أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعود سالم - الحجرة رقم 22















المزيد.....

الحجرة رقم 22


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 8540 - 2025 / 11 / 28 - 13:50
المحور: الادب والفن
    


ثقوب المرايا
الثقب الثالث - الحجرة

بعد الحريق، بعد الفيضان، بعد الزلزال، بعد القنابل، بعد الدمار الشامل، يعم الصمت، ثم تبدأ الحكايات، وتعود الحياة، كما كانت ولكن بطريقة أخرى. تتحول الساحة المحترقة إلى حجرة بسيطة في الطابق الثاني من مدينة ميتة. ويظلّ الهواء في تلك البقعة كثيفًا، شفّافًا يحمل بصمات الرعب، كأن العالم هناك لم يلتئم ولم يلملم أطرافه المبعثرة. من بين الأنقاض خرج أودرادِك دون أن يفقد سوى القليل من خيوطه التي أحترقت في الإنفجار، وقد تمكن من جرجرة نفسه الخشبية حتى مدخل العمارة، ثم تمكن بمساعدة طفلة صغيرة من تسلق الدرج والوصول إلى الغرفة، حيث وصل قبله الرجل والمرأة، ووجدهما جالسين أحدهما قبالة الآخر في صمت.
نظر أودرادِك نحو الرجل ثم نحو المرأة، ثم أقترب منهما وكأن خيوطه وجّهت انتباهه إليهما، ولكنه لم يقل شيئا، فقد كان ما يزال يتنفس بصعوبة نتيجة المجهود الذي بدله للصعود حتى الطابق الثاني.
قال الرجل:
ـ أشعر بأنّه يريد منّا شيئًا.

ابتسمت المرأة ابتسامة عاجزة:

ـ الكائنات التي لا معنى لها لا تريد شيئًا… هذا ما يجعلها مخيفة. إنه يلاحقنا، هذا ما يريده على ما يبدو.
ثم أضافت:

ـ نحن من يبحث عن رغبة لهذه الكائنات التي تلتصق بنا، كي نفهمها، ولكي نفهم أنفسنا
.
ـ وهل سنفهم؟

ـ لا. لكننا سنحاول، ومن محاولتنا سينشأ العالم من جديد… أو ينهار. ولكنه انهار.
أصدر أودرادِك خشخشة أطول هذه المرة، تشبه صوت أمواج البحر، فاهتزّت الحجرة الصغيرة بكاملها، كأنها قارب صغير يتأرجح تتقاذفه أمواج بحر هائج، أو كأنها تراجعت خطوة للخلف. والرجل أيضًا والمرأة… شعرا كأنهما يبتعدان، بل يرتفعان في الفراغ تاركين ذواتهما ملتصقة بأرضية الحجرة.
قال الرجل بقلق صريح:

ـ أشعر أننا على وشك أن نفقد… شيئًا.

قالت المرأة:

ـ أنت دائما تقول عكس ما أفكر فيه .. نحن لا نفقد الأشياء. الأشياء تنفصل عنّا حين ندرك أننا لم نعد نعرف سبب حضورها أمامنا. الأشياء تظهر أو لاتظهر. تلتصق أو لا تلتصق بجلودنا.
وتقدّم أودرادِك خطوة واحدة خفيفة. خطوة واحدة فقط. لكن العالم بعد تلك الخطوة… لم يعد كما كان. ظلّ أودراديك واقفًا، خيطيًا، ثابتًا في مدخل الحجرة التي تموج بصمتها الثقيل، فيما يراقب الرجل والمرأة بعضهما البعض، وحتى ظلالهم باتت تلتف وتتلوى في حذرٍ مريب. فجأة، سُمع صوت خفيف، ثم وقع خطوات تبدو بعيدة كأنها قادمة من دهليز تحت الأرض، كأن أقدامًا تلامس أرضية خشبية، ومن خلف خيوط الهواء البارد ظهر السيد نون على المدخل. ظهر كما تظهر فكرة في حلم، جسمه لم يكن ضخمًا ولا نحيلا، لكنه ملموس بوضوح، بشعر خفيف بلا لون، بنظرة هادئة، كمن جاء من شارع جانبي، ليلتقي ببعض معارفه مساء على ضوء القمر. ولكنه بدا كمن تربّص بهذا العالم منذ وقت طويل. رفع يده قليلاً، كما لو يسأل إذنًا لوجوده وسط تلك الفوضى الميتافيزيقية، ولم تبدو على وجهه أي علامة من علامات المفاجأة.
قال الرجل بصوت مرتجف:

ـ من أنت؟

قال نون بهدوء:

ـ أنا… زائر غير مدعو، أو مدعو ممن لم يدعوني.
وقالت المرأة وهي تنهض من مقعدها وتقترب لتتفحص السيد نون عن قرب:
ـ أهذا أنت؟
ثم واصل السيد نون وهو ينظر حوله متجاهلا ملاحظة المرأة:
ـ في الحقيقة، هذه قوقعتي.
ابتسمت المرأة بسخرية:

