|
|
ثمن العودة
سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 14:05
المحور:
الادب والفن
ثقوب المرايا الثقب الثامن
انبثق الضوء فجأة في أرجاء الحجرة، فأضاء وجه نون ورسم ظله على الأرضية، الضوء لم يكن صادرا من اللمبة المعلقة في السقف؛ بل يبدو كأنه يأتي من داخل السقف والجدران ـ فوعي نون أنعكس على نفسه وأدرك ذاته بعد غياب طويل. وشعر ببرودة الهواء أولاً، ثم بملمس شيء خشن تحت كفّه. فتح عينيه ببطء، ووجد نفسه في غرفة ضيقة، مساحة من تلك المساحات التي توضع فيها الكائنات الجديدة قبل أن يبدأ عدّها وترتيبها. كان مستلقيًا على سرير بملاءات بيضاء، وبجانبه طاولة صغيرة عليها كأس ماء ومنفضة وبقايا تفاحة، وكراسة قديمة. أودراديك كان متكأ على باب الحجرة المغلق، كأنه كان يراقبه وينتظر أن يستيقظ . خيوطه مرتّبة بشكل غير معتاد، كأن هناك من أعاد لفّها بيد خبيرة. ـ هل عدت من جديد؟ سمع نون نفسه يسأل أودرادِك بصوت بلا لون: لقد أختفيت كعادتك لفترة من الوقت، أين كنت؟ أودراديك لم يجب. بل انزلقت أحد خيوطه من فوق الكراسة، ثم جذبها نحوه ببطء شديد، كأنه يخاف أن يُجرحه الورق. ثم لمس الغلاف بخيط آخر مرتجف. نظر إليه نون متسائلا:
ـ هل هذه…هي الصفحة؟ أودراديك أومأ بالإيجاب، ثم رفع خيطًا صغيرًا، يشير به إلى زاوية الكراسة. فتح نون الكراسة. كل صفحاتها كانت بيضاء بلا كتابة…بياض كصحراء ثلجية تركض فيها عربة مسرعة تقودها مجموعة من الكلاب المدربة. سكت طويلاً، يحاول أن يتذكّر ذلك الممر الطويل، يحاول أن يتذكّر نَفسَه وهو يلهث في هذه الصحراء تتبعه كلاب القيصر، لكنّ ذاكرته كانت مقطّعة مثل لوح خشب تسرّبت إليه الرطوبة. قال أودراديك أخيرًا بصوتٍ يشبه اهتزاز ورقة: ـ الصفحة ليست شيئًا يُكتب. . يبدو أن صفحتك عاجزة عن أن تكتبك، كراستك مليئة بالثقوب التي يتسرب منها الحبر. نون شعر بثقل الكلمات وعبثية الفكرة. جلس مستقيمًا على السرير ورأسه مطأطأ مغمض العينين. لقد ضاعت كل الكلمات والحروف التي انشغل بتصفيفها طوال سنوات، كان ينهض أحيانا في منتصف الليل لينقش كلمة أو فكرة أو عبارة، وكان أحيانا يقضي ليال بيضاء دون أن يشعر بالرغبة في النوم ليواصل الكتابة حتى الفجر .. وهاهي كل هذه الغابة من الكلمات والأفكار أحترقت، تبخرت وانزلقت نحو العدم .. لم يبق سوى الصفحات البيضاء . وبعض بقع من الحبر الذي يلطخ الهوامش. حاول أن يكتب جملة في ذهنه… لم يجد الكلمة الأولى، لم يعرف من أين يبدأ .. القلم لم يتحرك. يده لم تتحرّك، أصابها شلل وقتي، وكأن الورقة تشترط شيئًا قبل السماح له بخط الحرف الأول. همس للصفحة عدة أصوات بلا معنى، لا جواب، الفراغ كان يتنفس أمامه، فراغٌ يحثّه، يدفعه، ينتظره. لم يفهم. ثم سمع صوتًا آخر، ليس من أودراديك، بل من صورته في المرآة: ـ لا تعقد الأمور، يجب البداية من البداية، بداية الكلمة .. أي حرف .. الحرف الأول .. نون فتح عينيه، ولم يقتنع بالفكرة، لا داعي للكتابة، قال لنفسه، ستتبخر الحروف وتختفي مع بزوغ الشمس وارتفاع الحرارة .. ثم قال بصوت مسموع: .ـ الألف لا يلهمني، إنه صامت كمقبرة، لا أحب الأصابع التي تشير إلى السماء.
نظر إلى الصفحة. غير أن أودرادِك حاول أن يتفلسف ويقنعه مرة أخرى: ـ ماذا لو أنك كتبت الحقيقة. حتى الآن لم تكتب ما يجب كتابته ..
ضحك نون بطريقة مبهمة وقال بنرفزة: ـ سأكتب ذلك إن شئت: الحقيقة الحقيقة الحقيقة .... ـ لا تتظاهر بالغباء .. أعني أن تكتب "الحقيقة" ـ ما الفرق بين الحقيقة والـ "حقيقة" بين قوسين أو ثلاثة أقواس .. ـ الفرق واضح كالشمس .. هناك الحقيقة كدلالة، والحقيقة كمعنى، والحقيقة كصورة والحقيقة كـ .. - لا يوجد شيء إسمه الحقيقة، هناك أشياء أو مواقف أو قضايا يمكن أن تكون حقيقية أو لا حقيقية، لكن لا شيء إسمه الحقيقة .. - يبدو أنك لا تريد أن تفهم .. نحن في عالم الحروف والكلمات .. عالم الكتابة، كل شيء ممكن ..
