكثر من مرة بتهمة التشرد والصعلكة. وفي نهاية الأمر قرر الذهاب إلى اليونان للمشاركة في محاربة الأتراك، إلا أنه سمع باندلاع ثورة القوزاق وتمرد قوزاق نهر يايك Yaik، الذي بدأ عام 1772 ثم قُمِع في العام نفسه. وصل بوغاتشيف إلى منطقة يايك في نوفمبر من ذلك العام، مدّعيًا أنه القيصر بطرس نفسه الذي مات في ظروف مشبوهة ويقال أن الإمبراطورة كاثرين هي التي قامت بإغتياله. غير أنه سرعان ما أُلقي القبض عليه ونُقل إلى مدينة كازان Kazan على نهر الفولغا، لكنه تمكن من الفرار منها في 29 مايو 1773والعودة إلى أرض القوزاق. ووعد الفلاحين والقوزاق الذين تجمعوا حوله بإلغاء العبودية والتحرر من سلطة موسكو وتوزيع الأراضي. وفي مطلع عام 1774، كان قد جمع تحالفًا مختلطا وغير متجانس من قوزاق يايك والكالموك Kalmouks والتتار Tatars، إضافة إلى عدد متزايد من الأقنان الساخطين والعاطلين عن العمل والمتشردين الجوعى. في سبعينيات القرن الثامن عشر كانت روسيا تعيش احتقانًا اجتماعيًا شديدًا، حيث توسّع نظام القنانة حتى صار الفلاح أقرب إلى العبد، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية في الأقاليم البعيدة، بينما فقد القوزاق كثيرًا من امتيازاتهم التقليدية القليلة. وسط هذا المناخ المتفجر ظهر بوغاتشيف كصوت للغضب الشعبي، لكنه لم يكتف بدور المحرّض، بل قدّم نفسه في صورة القيصر بطرس الثالث الذي نجا من القتل ويعود ليستعيد عرشه. كان هذا الادعاء ذكيًا وفعّالًا، إذ منح التمرد شرعية رمزية في نظر العامة من الفلاحين والعاطلين عن العمل الذين رأوا فيه قيصرًا عادلاً جاء لينتقم لهم من ظلم النبلاء. سرعان ما التف حوله القوزاق والفلاحون الأقنان وعمّال المناجم، إضافة إلى أقليات قومية مثل البشكير والتتار، واتسعت رقعة التمرد على طول نهر الفولغا ومنطقة الأورال. لم تكن حركة بوغاتشيف مجرد عصيان محلي، بل انتفاضة واسعة هزّت أركان الإمبراطورية. سقطت مدن وحوصرت أخرى، أبرزها أورينبورغ، وارتبط تقدّم التمرد بأعمال عنف قاسية، شملت إعدام النبلاء وموظفي الدولة وحرق ممتلكاتهم. في تلك اللحظة بدا بوغاتشيف في نظر أتباعه محررًا ومنتقمًا، وفي نظر السلطة القيصرية خطرًا وجوديًا يهدد النظام القيصري برمته. وفي ذروة قوته، بلغ عدد أتباعه نحو عشرين ألف مقاتل، نُظموا تنظيمًا فضفاضًا في أفواج على الطراز القوزاقي. وعلى الرغم من فاعلية هذا التنظيم في التضاريس الوعرة والمشجرة والأحراش على حدود الفولغا، فإن قوات بوغاتشيف لم تكن تملك على المدى الطويل فرصة حقيقية أمام الجيش الإمبراطوري المنظم والأكبر عددًا وعدة والأفضل تحصينًا. ولهذا أستهانت به الحكومة القيصرية في بداية الأمر، وأعتبرته مجنونا ومجرما أو مجرد لص خارج على القانون يمكن القضاء عليه في أي وقت في ساعات قليلة، ولكن بعد إستمراره في التقدم وإحتلال المدن الواحدة تلو الأخرى، وتزايد عدد الفلاحين المنظمين لجيشه، اضطرت كاثرين أن تأخذ الثورة مأخذ الجد ويصيبها نوع من الهلع لإمكانية فقدان السيطرة على الموقف، فأرسلت جيشا كبيرا للقضاء على بوغاتشيف وجيشه. ذلك أن التمرد، رغم زخمه، افتقر إلى تنظيم سياسي متماسك ورؤية طويلة الأمد. ومع إعادة تجميع الجيش القيصري تحت قيادة ضباط متمرّسين، بدأت الكفة تميل لصالح الدولة. تكبّد المتمردون هزائم متتالية، وتفككت صفوفهم، وفي نهاية المطاف خانه بعض أقرب أنصاره وسلموه للسلطات في 15 سبتمبر 1774. نُقل بوغاتشيف إلى موسكو في قفص حديدي مفتوح، وعُرِض كالحيوان في ساحة كبيرة، ثم خضع لمحاكمة سريعة، وحكم عليه بالإعدام بقطع الرأس. تم تنفيذ الإعدام بشكل علني لتكون عبرة للآخرين، حيث قُطع رأسه وأُحرق جسده. ونُفِّذ إعدامه علناً في ساحة بولوتنايا في موسكو بتاريخ 21 يناير 1775 (10 يناير بالتقويم القديم). المحكمة حكمت على بوغاتشيف بـ«القطع» أو ما يترجم