ـ كيف دخلت في أحلامنا؟ ولماذا نحن هنا؟

نون أغمض عينيه قليلاً، ثم أجاب:

ـ أنا جزء من الفراغ العام، أدخلتكم في عالمي لأدخل في أحلامكم، هكذا كانت الصفقة. وفضائي الحيوي هو هذه الفكرة، الفكرة التي تتوسّط بين ما هو كائن وما سيكون، إنها مغارة الظلال، دعوتكم لتدعوني إليها. لنعرف.
تقدّم نون باتجاه أودراديك، ونظر إليه نظرة فاحصة. كأنّه يراه للمرة الأولى، لكن أودرادِك أحس بنوع من الخوف، خاف أن يتلاشى، يمسحه السيد نون من الوجود، خاف من نظرة نون التي لم تكن مجرد نظرة، بل سؤال صامت، شديد القسوة. نظرة لم تجرّده من وجوده، بل لامسته كما لو يلمّس دفترًا قديمًا.
قال نون:

ـ أنت… تشبه أفكارا قديمة، أفكارا ضائعة، أو أفكارا لم تُخلق بعد.
ابتسم أودرادِك بصوت يشبه الخشخشة، ثم تنحنح وكأنه يقول:

ـ وما علاقتك بي، هل تعرفني؟

قال نون، وكأن كلماته تنبثق من بُعد أعمق من الفهم:

ـ أنا لست أنا، وأنت ربما تكون أنا، أخاف أن أكون مرآة، مرآة تعكس ذاكرة الآخرين وتبتلع ما أراه. علاقتي بك هي علاقتي مع إنعكاسات هذه المرآة. أعرف أنك غبت طويلا، وها أنت تعاود الظهور كالعادة. لكن لا تقلق، سأحتفظ بك، رغم إنك لم تكن جزءا من المشروع.
نظر الرجل إلى المرأة متسائلا، فنظرت بدورها إلى السيد نون وقد تغيّر مظهرة الخارجي: لم يعد يظهر كإنسان عادي، بل كفكرة إنسان في فهرس كتاب قديم، كمعادلة معقّدة لا يمكن تبسيطها.

قال الرجل مسائلا السيد نون:

ـ لماذا جئنا، وماذا تريد منا؟

قال نون، بنبرة متمهلة وهو يشير بسبابته إلى أودرادِك:

ـ لأرى ما سيفعل هذا الكائن بهذا العالم، وماذا ستفعلون به.

ثم أضاف:

ـ ولكني أخاف أن الخيط الذي لامسته سيعيد تشكيل الظلال من جديد، وأن العالم الذي أعرفه لن يعود كما كان.
توقف، ونظر إلى النافذة. كأنّه يفحص كل نقطة في الفراغ، كل تشقّق في الهواء، كل صوت خفي بين الصمت والصمت. ثم التفت إلى الرجل ثم إلى المرأة التي يبدو عليها بعض الملل من هذا الحديث الذي يدور حول نفسه ويعض ذيله:

ـ إننا هنا، جميعًا، نحاول فهم شيء لا نعلم ما هو. أودرادِك يفهم، أنا أفهم، وربما أنتم تحاولون أيضا. لكن الفهم… غالبًا ما ينقلب على نفسه.
هزّت المرأة رأسها ببطء وبسخرية خفيفة قالت بهدوء:

ـ ثم ماذا؟ ماذا سنفعل بهذا الفهم؟ العالم هو ماهو، فهمناه أم لم نفهمه، هذا لن يجعل الشمس تشرق من الغرب ولن يغير قانون الجاذبية.

نون تنهد، وكأنه يقول ذلك لعدة أجيال دفعة واحدة:

ـ سنفكر. سننتظر. وربما… سنسلخ ظلنا عن أجسادنا كي نرى ما وراء جلودنا. ننتظر حتى نعرف
في تلك اللحظة، أودرادِك ارتجّ، وخيوطه اهتزّت كما لو أنه كان صوتًا خفيًّا يردُّ على كلام نون. ثم، دون سابق إنذار، التفت نون، ابتعد بضع خطوات، وبدأ يذوب تدريجيًا في الهواء كقطعة من الضباب، كما لو أن الصمت أو العتمة ابتلعته. لكن كلماته ظلت معلّقة في الفراغ مثل لافتة إعلانية: “سنخلع أنفسنا من ظلّنا…” وبدأ أودراديِك يرتجّ ارتجافًا خفيفا، كرنين المنبه، خيوطه التي اعتادت أن تلتف حول ذاتها كآلية دفاعية، انفلتت فجأة، كأنّها تبحث عن شيء داخل الهواء، أو كأن قوة مغناطيسية خارجية تجذبها. وبدأت خيوطه المتعددة في الإنفلات والتكوم خارجه في أشكال مختلفة ومتغيرة على الدوام، كأن هناك من يريد تكوين شيء ما من هذه الخيوط الباهتة. وبين الانفلات والإرتجاج المتواصل، ظهر السيد نون من جديد وهو ينفض ملابسه كأنه عائد من سفر طويل في صحراء الرمل والرمضاء. خرج السيد نون من إنعكاس صورة الخيط ذاته. ظلّ أودرادِك بدأ يتطاول، ثم يتكاثف، ثم يتخذ شكلًا بشريًا عملاقا في البداية، ثم تدريجيا يتقلص حتى يناسب ظل السيد نون.
تساءلت المرأة بصوت لم يسمعه أحد:
"أيهما الأصل؟ وأيهما النسخة؟"
لم يجب أحد، لأن أحدا لم يسمع. حتى السيد نون بدا متردّدًا، كأنه يكتشف نفسه للمرة الأولى.
قال نون، بصوت يخرج من عمق لا ينتمي إلى جسده الظاهر:

