|
|
قلعة بطرس وبول المرعبة
سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 17:42
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
298 - أركيولوجيا العدم العدمية الثورية 46 ـ القلعة المرعبة
قلعة القديسَين بطرس وبول (Peter and Paul Fortress) هي الحصن التأسيسي لمدينة سانت بطرسبرغ، أسّسها بطرس الأكبر عام 1703. على مدى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وأوائل القرن العشرين استُخدمت أجزاء من الحصن كسجنٍ لِـ «المحكوم عليهم سياسياً» واحتُجز فيها معارضون ونشطاء وسياسيون ثوريون أناركيون بارزون قبل أن تتحول القلعة إلى متحف رسمي في العشرينات من القرن الماضي. القسم الأشهر كسجن سياسي يسمى «باستيون تروبِيتسكي» (Trubetskoy Bastion)، بُني بين عامي 1870 و1872 بواسطة المهندسين ك. ب. أندرييف و م. أ. باسيبكين. شكل المبنى في المخطط هو خماسي الأضلاع، أي يحتوي على خمسة جوانب ومؤلف من طابقين. تم تجهيزه كسجن مركزي للأسرى السياسيين في عهد القيصرية وأُكمل بناؤه في أواخر القرن التاسع عشر، وظل يعمل كسجن حتى أوائل عشرينيات القرن العشرين وحتى بعد النظام اللينيني. في البداية كان هناك حوالي 73 زنزانة فردية، اعتبارًا من حوالي عام 1878، انخفض عدد الزنازين إلى 69 زنزانة فردية. الزنزانات مرتبة بنمط دائري داخليًا، أي أن الغرف الفردية توزّعت على محيط المبنى الخماسي، لكن ظروف الاحتجاز واسجن كانت شديدة العنف والقسوة، خاصةً للمحكومين بالأشغال الشاقة أو المُدانين السياسيين بعقوباتٍ شديدة القسوة. في السجن كان هناك نظام عزل صارم: بعض الغرف مصمّمة كغرف انفرادية لفرض عزل تام بين السجناء، دون تواصل مع الآخرين. الحراسة تمت عبر فرق خاصة، أولًا من “فريق مراقبة” واحد، وفي فترات لاحقة أضيفت وحدات من الجندرما وهو الحرس الإمبراطوري، لمراقبة السجناء .. أما أشهر أقسام السجن فهو ما يسمى بقسم "أليكسيس" Alekseevsky Ravelin، وهو واحد من أبراج وتحصينات القلعة التي تحوّلت لاحقًا إلى زنزانات انفرادية فائقة القسوة. بدأ بناؤه لاحقاً، في ثلاثينيات القرن 18 (بعد وفاة أليكسي بطرسوفيتش بـ 15 سنة). لذلك لا يمكن أن يكون أليكسيس إبن الإمبراطور قد سُجن فيه أو أن يكون سبب التسمية كما يعتقد البعض. سُمّي نسبةً إلى القيصر ألكسي ميخايلوفتش، والد القيصر بطرس الأكبر. عندما بدأ بطرس الأكبر إعادة بناء الحصن أو القلعة بعد عام 1703، كان من العادة تسمية الأقسام المختلفة للمعاقل والحصون bastions و ravelins بأسماء القديسين أو أفراد الأسرة الحاكمة. لذلك أُطلق - لاحقا - على هذا الجناح اسم أليكسييفسكي تكريمًا لولد الإمبراطور. كان رافلينًا دفاعيًا (تحصينًا أماميًا) من تحصينات القلعة الأصلية. ابتداءً من القرن 18 صار جزءًا من السجن السياسي الداخلي. يحتوي على أقسى زنازين القلعة على الإطلاق. بعضها بلا نوافذ تقريبًا، جدرانها شديدة السمك، بالإضافة إلى خضوع السجناء إلى مراقبة شديدة صارمة ومنع كامل للتواصل. عرف بأنه أسوأ مكان يمكن أن يُرسل إليه أي سجين سياسي قبل الثورة. سيرغي نيتشاييف، احتُجز فترة في زنزانة في هذا الجناح بعد تسليمه لروسيا (1872)ن وكذلك. بيوتر كروبوتكين أُودع لفترة قصيرة في زنزانة في مستوى عالي من العزل. معتقلوا قضية الديسمبريين وبعض أعضاء “نارودنايا فوليا” أيضا أقاموا في