عادة بالـ «تقسيم إلى أرباع» (quartering) أي تجزئة الجثة وقطع أجزاء منها وعرضها أمام الجماهير، وهي عقوبة إعدام شائعة في ذلك العصر لمن تعتبره الدولة قاتلا، مجرما أو خائنا. مصادر معاصرة ولاحقة تذكر أن الإمبراطورة كاثرين أصدرت أمراً سريّاً بأن يُقطْع الرأس قبل عملية التقطيع لتخفيف معاناته، ولهذا أعتبرها العديد من الليبراليين "مستنيرة" (أي: نُفِّذت عملية قطع الرأس أولاً ثم ما تبعها من إجراءات التقطيع والعرض). المصادر الروسية التاريخية تذكر أن التنفيذ تم وفق الأسلوب الرسمي للدولة القيصرية في ذلك العصر، والذي كان يعتمد على إستعمال سيف الإعدام الثقيل، وهو سيف ذو نصل عريض مستقيم ثقيل الوزن يسمح بالقطع بضربة واحدة كان يُستخدم حصراً بواسطة جلّاد رسمي مدرّب تابع للدولة، وبعد قطع الرأس، تم تنفيذ حكم التقطيع والعرض باستخدام فؤوس حديدية ثقيلة تشبه فؤوس قطع اللحم أو الأخشاب الكبيرة، استُخدمت لفصل الأطراف والجذع . كانت نهاية بوغاتشيف بمثابة نهاية للثورة، لكنها تركت أثرًا عميقًا في تاريخ روسيا، حيث كشفت عن التوترات الاجتماعية والسياسية الكامنة في الإمبراطورية. كما ألهمت شخصية بوغاتشيف التاريخية المختلطة بالأسطورة خيال أجيال متلاحقة من الثوريين والعدميين الروس، منهم بوشكين وأيضا تولستوي وباكونين وغيرهم من المنظرين الذين أعتبروا أن المهمشين والخارجين على القوانين البرجوازية واللصوص والمجرمين، قد يكون هؤلاء هم الذين سيشعلون شرارة الثورة، بإعتبار أنه ليس لديهم ما يخسرونه سوى السلاسل وقضبان السجون. ورغم نهايته الدموية، لم يختفِ بوغاتشيف من الذاكرة الروسية. فقد ظل رمزًا مزدوجًا؛ مجرمًا خطيرًا في الرواية الرسمية، وبطلًا شعبيًا في المخيال الشعبي، يجسد مقاومة المظلومين ضد القنانة والاستبداد. هذا التعقيد والتناقض والغموض في شخصيته هو ما جذب الأدباء الروس إليه، ولا سيما ألكسندر بوشكين الذي صوّره في «ابنة الآمر» كشخصية تجمع القسوة والكرم، الوحشية والنبل. وهكذا بقي بوغاتشيف شاهدًا تاريخيًا على لحظة انفجار اجتماعي كبرى، وعلى الثمن الباهظ الذي تدفعه الإمبراطوريات عندما تتجاهل معاناة الطبقات الدنيا، وشاهدا على أن الشعوب قد تتحمل كثيرا من الظلم والقهر، لكنها في النهاية هي صاحبة الكلمة الأخيرة..
يتبع
#سعود_سالم (هاشتاغ)
Saoud_Salem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قلعة بطرس وبول المرعبة
-
عيون اوفيليا
-
مقاطع
-
ثمن العودة
-
الجيش الأمريكي والسيطرة على الكرة الأرضية
-
كل عام وأنتم بخير
-
مزايا الجيوش وصناعة الحرب
-
الصفحة البيضاء
-
حوار مع سعود سالم
-
الثقب السادس
-
الثقب الخامس.. اليقظة
-
الثقب الرابع
-
عاصمة القياصرة
-
عن « غباء- الذكاء الصناعي
-
الذكاء الاصطناعي
-
-لماذا يوجد شيء بدلًا من لاشيء؟-
-
الحجرة رقم 22
-
بيروقراطية المعاطف
-
أودرادِك
-
ثقوب المرايا
المزيد.....
-
-ظلم فادح-.. موريشيوس ترد على تصريحات ترامب حول جزر تشاغوس
-
-لا أفهم ما الذي تفعله بغرينلاند-.. ترامب ينشر رسالة خاصة من
...
-
شجون الهاجري تعود للتواصل مع متابعيها عبر سناب شات.. وهذا ما
...
-
ما الاعتبارات السياسية التي قد تحسم انضمام الأردن إلى -مجلس
...
-
سوريا: وقف إطلاق نار لـ4 أيام والإعلان عن -تفاهم مشترك- حول
...
-
-ما ترون لا ما تسمعون-.. عون يستحضر عبارة نصرالله أمام السفر
...
-
ترامب يؤكد أنه ساعد في إحباط فرار -إرهابيين أوروبيين- من سجن
...
-
تـرامـب: كـيـف أربـك الـعـالـم فـي سـنـة واحـدة؟
-
إيران على حافة المواجهة.. ضغط أميركي أم حرب إقليمية؟
-
حاكم ولاية كاليفورنيا يدعو قادة أوروبا لـ-صفع- ترامب
المزيد.....
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
-
المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة
/ حسنين آل دايخ
المزيد.....
|