أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بديعة النعيمي - السردية الصهيوأمريكية وصناعة الضحية الزائفة














المزيد.....

السردية الصهيوأمريكية وصناعة الضحية الزائفة


بديعة النعيمي
كاتبة وروائية وباحثة

(Badea Al-noaimy)


الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 18:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أصبح للسرديات اليوم دورا مهما كأداة تستخدم لتبرير الجرائم، وإعادة تعريف الضحية، وطمس المسؤولية الأخلاقية والقانونية. وقد لعبت الولايات المتحدة الأمريكية منذ قيام دولة الاحتلال عام ٤٨ دورا محوريا في بناء سردية منحازة للأخيرة لتثبيت دعائمها في جسد منطقة غريبة عنها في الشرق البراق الذي لطالما كان له سحره الخاص بالنسبة للغرب. سردية لم تكتف بتبرير الاحتلال، إنما كان لها سعيها الدؤوب في إعادة صياغة الوعي العالمي بحيث تصبح الوحشية والقمع دفاعا عن النفس، والقتل أمنا، والضحية خطرا يهدد الوجود.
وقد حرص الخطاب الأمريكي الرسمي آنذاك على تقديم المشروع الصهيوني كحل "لمأساة اليهود في أوروبا" والذي قرر أن تكون فلسطين وجهته، متجاهلا عمدا أن هذا القرار جاء على حساب شعب آخر سيتم اقتلاعه برغم تاريخه الطويل وجذوره الممتدة في الأرض وصنع نكبة رافقتها جرائم التطهير العرقي والتهجير الجماعي وتدميرأكثر من ٥٠٠ قرية ومسحها من الوجود وتغيير أسمائها، وقد تم تغييب هذه السردية عن الغرب واختزالها في عبارات مثل "نزاع" أو "حرب استقلال".
هذا التلاعب اللغوي كان بمثابة تأسيسا لسردية كاذبة هدفها نزع الشرعية من الفلسطيني كصاحب أرض، وتحويله إلى "عقبة تاريخية" في وجه دولة غاصبة.

ومع مرور الزمن، تطورت هذه السردية لتتلائم مع التحولات السياسية والعسكرية، لكنها حافظت على فكرتها التي تقول بأن دولة الاحتلال دولة مهددة تسعى للبقاء، والشعب الفلسطيني "الإرهابي" يشكل مصدرا للخطر عليها. بهذا جرى تجاهل حقيقة أن دولة الاحتلال هي قوة احتلال عسكري، تمتلك جيشا ونهرا دائم الجريان من الأسلحة الثقيلة والخفيفة المتطورة، مصدره "البنتاغون" ودول الغرب ، وتفرض هيمنتها وسيطرتها بالقوة على شعب مسلوب الحقوق. وهنا تتحول اللغة إلى أداة يتحكمون بها أيضا، فتنقلب الكلمة البشعة إلى بريئة ومسالمة، فالمجازر تنقلب لتصبح مجرد "أخطاء"، والاستيطان الشيطاني يصبح "توسعا عمرانيا"، والحصار المميت "إجراء أمنيا". وهكذا دواليك.
وغزة بالأمس واليوم، المثال الأوضح على هذا الكذب والتزييف. فمنذ فرض الحصار عليها، والخطاب الأمريكي لم يعتبرها منطقة منكوبة تضم أكثر من مليوني إنسان تحت ظروف لا إنسانية، بل كانت من وجهة نظره هي بؤرة الإرهاب التي تهدد أمن دولة الشتات. لذلك اختزلت آلاف الشهداء المدنيين في أرقام لا بشر، وأعيد إنتاج عبارة هناك ضحايا في كل حرب. وكأن وجود الضحايا أمر طبيعي، لا نتيجة مباشرة لاستخدام القوة الغاشمة والظالمة.