هذا الهوتيل الخاص بالثوار الأناركيين. وأول سجين دخل أسوار هذه القلعة وذاق طعم التعذيب والعزلة القاسية هو "أليكسيس" إبن القيصر بذاته المبجلة. فقد أتهمه والده بالتآمر ضده وضد الحكم القيصري، وأنه اراد القيام بإنقلاب في القصر بمساعدة قوى أجنبيه. واستدرجه في كمين ثم قبض عليه ورماه في إحدى زنانين القلعة. ويعتبر سجن تروبيتسكوي (Trubetskoy Bastion Prison) داخل القلعة، أخطر سجن سياسي في روسيا القيصرية، ويتكون من مجموعة من الأقسام، منها: القسم الشرقي، ويحتوي على الزنازين الانفرادية القاسية جداً، وكان هذا القسم مخصّصًا لأخطر المتّهمين في نظر الدولة. ومن أهم خصائصه صغر وضيق زنزاناته الباردة (2×3 م تقريبًا)، مع إضاءة ضعيفة، وصمت كامل حيث يمنع الكلام بين السجناء، بالإضافة للمراقبة المستمرة ليلا ونهارا. وقد سجن فيه كل من ميخائيل باكونين - الفيلسوف والثوري الأناركي (1851-1854)، كوندراتي رايلييف - قائد الديسمبريين (1825- 1826)، أندريه جيليايف - قائد نارودنايا فوليا (1881)، نيكولاي كيباليتش - مهندس متفجرات المنظمة (1881). ثم هناك القسم الشمالي، ويحتوي زنازين للتحقيق والاستجواب، يستخدم للاحتجاز المؤقت قبل المحاكمات. وهو القسم الذي سجن فيه دوستوييفسكي عدة أسابيع قبل نقله للمثول أمام المحكمة. بالإضافة إلى فيودور دوستويفسكي (1849)، سجن أيضا بوريس سافينكوف - أثناء اعتقاله الثاني سنة 1911 وماريا سبيريدوفا (1906) وليف تشيرني (1906). أما القسم الجنوبي فيحتوي زنازين الحبس الطويل (متوسطة الشدة)، مخصّصة للسجناء الذين ينتظرون الحكم أو النفي مثل بيستوجيف-ريومين – ديسمبري، صوفيا باردينا - نارودنيكية (1875)، ألكسندر دولغوشين - من مؤسسي منظمة “الأرض والحرية”. وهناك أيضا زنزانة “البرج الدائري” (Round Tower Cell)، وهي أشهر زنزانة في القلعة، استخدمت للرموز الكبرى مثل ميخائيل باكونين الذي أمضى فيها أشهره الأخيرة داخل القلعة، بيوتر كروبوتكين الذي احتُجز مؤقتًا قبل نقله، وإيفان كالييف – مُنفّذ اغتيال الغراند دوق. القطاع الغربي يشمل زنازين جماعية مؤقتة، تُستخدم عند الاعتقالات الجماعية أثناء التظاهرات، وقد أعتقل فيها العديد من أعضاء حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي (بلشفيون ومناشفة)، والعديد من الطلاب المشاركين في اضطرابات 1905. إن إعطاء صورة مبسطة عن هذا السجن الذي زاره معظم العدميين الروس، والبعض منهم مات بين جدرانه السميكة، يسمح لنا فيما بعد لفهم هذه الحركة الثورية وأسبابها، وإدراك درجة الرعب التي انتابت النظام ليلجأ لمثل هذه الطرق للقضاء على الأصوات المناهضة للطغيان السلطوي. فقد كان من المعروف عن هذا السجن، بأن من يجتاز بوابته الضخمة، لا يخرج إلا ليدخل مصحة المجانين أو المقبرة. الأسوار عالية لدرجة أنها تحجب الشمس حتى على الطابق الثاني للسجن. سمك جدران القلعة تتجاوز الثلاثة أمتار، الأروقة والزنازين كانت مظلمة وشديدة الرطوبة نتيجة تسرب مياه نهر النيفا في الشتاء. أثاث الزنزانة القليل، مثل السرير والطاولة والمقعد كانت مثبتة في الجدار وفي أرضية الزنزانة. النافدة الوحيدة العالية والقريبة من السقف كانت محصنة بثلاث طبقات من القضبان الحديدية. غير أن أسوأ ما كان في هذا السجن المحصن، بالإضافة إلى الجوع والبرد والجرذان، هو الصمت، الصمت المطبق والكامل