ـ لا أريد أن أكذب .. هذا الكرسي الخشبي .. إنه حقيقة مادية لا أشك فيها، ولكن القول بأنه جميل أو قبيح، يزخر بالمعاني والذكريات، ويلهمني للكتابة .. فهذا لغو فارغ .. فقال أودرادِك وهو يحاول أن يكبح غيظه: ـ لا تهمنا هذه الحقائق المادية، حتى الأطفال يدركونها دون عناء، نحن نتكلم عنك أنت .. حقيقتك أنت الداخلية .. ـ أي حقيقة؟
حقيقتك. بماذا تشعر الآن وأنت أمام هذه الصفحة البيضاء .. عن همومك وأحلامك ومشاريعك ..
هذا لا علاقة له لا بالحقيقة ولا ... بالبطيخ...
ولكن هذا ما يريدونه منك .. لا بد أن تفتح باب حجرتك المغلقة، أن ترينا ما في داخل الخزانة ... الأحاسيس والمشاعر والذكريات .. يجب أن تسيل الدموع على الوجوه .. مدّ نون يده من جديد. كان القلم باردا. الصفحة ملساء باردة. العالم كله بارد كقطعة من الثلج، إلا موضعًا صغيرًا خلف أضلاعه يتحرّك بخوف طفلٍ يوشك أن ينطق اسمه لأول مرة. أودرادِك أقترب منه وقال له هامسا: - أكتب: "سأحاول أن أعرف نفسي… وهذه أول محاولة.» وحين كتب الكلمة الأخيرة، شعر بإهتزاز خفيف في كل أرجاء الغرفة‘ الإضاءة والجدران والطاولة والكرسي والقلم الذي في يده .. أهتز كل شيء لجزء ضئيل من الثانية، لمسةُ حياةٍ مرّت في الجدران، العدم نفسه صفّق ترحيبا بالفكرة. أودراديك تقدّم نحوه، ووضع خيطًا فوق إصبعه، كأنّه يختم البداية. نون تنفّس بصوت مسموع. لأول مرة، شعر أنه حيّ…لا لأنّه عاد إلى الرقم 22، بل لأنّه كتب الجملة الأولى المعلقة في طرف القلم منذ زمن. ثم لاحظ ظهور النافذة أمامه كدعوة للخروج من قوقعته، النافذن لم تكن موجودة قبل لحظة، وانفتح الضوء من الخارج، ضوءٌ طبيعي، دنيويّ، ضوءٌ لا ينتمي لا للشمس ولا للكهرباء. قال أودراديك: — لقد عُدتَ… إلى المكان الذي تُكتب فيه الصكوك، لا الذي تُحاكَم فيه. يمكنك أن تكتب سيرتك كما تشاء، تكتب سيناريو حياتك من جديد، تغير ما حدث وما سيحدث .. ولكن لا تنسى أن تبقى في المركز .. إحذر الهوامش .. نهض نون. حمل الكراسة بين يديه. ثم فتح الباب. وخطى خارج الحجرة، ثم سار عدة خطوات في الممر حتى الدرج المؤدي للطابق الأرضي ثم انزلق مسرعا إلى الشارع. كان العالم ينتظره، ليس لأنه مهم، ولا لأنه نجح في الإمتحان واجتاز العقبة الأولى، بل لأنه يحمل صفحتة الوحيدة…صفحة تحمل كلّ ما يُرجى منه أن يقول للعالم. ومع كل خطوة، كان يشعر بظلٍّ خفيف يتقدّم معه، ظلّ أودراديك، لا كحارسٍ ولا كعبء، بل كاسمٍ جانبيّ يرافق نصّ الكاتب… حتى يكتمل. وهكذا بدأ نون عودته إلى الحياة، لا ليعيش حياته… بل ليكتب نفسه كما يتصوره الآخرون، ذلك هو الثمن.
يتبع
#سعود_سالم (هاشتاغ)
Saoud_Salem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الجيش الأمريكي والسيطرة على الكرة الأرضية
-
كل عام وأنتم بخير
-
مزايا الجيوش وصناعة الحرب
-
الصفحة البيضاء
-
حوار مع سعود سالم
-
الثقب السادس
-
الثقب الخامس.. اليقظة
-
الثقب الرابع
-
عاصمة القياصرة
-
عن « غباء- الذكاء الصناعي
-
الذكاء الاصطناعي
-
-لماذا يوجد شيء بدلًا من لاشيء؟-
-
الحجرة رقم 22
-
بيروقراطية المعاطف
-
أودرادِك
-
ثقوب المرايا
-
من عبودية الإقطاع إلى عبودية الرأسمالية
-
روسيا بلاد النبلاء والعبيد
-
مرايا الزمن
-
بلاد الثلج والقياصرة والفودكا
المزيد.....
-
غوينيث بالترو تكشف عن فقدانها لدور سينمائي بعد إعلان انفصاله
...
-
تطورات الحالة الصحية للفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
-
وزير الإعلام اللبنانى ينعى نجل الفنانة فيروز
-
الممثلة المصرية لقاء سويدان تكشف إصابتها بالعصب السابع على ا
...
-
-Paname-.. معرض الفنان التشكيلي الجزائري بلال حمداد يدخل با
...
-
بعد صدور كتابه - أبو الهول حارس السر المجهول - ؛ اختيار عمرو
...
-
سارايكتش للجزيرة نت: الاستشراق الصربي تحول إلى أداة لتبرير إ
...
-
قصة الحب وراء تاج محل.. لماذا تتعدّد الروايات حول من شيّده؟
...
-
كيف تشكّل اللغة إدراكنا البصري؟
-
باب شرقي وحيّه.. حيث تبدأ دمشق ويُشرق المعنى
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|