أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بديعة النعيمي - -كوزيت- غزة..تتمنى الموت














المزيد.....

-كوزيت- غزة..تتمنى الموت


بديعة النعيمي
كاتبة وروائية وباحثة

(Badea Al-noaimy)


الحوار المتمدن-العدد: 8562 - 2025 / 12 / 20 - 17:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إنها ليست "كوزيت" بطلة رواية البؤساء المتخيلة للكاتب "فكتور هوجو"، التي وظفها كرمز لظلم اجتماعي قبل أكثر من قرن، حيث كانت تخرج ليلا إلى الغابة في برد الشتاء القاسي، تحمل دلوا أثقل منها، ترتجف بين الأشجار بردا وخوفا وذعرا. لكنها طفلة غزة التي تسير بقدميها العاريتين تحمل جالونات الماء الثقيلة لمسافات طويلة في شوارع غزة المجرفة وبين ركام المنازل، لا في غابة "هوجو" المتخيلة. إنها "كوزيت" غزة التي تفتقر إلى "جانفالجان" منقذا لها.
"كوزيت" غزة، حين سألها الصحفي، ما بك يا عمو، كانت إجابتها صادمة، فاللغة لا تشبه لغة الأطفال، لأن تلك لغة نسيها أطفال غزة، بدت كلماتها منهكة وموجعة كشفت حجم ما فرضته الحرب عليها من ثقل نفسي وجسدي، عبارتها القصيرة اختصرت عامين ويزيد من المعاناة وعبرت عن تعب تجاوز احتمالها، "بدي أموت"، نعم لقد قالت هذه العبارة وهي تبتسم، إنها يا سادة انطفاء الرغبة في الحياة بكامل تجلياتها، وهذا أخطر ما في الحرب، حين يتغلغل هاجس الموت في وجدان الطفل.

"كوزيت" " التي جسدها "هوجو" في روايته كانت ضحية نظام ظالم، ولكن في النهاية جاء "جانفالجان" و أنقذها، وأعاد لها طفولتها وإنسانيتها، أما كوزيت غزة من الذي سيأتي لإنقاذها، من يوقف القصف؟ من يوقف هذا الحصار؟ من يعيد لها بيتها وكتبها ومدرستها؟ بل من يزيح عنها آثار تعب حمل الجالون الثقيل الذي أنهك نفسيتها قبل جسدها؟. لا أحد.

والماء الذي كان رمزا للقهر في "كوزيت" "هوجو"، ينقلب دليلا على جريمة مستمرة تمارس بقرارات لاأخلاقية سياسية وعسكرية في واقع "كوزيت" غزة. والفرق بين بؤس وعذابات الأولى والثانية أن الأولى جسدت إدانة أخلاقية لعصر مضى، أما الثانية فيجسد بؤسها إدانة حية لعصر يدعي التحضر وحقوق الإنسان في القرن الواحد والعشرين، ويخرس أمام طفولة تداس بسياسة الاحتلال الظالمة كل يوم.

ومن هنا تصبح "كوزيت" غزة هي الصورة التي تجسد لواقع أطفال حقيقيين لا متخيلين يمشون بين سطور الرواية، أطقال أفقدتهم الحرب أحلامهم البسيطة، وسرقت منهم الإحساس بأن الحياة مساحة للفرح لا للألم، لحمل الدمى وحقائب المدرسة لا حمل جالونات أثقل من أجسادهم. فتتحول الطفولة إلى سؤال وجودي ينفتح على الألم، حيث يدفع طفل غزة إلى مواجهة ثقل العالم قبل أن يتعلم خفة اللعب. فالحرب تعيد تشكيل وعي الطفل، فتسرق لغته البريئة وتمنحه بدلا منها كلمات منهكة لا تشبه عمره. فهو عندما يقول إنه يريد الموت، إنما يعلن عجزه عن احتمال حياة ليست على مقاس عمره. وهنا يسقط العالم الذي يكتفي بالمشاهدة والمتابعة ثم الإدانة في وحل التواطؤ والمشاركة في الجريمة، أما جالون "كوزيت" غزة فيبقى بصقة على جبين هذا العالم.



#بديعة_النعيمي (هاشتاغ)       Badea_Al-noaimy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من إغلاق المعابر إلى إغلاق العيون
- الإرهاب كما يراه ترامب..احتلال يبرأ ومقاومة تدان
- -بتسليم- والتهجير القسري من مناطق -ج- في الضفة الغربية
- الحصار كسلاح إبادة..غزة تغرق في شتاء ثالث
- -هاكابي- والدعوة لحرب دعائية باسم -الدين-
- دبابيس -بن غفير- رموز لتبرير الانتقام
- توماس ماسي- وجماعة الضغط الصهيوني
- جيش الإبادة وخيار الانتحار
- ردة فعل انتقامية..وعجز عن الحسم
- الاغتيالات ومأزق الاحتلال في غزة
- من -رابين- إلى -نتنياهو-..طفولة مستباحة وسياسة لا تتغير
- قرار استملاك باحة الحرم الإبراهيمي.. مرحلة جديدة من التهويد ...
- عملية -خمسة أحجار-..ماذا تخفي؟
- مقاومو رفح..إرادة تتحدى آلة الحرب
- المقاطعة الأكاديمية..ما الذي فعلته غزة؟
- حفار واحد… وآلاف الشهداء ينتظرون
- المنطقة الأمريكية -الخضراء-..مشروع لن يمر
- حين تصبح الوساطة الدولية حبرا على ورق..غزة تحت القصف
- اعتداءات المستوطنين تسرع طريق الانتفاضة الثالثة..-غوش عتسيون ...
- توسع الاحتلال شرق غزة وفراغ الضمانات الدولية


المزيد.....




- لبنان يسحب أوراق اعتماد السفير الإيراني لديه ويمنحه مهلة للم ...
- لماذا يريد بعض الإيرانيين -استمرار الحرب-؟ CNN تتحدث مع مدني ...
- إطلاق 1500 سلحفاة من الأمازون في نهر ريو نيغرو بالبرازيل
- في خضم الحرب.. هل ينتزع نتنياهو العفو من هرتسوغ ويتخلص من عب ...
- وهم استخباراتي بتقنيات الذكاء الاصطناعي: شقيقان إسرائليان يب ...
- أزمة مضيق هرمز تتصاعد.. فون دير لاين تشبه تداعياتها بأزمة ال ...
- لبنان يسحب اعتماد السفير ?الإيراني ويعلنه ?شخصاً غير مرغوب ? ...
- غالبية الألمان يشككون في قدرة بلادهم على استيعاب موجة لجوء إ ...
- الرئيس الألماني: حرب إيران انتهاك للقانون الدولي
- اتفاق الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي: مراجعة ضرورية؟


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بديعة النعيمي - -كوزيت- غزة..تتمنى الموت