أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - ‏الأزمات النفسية المرافقة لمرحلة ما بعد الحرب الأهلية والكوارث















المزيد.....

‏الأزمات النفسية المرافقة لمرحلة ما بعد الحرب الأهلية والكوارث


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 01:15
المحور: قضايا ثقافية
    



‏تحليل نفسي–اجتماعي في الصدمة، التعافي، وإعادة بناء الإنسان


‏---

‏الملخص

‏تُخلّف الحروب الأهلية والكوارث الكبرى آثارًا نفسية عميقة تتجاوز زمن الحدث نفسه، لتستقر في الذاكرة الفردية والجماعية للمجتمعات المتضررة. ولا تقل هذه الآثار النفسية خطورة عن الدمار المادي، إذ تسهم في إدامة العنف، تفكك النسيج الاجتماعي، وإعاقة مسارات السلام والتنمية. يهدف هذا المقال إلى تحليل أنماط الأزمات النفسية المرافقة لمرحلة ما بعد الحرب الأهلية والكوارث، مع التركيز على الصدمة الفردية والجماعية، واضطرابات الهوية، والعنف المُمأسس، وآليات التعافي النفسي–الاجتماعي، بالاستناد إلى أدبيات علم النفس، الطب النفسي، ودراسات ما بعد النزاع.


‏---

‏المقدمة

‏تمثل مرحلة ما بعد الحرب الأهلية أو الكارثة لحظة مفصلية في حياة المجتمعات، إذ ينتقل الأفراد من الخطر المباشر إلى مواجهة آثار طويلة الأمد من الفقد، الخوف، والانكسار النفسي. وغالبًا ما يُختزل مفهوم التعافي في إعادة الإعمار المادي، بينما يُهمل البعد النفسي، رغم كونه الأساس غير المرئي لأي سلام مستدام.
‏تشير دراسات متعددة إلى أن المجتمعات التي لا تعالج جراحها النفسية تبقى أسيرة دورات متكررة من العنف وعدم الاستقرار.


‏---

‏أولًا: الإطار المفاهيمي للأزمات النفسية ما بعد النزاع

‏1. الصدمة النفسية (Psychological Trauma)

‏الصدمة هي استجابة نفسية لحدث يفوق قدرة الفرد على الاحتمال أو الفهم، وتشمل:

‏مشاهد العنف والقتل

‏فقدان الأحبة

‏التهجير القسري

‏التهديد الوجودي المستمر


‏في الحروب الأهلية، تكون الصدمة مزمنة ومتراكمة وليست حدثًا عابرًا.


‏---

‏2. الصدمة الجماعية (Collective Trauma)

‏لا تقتصر الصدمة على الأفراد، بل تتحول إلى:

‏ذاكرة جماعية جريحة

‏سرديات خوف وانتقام

‏تطبيع العنف في الوعي الجمعي


‏وتُعد الصدمة الجماعية من أخطر نتائج الحروب الأهلية، لأنها تُورَّث بين الأجيال.


‏---

‏ثانيًا: أبرز الأزمات النفسية في مرحلة ما بعد الحرب والكوارث

‏1. اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)

‏يُعد من أكثر الاضطرابات شيوعًا، ويتجلى في:

‏استرجاع قهري للحدث الصادم

‏كوابيس واضطرابات نوم

‏فرط يقظة وخوف دائم

‏تجنب الأماكن أو الأشخاص المرتبطين بالصدمة


‏وتشير الأبحاث إلى نسب مرتفعة من هذا الاضطراب في مجتمعات ما بعد النزاع.


‏---

‏2. الاكتئاب والحزن المعقّد

‏يشمل:

‏فقدان المعنى

‏الإحساس بالعجز واليأس

‏الحزن غير المكتمل نتيجة غياب العدالة أو معرفة مصير المفقودين


‏في السياقات الجماعية، يتحول الاكتئاب إلى مزاج اجتماعي عام.


‏---

‏3. القلق الوجودي وفقدان الأمان

‏حتى بعد توقف العنف، يعاني الأفراد من:

‏شعور دائم بالتهديد

‏انعدام الثقة بالآخرين وبالدولة

‏الخوف من المستقبل


‏ويُعد هذا القلق أحد معوّقات إعادة الاندماج الاجتماعي.


‏---

‏4. اضطرابات الهوية والانتماء

‏تؤدي الحروب الأهلية إلى:

‏تشظي الهوية الوطنية

‏انغلاق الهويات الفرعية

‏بناء الذات على أساس الضحية أو العدو


‏وهذه الاضطرابات تعيق المصالحة وتغذي الاستقطاب.


‏---

‏5. تطبيع العنف والسلوك العدواني

‏تشير دراسات نفسية إلى أن التعرض الطويل للعنف يؤدي إلى:

‏تقبل العنف كوسيلة حل

‏ارتفاع السلوك العدواني

‏ضعف التعاطف الإنساني


‏ويظهر ذلك بوضوح لدى الأطفال والمراهقين.