ـ لا تبحثوا عن بداية. البداية ظل أيضًا، ككل شيء هنا.
ردّ أودرادِك بصوت الخشخشة التي تشبه ضحكةً، ضحكة تعرف أن السؤال بلا جدوى:

ـ إنني أتمدد حيث ينكمش، أتلاشى حيث يزداد وضوحًا
.
ـ وأنا، في حضوره، ـ قال نون ـ أرى ما كنتُ أحاول ألا أراه.
تقدم الرجل خطوة إلى الأمام، لم تكن الخطوة جريئة، بل أشبه بمحاولة اختبار لمقاومة الهواء. ثم قال موجها سؤاله إلى السيد نون وإلى أودرادِك في نفس الوقت:

ـ إن كنتَ ظله، فأين يبدأ هو؟ وأين تنتهي أنت؟

نون وأودرادِك لفهما صمت ثقيل بالتوجس. ثم أجابا معًا، كأن الصوت خرج منهما في آن واحد:

ـ نحن…متبادلان. كلٌّ منا يحدث في الآخر.
وتناهت لأسماعهم ضوضاء بعيدة، كصوت مدينة في هياج أو في طريقها للاندثار. كأن العالم نفسه استوعب الحقيقة متأخرًا. المرأة وضعت يداها على صدرها، وشعرت بنبض غريب يضرب أضلاعها من الداخل. لم يكن نبضًا بشريًا، بل نبض شيء يتكاثر وينقص في الوقت نفسه، يظهر ويختفي.
قالت المرأة وهي ما تزال تتحسس صدرها:

ـ أشعر بأن جزءًا منّي يتلاشى.

رد السيد نون، وهو ينظر إلى أودرادِك بنظرة اعتراف:

ـ عندما يقترب الظل من الأصل إلى هذا الحد، لا يعود هناك شيء ليمسك باي شيء، الكل يذوب في الكل.
ابتعد أودرادِك خطوة صغيرة، فتقلص ظلّ نون، ثم اقترب، فتمدد ظل نون من جديد. كان المشهد كما لو أن الظل هو الزر أو صمام الكينونة. وكأنّ الوجود كلّه يتنفس من خلال هذين الكائنين المتداخلين.
قالت المرأة يائسة من الحصول على إجابة مقنعة:

ـ هل سيبتلع أحدكما الآخر؟

أجاب نون وأودرادِك في جملة واحدة :

ـ ليس ابتلاعًا… بل

ـ اندماجًا مؤجَّلًا.

يتبع



#سعود_سالم (هاشتاغ)       Saoud_Salem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيروقراطية المعاطف
- أودرادِك
- ثقوب المرايا
- من عبودية الإقطاع إلى عبودية الرأسمالية
- روسيا بلاد النبلاء والعبيد
- مرايا الزمن
- بلاد الثلج والقياصرة والفودكا
- معرض -تكوين- التشكيلي
- أفول العقل المطلق
- فويرباخ والإستلاب
- نهاية هيجل
- الصيرورة في الكينونة والعدم
- هيجل وعلم المنطق
- السلب والإيجاب عند هيجل
- هيجل
- الجسد معبد اللغة
- تفتت الأنا
- ميلاد الموتى
- دهاليز الروح
- سبينوزا ونهاية المغامرة


المزيد.....




- رواية -أيتها القُبّرة-.. كيف يواجه المهاجر العربي الشيخوخة و ...
- فيلم -كولونيا-.. بيت مغلق ومواجهة عائلية مفتوحة
- المجلات الثقافية العراقية في المعهد الثقافي الفرنسي
- على خطى الساموراي.. استكشف بلدات -ناكاسندو- التي لم يغيرها ا ...
- الفنانة السودانية بلقيس عوض.. سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وت ...
- المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
- كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م ...
- تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن ...
- -خذلنا الشعب وفشلنا-.. الممثلة البريطانية الإيرانية نازانين ...
- 7نصوص هايكو:الشاعر محمد عقدة ,دمنهور.مصر.


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعود سالم - الحجرة رقم 22