بديعة النعيمي
كاتبة وروائية وباحثة
(Badea Al-noaimy)
الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 21:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لفتني ما نشره الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة، على حسابه في منصة إكس، من أن *عدد سكان غزة انخفض بنسبة ١٠,٦% خلال عامين*.
قد يبدو هذا الرقم للوهلة الأولى رقما حسابيا باردا، لكنه في الحقيقة رقم ثقيل محمل بالوجع، يحمل بين ثناياه مأساة إنسانية عاشتها غزة لأكثر من عامين، ترقى لأن تكون جريمة إبادة جماعية بكل ما تحمل العبارة من معنى. فغزة لم تفقد عشر سكانها فجأة بسبب ظرف طبيعي، بل جرى استهدافها بشكل مدروس ومتعمد لتصل إلى هذه النسبة الصاعقة.
في الحقيقة، أنا لست مختصة بعلم السكان، لكن بالبحث البسيط اتضح لي أن التغير الطبيعي في عدد السكان يكون بطيئا وتدريجيا، وغالبا لا يلاحظ خلال فترة قصيرة. أما الانخفاض الحاد والمفاجئ، فهو في هذا العلم، علامة صدمة كبرى، ولا يحدث إلا بسبب كوارث استثنائية كالحروب والمجاعات والأوبئة.
فالنمو السكاني الإيجابي يعني أن عدد المواليد أكثر من عدد الوفيات. أما السلبي فيعني أن عدد الوفيات أصبح أكبر من عدد المواليد. وفي حالة غزة، التي عرفت بارتفاع عدد مواليدها قبل الحرب، فإن النسبة الآنفة الذكر إنما تفيد بأن ما جرى أنه تم دفعها قسرا إلى النمو السكاني السلبي، لأن الظروف منعت ولادة آلاف الأطفال.
فحين تدمر المستشفيات، وتنهار المنظومة الصحية، ويرتقي كوادرها من الأطباء والممرضين شهداء بسبب استهدافها الهمجي من قبل الدولة الفاشية، فإن الولادة تصبح مغامرة خطرة عند سكان غزة. وحين تدفن الأمهات تحت الركام، أو تنزح العائلات من بيوتها أو خيمها عشرات المرات، يصبح من الصعب أن يكون هناك حمل في الأصل. وحين تشح المياه والغذاء ويجوع الأطفال، فمن الطبيعي أن تنخفض النسبة إلى ما هي عليه اليوم، فمئات الأطفال ارتقوا جوعا خلال أشهر المجاعة بسبب الحصار الصهيوأمريكي والتواطؤ العربي المخزي.
وبهذا يكون الانخفاض السكاني الحاد نتيجة محاولة متعمدة لكسر الإيقاع الطبيعي للحياة في غزة، وتحويل التمسك بالبقاء إلى معركة يومية. كارثة جرت على مرأى من عالم يدعي التحضر، فاختار الصمت، أو برر الجريمة، أو اكتفى بالمشاهدة.
ومع ذلك، فغزة لن تموت، فهي رغم هذا الفقد الخطير، استمرت. لأنها منطقة رباط، وأهل غزة يدركون بأن الله اختصهم ليكونوا أهل هذا الرباط.
وغزة، رغم الجراح، ما زالت تحرس زمنها الذي حاولوا كسره بشتى الطرق والوسائل، وأثبتت وستظل تثبت بأن الأرقام والنسب مهما انخفضت، لا تستطيع أن تلغي أبنائها الذين تشبثوا بها وقرروا أن ينغرزوا فيها إلى أن يشاء الله.
#بديعة_النعيمي (هاشتاغ)
Badea_Al-noaimy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