سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 16:01
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
في يوم 31 ديسمبر من كلِّ عام، يقف الإنسان المعاصر عند عتبةٍ وهميّة أو بوابة لا وجود لها، يسمّيها “العام الجديد”، كما لو أنّ الزمن كائنٌ له أبواب تُغلق وأخرى تُفتح، أو كما لو أنّ الأيام تحمل ذاكرةً تُمحى عند منتصف الليل، لتبدأ صفحة جديدة. تتبدّل الأرقام، فتشتعل الألعاب النارية، وتُرفع الكؤوس، ويُعلن الفرح احتفالًا بانتصارٍ غامض لم يخض أحد معركته.
إنّ عبثية الاحتفال بالعام الجديد لا تكمن في الفرح ذاته، بل في المعنى الذي نُلصقه به. فالزمن لا يعرف بدايات ولا نهايات؛ بل أن الزمن ذاته لا وجود له فعليا، إنه مجرد علاقة، هو تدفّقٌ أعمى، لا يتوقّف ليصافحنا ولا ينتظر تصفيقنا. الثانية أو الدقيقة التي تسبق منتصف الليل في يوم 31 ديسمبر، لا تختلف جوهريًا عن تلك التي تليها، ومع ذلك نصرّ على التعامل معها كحدثٍ كونيّ يستحق الطقوس والضجيج وكمرور من عام إلى آخر.
نحتفل لأننا نخشى الاستمرار الصامت للأيام. نحتاج إلى وهم القطيعة مع الماضي، إلى لحظة نُقنع فيها أنفسنا بأن الفشل والخطأ وعدم التحقق لمشاريعنا قد انتهى، كل ذلك سيتغير فقط لأن التقويم تغيّر. نعلن “سنة جديدة” كي نصدّق أن الحياة منحتنا فرصةً أخرى، مع أنّها لم تتوقّف يومًا عن منح الفرص ولا عن سلبها. إنّه احتفال بالترقيم، لا بالتحوّل الحقيقي.
في هذه الليلة، يقدّم الإنسان وعودًا يعرف مسبقًا أنه لن يحققها: سأكون أفضل، سأغيّر حياتي، سأبدأ من جديد، سأبدأ في تحقيق ههذا المشروع أو ذاك. لكن البداية المؤجَّلة إلى رقمٍ قادم ليست إلا هروبًا من مسؤولية اللحظة الراهنة. فالعبث هنا يتجلّى في انتظار زمنٍ رمزيّ ليقوم الإنسان بما كان قادرًا عليه في أيّ يومٍ عادي.
ومع ذلك، يستمرّ الاحتفال. ليس لأنّه عقلاني، بل لأنّ الإنسان كائنٌ يبحث عن المعنى حتى في أكثر الأشياء خواءً. لعلّ العام الجديد ليس سوى مرآةٍ تعكس حاجتنا العميقة إلى الوهم، إلى طقسٍ جماعيّ يخفّف ثقل العيش، ويمنحنا إحساسًا زائفًا بالسيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه.
وهكذا، بينما يمضي الزمن غير مبالٍ بصخبنا، نحتفل نحن بعبثٍ جميل: نعلم في أعماقنا أنّ شيئًا لم يتغيّر، ومع ذلك نبتسم، كأنّ الابتسامة نفسها فعل تمرّد صغير في وجه لا مبالاة الوجود.
#سعود_سالم (هاشتاغ)
Saoud_Salem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