من هنا، جاء تصريح وزير الخارجية الأمريكي السابق "مايك بومبيو" مؤخرا،
والذي جاء فيه "نحتاج إلى التأكد من أن تروى القصة في المستقبل على نحو صحيح، بحيث لا تكتب كتب التاريخ عن ضحايا غزة..كان هناك ضحايا في غزة، هذا صحيح.. فهناك ضحايا مدنيون في كل حرب دارت. لكن الضحايا كانوا شعب دولة إسرائيل". ليكتسب دلالته الخطيرة. فهو لم يكتف بتبرير العدوان، إنما ذهب خطوة أبعد حين تحدث صراحة عن ضرورة "أن تروى القصة في المستقبل على نحو صحيح"، محذرا من أن تكتب كتب التاريخ عن "ضحايا غزة"، ومؤكدا أن "الضحايا كانوا شعب دولة إسرائيل".
تصريح إنما عبر عن سياسة مدروسة تهدف إلى السيطرة على الذاكرة الجماعية، وإعادة تعريف مفاهيم أساسية مثل الضحية والجريمة.
إن الزيف في هذا الكلام يكمن في قلب العلاقة بين القوة والضعف. إذ كيف يمكن لدولة تمتلك ترسانة عسكرية هائلة، وتحاصر شعبا أعزل، وتشن عليه حروب إبادة متكررة، أن تقدم بوصفها الضحية؟ وكيف يمكن لآلاف الأطفال الذين استشهدوا تحت الأنقاض أن يتم مسحهم من التاريخ لأن وجودهم يخلخل الرواية؟.
إن ما يقترحه "بومبيو" هو ببساطة محو المعاناة الفلسطينية من الذاكرة الإنسانية، أو على الأقل تفريغها من أي قيمة أخلاقية. وهذا النوع من الخطاب يكشف خوفا عميقا من الحقيقة. فلو كانت الرواية الصهيونية–الأمريكية صادقة، لما احتاجت إلى وصاية على التاريخ. ولكن الحمد لله أن الوقائع على الأرض، مهما طال الزمن، ستفضح التناقض بين الادعاء والممارسة. فالاحتلال، والاستيطان، والحصار، والقتل الجماعي، لا يمكن تبريرها إلى الأبد بلغة الدفاع عن النفس، ولا يمكن إخفاؤها خلف خطاب إنساني انتقائي صهيوأمريكي، فالتاريخ يكتب أيضا في شهادات الشهداء، وفي الذاكرة الشعبية، وفي الوثائق التي يتركها القمع خلفه. وكلما اشتدت محاولات التزوير، ازداد وضوح الحقيقة.



#بديعة_النعيمي (هاشتاغ)       Badea_Al-noaimy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- - الأونروا والأمم المتحدة-..من صنع المأساة ومن يداويها؟
- -نسيج الحياة-..ووجه آخر للاستيطان
- دولة الاحتلال تستدعي -المعول والبندقية- في زمن الفوضى العالم ...
- غزة تحرس زمنها رغم الفقد
- النقب..هل يتحول إلى بؤرة توتر دائم؟
- بذور الزوال..حين تهزم القوة القيم
- الشهيد الملثم حذيفة الكحلوت/أبو عبيدة فكرة لن تموت
- قانون الأذان يعود إلى الواجهة..-عوتسما يهوديت- وطمس الهوية ب ...
- الأعلام واستعراض النهاية
- الاستيطان هو الحل !! وجنين عصية
- على عسر قام عود المجد
- هدم البيوت في القدس..أداة صهيونية لإعادة تشكيل المدينة وفرض ...
- قواعد إطلاق نار جديدة في الضفة الغربية..الرصاص مقابل الحجر
- -كوزيت- غزة..تتمنى الموت
- من إغلاق المعابر إلى إغلاق العيون
- الإرهاب كما يراه ترامب..احتلال يبرأ ومقاومة تدان
- -بتسليم- والتهجير القسري من مناطق -ج- في الضفة الغربية
- الحصار كسلاح إبادة..غزة تغرق في شتاء ثالث
- -هاكابي- والدعوة لحرب دعائية باسم -الدين-
- دبابيس -بن غفير- رموز لتبرير الانتقام


المزيد.....




- -إحجام روسيا أو عجزها عن دعم حلفائها ضربةٌ لصورتها كقوة عالم ...
- قتلى وتبادل اتهامات بين دمشق و-قسد-: غرب الفرات منطقة عسكرية ...
- تظاهرات في كوبنهاغن دعمًا لغرينلاند وسط مساعٍ أميركية لفرض س ...
- -طويلة على رقبتكم-. نعيم قاسم يجدّد تمسّك حزب الله بالسلاح و ...
- بعد 25 عاما من المفاوضات... الاتحاد الأوروبي وميركوسور يستعد ...
- اعتداءات إسرائيلية متواصلة بالضفة تطال مواطنين ومتضامنين أجا ...
- كاتس يتفاخر بتدمير 2500 مبنى منذ اتفاق غزة وحماس تندد
- نعيم قاسم: وزير الخارجية لا يمثل الدبلوماسية اللبنانية
- الاحتلال الإسرائيلي يتوغل مجددا بريف درعا جنوبي سوريا
- بعد 27 يوما من ولادتها.. البرد القارس يكتب نهاية رضيعة جديدة ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بديعة النعيمي - السردية الصهيوأمريكية وصناعة الضحية الزائفة