‏---

‏6. الأزمات النفسية لدى الفئات الأكثر هشاشة

‏أ. الأطفال

‏اضطرابات سلوكية

‏صعوبات تعلم

‏فقدان الإحساس بالأمان الأساسي


‏ب. النساء

‏صدمات مرتبطة بالعنف الجنسي

‏اكتئاب واضطرابات قلق

‏أعباء نفسية مضاعفة نتيجة فقد المعيل


‏ج. الناجون والمُهجّرون

‏شعور بالاقتلاع

‏فقدان الجذور والانتماء

‏صعوبة الاندماج في البيئات الجديدة



‏---

‏ثالثًا: الأزمات النفسية والكوارث الطبيعية

‏تشترك الكوارث مع الحروب في:

‏الفقد المفاجئ

‏انهيار المعنى

‏الشعور بالعجز


‏لكنها تختلف في غياب الفاعل البشري المباشر، ما يؤدي أحيانًا إلى:

‏أسئلة وجودية

‏شعور بالذنب لدى الناجين

‏انهيار الإيمان بالنظام أو العدالة الكونية



‏---

‏رابعًا: مقاربات التعافي النفسي بعد الحرب والكوارث

‏1. الدعم النفسي–الاجتماعي المجتمعي

‏يشمل:

‏جلسات دعم جماعي

‏إعادة بناء الروابط الاجتماعية

‏استعادة الطقوس والمعاني الجماعية



‏---

‏2. العلاج النفسي المتخصص

‏يتضمن:

‏العلاج السلوكي المعرفي

‏علاج الصدمة

‏العلاج القائم على السرد وإعادة بناء القصة الشخصية



‏---

‏3. العدالة الانتقالية كعلاج نفسي جماعي

‏تسهم في:

‏الاعتراف بالألم

‏استعادة الكرامة

‏تحويل الذاكرة من جرح مفتوح إلى ذاكرة معالجة



‏---

‏4. إعادة بناء المعنى والهوية

‏يُعد استعادة المعنى أحد أهم عناصر الشفاء النفسي، عبر:

‏التعليم

‏الفنون

‏السرد الجماعي

‏المشاركة المجتمعية



‏---

‏الخاتمة

‏إن الأزمات النفسية المرافقة لمرحلة ما بعد الحرب الأهلية والكوارث ليست أعراضًا هامشية، بل هي جوهر الأزمة ذاتها. فالمجتمع الذي لا يعالج صدمته يبقى أسير ماضيه، عاجزًا عن بناء مستقبل مستقر.
‏وعليه، فإن إدماج البعد النفسي في سياسات ما بعد النزاع والتعافي من الكوارث يشكل شرطًا أساسيًا لأي مشروع سلام أو تنمية مستدامة.


‏---

‏المراجع

‏1. Herman, J. L. (1992). Trauma and Recovery. Basic Books.


‏2. van der Kolk, B. (2014). The Body Keeps the Score. Viking.


‏3. Bar-Tal, D. (2013). Intractable Conflicts: Socio-Psychological Foundations. Cambridge University Press.


‏4. Summerfield, D. (1999). “A Critique of Seven Assumptions behind Psychological Trauma Programmes.” Social Science & Medicine.


‏5. Norris, F. et al. (2002). “60,000 Disaster Victims Speak.” Psychiatry.


‏6. WHO. (2013). Guidelines for the Management of Conditions Specifically Related to Stress.


‏7. Kessler, R. et al. (2005). “Posttraumatic Stress Disorder in the National Comorbidity Survey.” Archives of General Psychiatry.


‏8. Teitel, R. (2000). Transitional Justice. Oxford University Press.





#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التنجيم في منطقة الشرق الأوسط: تجارة رائجة وتحليل نقدي
- ‏تدريب الأقليات للخروج من أزمات ما بعد الحرب الأهلية
- نشوء وفهم القداسة والمقدس
- كيف تنشأ القداسة
- ‏الجسد الأنثوي ‏ ‏مارغريت آتوود
- ماذا يحدث التباين بين سردية الحكومات للتاريخ والتاريخ الحقيق ...
- ‏الحماقة كما ظهرت في المسرح العالمي
- مقاربة إمبراطورية بين الرئيس دونالد ترامب والإمبراطور الروما ...
- ‏الإدمان الإلكتروني وسبل معالجته في عصر الفيض المعلوماتي ‏
- ‏خطة إسرائيل للوصول إلى مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي
- ‏مستقبل الإنترنت: الفضاء المفتوح أم الرقابة العالمية؟ ‏
- ‏لماذا تفقد الجماهير الغاضبة رجاحة عقلها؟
- أمنياتي للعام الجديد ٢٠٢٦
- ‏مستقبل الإنترنت: الفضاء المفتوح أم الرقابة العالمية؟
- “سلم الحب” عند أفلاطون في المأدبة (Symposium)
- ا‏لرغبة الحسية والرغبة الروحية في ميزان العقل والقلب
- ‏لماذا تدعم إسرائيل الحركات الانفصالية في العالم العربي؟
- تاريخ الحركات الانفصالية في العالم وأثرها السلبي على الشعوب
- ما الذي يُحفّز النجاح الشخصي والمهني؟
- ‏الاستراتيجيات والأدوات والأطر المفاهيمية اللازمة لإدارة الم ...


المزيد.....




- الجيش الأمريكي يعلن مصادرة ناقلة نفطية أخرى في البحر الكاريب ...
- شاهد.. فلسطيني أصم يتعرض للضرب على أيدي مستوطنين إسرائيليين ...
- اسم رضا بهلوي نجل آخر شاه لإيران يعود للواجهة، فمن هو؟
- لماذا أثارت لاعبة تنس مصرية جدلاً عالمياً؟
- روسيا تستخدم صاروخاً باليستياً في هجوم على كييف
- بعد رفض القوات الكردية الانسحاب.. دمشق تمهل -قسد- مجددًا لمغ ...
- وزير خارجية فرنسا: النظام السياسي الأوروبي -في خطر- رغم قوة ...
- أطماع ترامب في غرينلاند تُربك المعادلات الأطلسية لأوروبا
- اشتداد حدة الاحتجاجات في إيران.. ما الحل أمام السلطات؟
- المجالس الكردية في حلب ترفض الانسحاب من المناطق الخاضعة لسيط ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - ‏الأزمات النفسية المرافقة لمرحلة ما بعد الحرب الأهلية والكوارث