منصور رفاعي اوغلو
الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 09:46
المحور:
القضية الكردية
شهدت الساحة السورية خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة، كان من أبرزها تراجع النفوذ العسكري والسياسي للقوى الكردية في عدد من المناطق، نتيجة عوامل داخلية وخارجية معقدة. هذه الهزائم المتتالية لا تعني نهاية الدور الكردي في سوريا، بقدر ما تفتح الباب أمام مرحلة جديدة تفرض إعادة التفكير في العلاقة بين الأكراد وبقية مكونات المجتمع السوري، والبحث الجدي في سبل الاندماج الوطني بعيدًا عن الصراع والانقسام.
إن اندماج الأكراد في المجتمع السوري لا يعني ذوبان هويتهم القومية أو الثقافية، بل على العكس، يقوم على الاعتراف بالتعددية التي تميز سوريا تاريخيًا. فالاندماج الحقيقي يبدأ من الإقرار المتبادل بأن الأكراد جزء أصيل من النسيج السوري، لهم حقوق وعليهم واجبات، مثلهم مثل العرب والسريان والتركمان وغيرهم.
أول خطوات الاندماج تكمن في المسار السياسي. فبعد تراجع المشاريع الانفصالية أو شبه المستقلة، يصبح الانخراط في مشروع وطني سوري جامع ضرورة لا خيارًا. ويتطلب ذلك مشاركة الأكراد في الحياة السياسية السورية ضمن أطر دستورية واضحة، تقوم على اللامركزية الإدارية، وضمان الحقوق الثقافية واللغوية، دون المساس بوحدة الدولة وسيادتها.
أما على المستوى الاجتماعي، فيُعد تعزيز الثقة بين الأكراد وبقية المكونات السورية أمرًا محوريًا. فقد خلّفت سنوات الحرب خطابًا مشحونًا بالشكوك والمخاوف المتبادلة. وهنا يبرز دور النخب الثقافية والاجتماعية في نشر ثقافة الحوار، ونبذ الخطاب القومي المتشدد، والعمل على ترميم العلاقات بين المجتمعات المحلية، خصوصًا في المناطق المختلطة.
وفي الجانب الاقتصادي، يمكن أن يشكّل التعاون مدخلًا عمليًا للاندماج. فالمناطق ذات الغالبية الكردية تمتلك موارد بشرية وطبيعية مهمة، ويمكن لإعادة دمجها في الاقتصاد السوري العام أن تسهم في تحسين الظروف المعيشية، وتقليل دوافع التوتر والصراع. التنمية المشتركة تخلق مصالح متبادلة، وهي من أقوى أدوات الاستقرار.
كما لا يمكن إغفال أهمية البعد الثقافي والتعليمي. فالاعتراف باللغة الكردية كلغة ثقافية محلية، وتشجيع الفنون والتراث الكردي ضمن الإطار الوطني، يعززان شعور الانتماء بدل الإقصاء. التعليم المشترك، والمناهج التي تبرز تاريخ سوريا المتعدد، يمكن أن تلعب دورًا أساسيًا في بناء أجيال أقل قابلية للانقسام.
في المحصلة، إن الهزائم العسكرية، على قسوتها، قد تشكل فرصة لإعادة تقييم المسار. فاندماج الأكراد في المجتمع السوري ليس تنازلًا، بل هو مسار عقلاني يضمن لهم حقوقهم ضمن دولة مستقرة، ويمنح سوريا فرصة حقيقية لتجاوز جراح الحرب وبناء مستقبل قائم على الشراكة لا الإقصاء، وعلى التنوع لا الصراع.
#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