فريدة لقشيشي
الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 10:06
المحور:
الادب والفن
قصة قصيرة القِندِيلُ الَّذِي لَا يَنْطَفِئُ
فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ عَلَى حَافَةِ المَدِينَةِ، كَانَتْ تَعِيشُ امْرَأَةٌ تَزْرَعُ القُلُوبَ كَمَا يَزْرَعُ النَّاسُ الأَشْجَارَ. كُلَّمَا وُلِدَ لَهَا طِفْلٌ، أَشْعَلَتْ قِنْدِيلًا فِي صَدْرِهَا، حَتَّى امْتَلَأَ قَلْبُهَا بِالسُّرُجِ.
مَرَّتِ السِّنُونَ، وَهَبَّتْ رِيَاحٌ قَاسِيَةٌ، فَانْطَفَأَ نِصْفُ القَنَادِيلِ. لَكِنَّ المَرْأَةَ لَمْ تَبْكِ كَمَا يَبْكِي النَّاسُ، بَلْ جَمَعَتْ الضَّوْءَ البَاقِي فِي كَفَّيْهَا، وَنَفَخَتْ فِيهِ، فَكَبُرَ وَاتَّسَعَ، وَأَضَاءَ بَيْتَهَا كُلَّهُ.
كَانَتْ لَهَا ابْنَةٌ صَغِيرَةٌ تَجْلِسُ قُرْبَهَا كُلَّ مَسَاءٍ، تُصْغِي إِلَى حِكَايَاتِهَا، وَتَرَى فِي عَيْنَيْهَا قَنَادِيلَ لَا تُعَدُّ. وَكُلَّمَا تَعِبَتِ المَرْأَةُ، قَامَتِ البِنْتُ، وَحَمَلَتْ لَهَا مَاءً، أَوْ سَوَّتْ لَهَا وَسَادَةً، أَوْ مَسَحَتْ عَلَى يَدَيْهَا كَأَنَّهَا تُرَمِّمُ الضَّوْءَ.
فِي لَيْلَةٍ هَادِئَةٍ، سَأَلَتِ البِنْتُ أُمَّهَا:
«لِمَ لَمْ يَنْطَفِئْ قِنْدِيلُكِ، وَقَدِ انْطَفَأَ كَثِيرٌ مِنْ قَنَادِيلِكِ؟»
فَابْتَسَمَتِ الأُمُّ وَقَالَتْ:
«لِأَنَّ القِنْدِيلَ الَّذِي يُشْعَلُ بِالحُبِّ لَا تَطْفِئُهُ الرِّيَاحُ.»
فَفَهِمَتِ البِنْتُ أَنَّ الأُمَّهَاتِ لَا يُنِرْنَ البُيُوتَ فَقَطْ، بَلْ يُنِرْنَ القُلُوبَ، وَأَنَّ مَنْ يَخْدِمُ أُمَّهُ، لَا يَحْمِلُ مَاءً أَوْ وَسَادَةً فَقَطْ، بَلْ يَحْمِلُ الضَّوْءَ نَفْسَهُ.
وَمِنْ يَوْمِهَا، كُلَّمَا أَشْرَقَ صَبَاحٌ، أَشْعَلَتِ البِنْتُ قِنْدِيلًا جَدِيدًا فِي قَلْبِهَا، وَقَالَتْ فِي سِرِّهَا:
«سَأَكُونُ ضَوْءَ ضَوْءِ أُمِّي… حَتَّى لَا يَنْطَفِئَ القِندِيلُ أَبَدًا.»
.
#فريدة_لقشيشي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