طوال الأيام والليالي والأشهر والسنوات، مما يجعل السجين يفقد إتصاله بالحياة ويفقد عقله تدريجيا. فقد كان يمنع منعا باتا على المساجين الكلام أو الصراخ أو إصدار أي صوت، وكان يمنع أيضا على الحراس والسجانين الحديث مع السجناء، وكانوا يلبسون أحذية مغلفة باللباد الكاتم للصوت، حتى لا يسمع المساجين وقع خطواتهم في الممرات الباردة. بالإضافة إلى كل ذلك كان هناك بطبيعة الحال، وبالذات في الأسابيع الأولى التحقيقات المتواصلة، فترات التعذيب الجسدي، والحرمان من الأكل والنوم والتدفئة. هذا السجن كان مصنعا للموت والجنون، حيث كان مخصصا حصريا للسجناء السياسيين، سواء الذين قاموا بأعمال المقاومة المسلحة ضد السلطة، أو ماكان يسميهم النظام منذ ذلك الوقت بالإرهابيين، أو الذين كانت السلطة تخاف من إنتشار أفكارهم الثورية و"الهدامة" أن تنتشر في المجتمع وتحرض الجماهير التي تعاني من القهر والفقر والجهل والإقطاع والعبودية، على الثورة وقلب النظام. غير أنه رغم كل هذه الظروف‘ فإن الحرية لا يمكن اجتثاثها من الإنسان الواعي لظروف المجتمع الذي يعيش في أحضانه، فقد تمكن العديد من الثوريين من مواصلة أعمالهم الأدبية أو الفكرية أو النظرية ومواصلة الكتابة عندما يحصلون على الورق والحبر. وهو الحال مع دوستوييفسكي، تشيرنيفسكي، وباكونين الذي كتب اعترافاته الشهيرة داخل جدران القلعة، كذلك فيرا فيغنر التي بقيت ثلات سنوات في القلعة، ثم نقلت إلى المنفى السيبيري لمدة 12 عاما قبل أن يصدر عنها عفو نتيجة الضغوط الشعبية والعالمية للعفو عن سجناء الرأي. غير أن العديد مات بالجنون والخبل العقلي، وبعضهم مات تحت التعذيب وبالأسقربوط وبالأمراض العديدة الناتجة عن غياب الشمس والعيش في الرطوبة والعتمة وسوء التغذية والصمت سنوات عديدة.
#سعود_سالم (هاشتاغ)
Saoud_Salem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عيون اوفيليا
-
مقاطع
-
ثمن العودة
-
الجيش الأمريكي والسيطرة على الكرة الأرضية
-
كل عام وأنتم بخير
-
مزايا الجيوش وصناعة الحرب
-
الصفحة البيضاء
-
حوار مع سعود سالم
-
الثقب السادس
-
الثقب الخامس.. اليقظة
-
الثقب الرابع
-
عاصمة القياصرة
-
عن « غباء- الذكاء الصناعي
-
الذكاء الاصطناعي
-
-لماذا يوجد شيء بدلًا من لاشيء؟-
-
الحجرة رقم 22
-
بيروقراطية المعاطف
-
أودرادِك
-
ثقوب المرايا
-
من عبودية الإقطاع إلى عبودية الرأسمالية
المزيد.....
-
أحمد الشرع يزور برلين الثلاثاء.. وبراك: نعمل على استئناف -مف
...
-
وداعا للحلم الأمريكي.. ترامب يقرر إغلاق -مخيم الأفغان- في قط
...
-
النيابة الفرنسية تطلب السجن أربع سنوات للإيرانية إسفندياري ث
...
-
تركيا: -سلطان أوسلطانة ليوم واحد-… سياح يعيشون التاريخ العثم
...
-
ترامب عن احتجاجات إيران: عمليات القتل خلال حملة القمع تراجعت
...
-
نهب تُحف السودان ودورُ فرنسا.. هل تمحو الحرب التاريخ الفرعون
...
-
خيراتنا تكفينا لكن الجوع يلاحقنا، لماذا؟
-
إيران: ماذا تريد واشنطن .. إسقاط النظام أم إضعافه؟
-
العاهل السعودي يدخل المستشفى لإجراء فحوص طبية
-
مجلس للسلام وحكومة تكنوقراط بغزة.. كيف ستمارس الحكومة عملها
...
المزيد.....
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
-
المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة
/ حسنين آل دايخ
المزيد.....
|