فؤاد أحمد عايش
كاتب وروائي أردني
(Fouad Ahmed Ayesh)
الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 10:24
المحور:
قضايا ثقافية
عندما يأتي الشتاء إلى موسكو، لا يأتي كفصل عابر، بل كحدثٍ كونيّ له طقوسه وهيبته وسحره الخاص. يسقط الثلج على المدينة ببطء، وكأنه رسالة بيضاء من السماء تغسل الشوارع والميادين والقباب الذهبية، فتتحول موسكو إلى لوحة فنية لا تشبه أي مدينة أخرى في العالم. هنا لا يكون الثلج مجرد ظاهرة طبيعية؛ بل لغة شعرية تعيد تعريف المكان والإنسان والذاكرة.
ثلج موسكو يحمل في طياته تاريخ مدينة عريقة قاومت الحروب وتغيرات الزمن وبقيت ثابتة مثل أشجارها الصنوبرية. ففي الساحات التاريخية، أمام الكرملين والساحة الحمراء، يتجمع الثلج على الحجارة القديمة التي شهدت قرونًا من الأحداث. وفي هذا المشهد الأبيض الصامت، يشعر الزائر بأن الزمن يتباطأ، وأن المدينة تروي حكاياتها بصوت الثلج لا بصوت الكلمات.
وللثلج في موسكو بعد إنساني عميق. فهو يجمع الناس رغم البرد القارس؛ الأطفال يلعبون، العائلات تتنزه، والطلاب يسيرون بثبات في شوارع مكسوة بالجليد. تصبح المقاهي ملاذًا دافئًا، تُشتعل فيها أحاديثٌ طويلة حول الأدب والموسيقى والحياة. كأن الثلج يدفع الإنسان للتأمل الداخلي، وللاستماع إلى صوته العميق، ويحوّل قسوة الشتاء إلى دفء الروح. كما يمتلك ثلج موسكو سحرًا ثقافيًا واضحًا؛ فقد حضر في الأدب الروسي، في قصائد بوشكين وروايات دوستويفسكي وتولستوي. كان رمزًا للعزلة أحيانًا، وللنقاء أحيانًا أخرى، وللقوة والصبر في كثير من الأحيان. لذلك، حين يسير الإنسان في شوارع موسكو المغطاة بالثلج، يشعر أنه يسير داخل رواية روسية، وأنه جزء من تراثٍ أدبي حي.
ومن زاوية إنسانية، يعلّمنا ثلج موسكو معنى التكيّف مع الظروف الصعبة. البرد قاسٍ، والنهار قصير، لكن الحياة لا تتوقف. المترو يعمل، الجامعات تفتح أبوابها، والمدينة تستمر في نبضها القوي. هنا يتعلّم الإنسان أن التحديات ليست سببًا للتوقف، بل فرصة للنمو الداخلي، وأن الجمال قد يولد حتى في أقسى الظروف المناخية.
في الليل، حين تضاء الأنوار وتلمع فوق الثلج، تتحول موسكو إلى مشهد أشبه بحلم. القباب الذهبية تتلألأ، والثلج يعكس الضوء فيبدو كبحر من البلورات الصغيرة. في تلك اللحظات، يدرك الزائر أن ثلج موسكو ليس مجرد طبيعة، بل تجربة جمالية وروحية لا تُنسى.
وفي النهاية، يبقى ثلج موسكو رمزًا للحياة في وجه البرد، وللجمال في قلب الشدة، وللقدرة الإنسانية على تحويل الشتاء الطويل إلى قصيدة بيضاء. إنها مدينة تعرف كيف ترتدي ثوبها الثلجي بفخر، وتعلم زوارها أن البرد ليس نهاية، بل بداية تأمل عميق ومعنى جديد للحياة.
#فؤاد_أحمد_عايش (هاشتاغ)
Fouad_Ahmed_Ayesh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