أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - أمنياتي للعام الجديد ٢٠٢٦















المزيد.....

أمنياتي للعام الجديد ٢٠٢٦


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 02:12
المحور: قضايا ثقافية
    


‏في مطلع عامٍ جديد، حين تقف البشرية كلّها على عتبة زمنٍ طريٍّ لم تُدَنَّس صفحته بعد، أحبّ أن أضع أمنيتي على مائدة العالم، لا بوصفها بيانًا سياسيًا ولا خطبةً أخلاقية، بل همسًا دافئًا، ككفّ أمٍّ على جبين طفلٍ أرهقه السهر والخوف. أمنيتي للبشرية جمعاء، ولشعوب الشرق الأوسط على وجه الخصوص، هي أن نتعلّم—أخيرًا—فنّ الحياة المشتركة، وأن نُعيد للإنسان مكانته الأولى: إنسانًا، قبل أي تعريفٍ آخر.

‏أمنيتي الأولى:
‏أن نهدأ.
‏أن نتذكّر أنّ الأرض لا تُدار بالصراخ، وأنّ القلوب لا تُفتح بالتهديد، وأنّ التاريخ لا يكتب نفسه من جديد إلا حين تتعب الكراهية وتستريح. أرجو أن يتباطأ العالم قليلًا، أن يخفّف سرعته القاسية، وأن يمنح البشر وقتًا للتأمّل، للتفكير، للاعتراف بالأخطاء، وللاعتذار حين يلزم. فالاعتذار شجاعة، والاعتراف فضيلة، والهدوء بداية الحكمة.

‏أمنيتي الثانية:
‏أن نُعيد تعريف القوّة.
‏القوّة ليست في الدبّابات ولا في الصواريخ ولا في عدد الأتباع على الشاشات. القوّة في القدرة على حماية الضعفاء، في بناء مدرسة بدل ثكنة، في إنقاذ حياة بدل سلبها، في أن تقول “لا” حين يندفع الجميع نحو الهاوية. أتمنّى أن تفهم الدول العظمى أنّ عظمتها الحقيقية تُقاس بقدرتها على منع الحروب لا إشعالها، وعلى إطفاء الحرائق لا المتاجرة بدخانها.

‏أمنيتي الثالثة للبشرية:
‏أن يعود الضمير إلى مركز القرار.
‏أن تُصغي السياسات لنداء الأخلاق، وأن تتذكّر المصالحُ أنّها بلا قيمٍ تتحوّل إلى وحشٍ أعمى. أرجو أن تُحاسَب الأكاذيب، وأن تُكافَأ الحقيقة، وأن لا يصبح تزييف الوعي مهنةً رابحة. فالعالم الذي يُدار بلا ضمير، هو عالمٌ يُراكم الخراب ويؤجّل الانفجار.

‏أمنيتي الرابعة:
‏أن نُداوي الجراح القديمة بدل توسيعها.
‏التاريخ مليءٌ بالآلام، نعم، لكنّه ليس سجنًا أبديًا. أتمنّى أن نقرأ الماضي لنتعلّم لا لنتقاتل، وأن نُكرّم الضحايا جميعًا بلا انتقائية، وأن نكسر دوائر الثأر التي تتوارثها الأجيال. فالألم حين يُستثمر سياسيًا يتحوّل إلى لعنة، وحين يُحتضَن إنسانيًا يصبح درسًا.

‏أمنيتي الخامسة:
‏أن نحمي الأطفال.
‏هذه أمنية لا تقبل التأجيل ولا المساومة. أرجو أن يكبر أطفال العالم بلا صفّارات إنذار، بلا مخيّمات لجوء، بلا أسئلة أكبر من أعمارهم. أن تكون المدرسة حلمهم الأول لا الملجأ، وأن يكون الكتاب رفيقهم لا الخوف. الطفل الذي ينجو اليوم، ينقذ العالم غدًا.


‏أما الشرق الأوسط…
‏هذا القلب المثخن بالجراح، هذا الممرّ القديم للحضارات، هذا المكان الذي تعلّم فيه الإنسان أوّل الحروف وأوّل الصلوات، ثم تعلّم—للأسف—أوّل الحروب الطويلة. أمنيتي له دافئة، حنونة، لأنّه يستحقّ العناق أكثر من أي مكانٍ آخر.

‏أمنيتي الأولى لشعوب الشرق الأوسط:
‏أن نُصالح أنفسنا.
‏أن نكفّ عن تعريف ذواتنا بما نكره، وأن نبدأ بتعريفها بما نحبّ. أن نرى تنوّعنا ثراءً لا تهديدًا، واختلافنا فرصةً لا لعنة. لقد تعبنا من الأسئلة القاتلة: من أنت؟ من أين؟ ماذا تعتقد؟ حان وقت السؤال الشافي: كيف نعيش معًا؟

‏أمنيتي الثانية:
‏أن تتوقّف الحروب، كلّها، بلا استثناء.
‏أن تصمت المدافع، وأن تعود المدن إلى أسمائها القديمة: مدنًا للحياة لا للعناوين العاجلة. أتمنّى أن يُعاد إعمار الحجر والروح معًا، وأن تُكتب دساتير تُشبه الناس لا البنادق، وأن تُبنى دولٌ تحمي مواطنيها بدل أن تبتلعهم.

‏أمنيتي الثالثة:
‏أن يُرفع الظلم عن المظلومين أينما كانوا.
‏من فلسطين إلى سوريا، من اليمن إلى العراق، من لبنان إلى كلّ زاويةٍ نسيها العالم. أرجو عدالةً حقيقية لا موسمية، وحقوقًا لا تخضع للمساومة، وكرامةً لا تُجزّأ. فالعدل حين يتأخّر كثيرًا، يتحوّل إلى جرحٍ مفتوح في ضمير الإنسانية.

‏أمنيتي الرابعة:
‏أن نُحرّر الدين من العنف، والعنف من القداسة.
‏أن يعود الإيمان نورًا لا سكينًا، ورحمةً لا فتوى للقتل. أرجو أن يُترك الله خارج ساحات الدم، وأن يُعاد إلى القلوب حيث يسكن السلام. الدين الذي يُستخدم لتبرير القتل، يُقتل مرتين: مرّة في الضحية، ومرّة في الروح.

‏أمنيتي الخامسة:
‏أن يُعاد الاعتبار للثقافة والمعرفة.
‏أن يعلو صوت الشعر على ضجيج الرصاص، وصوت الفكرة على صخب الكراهية. أتمنّى أن تُفتح المسارح والمكتبات، وأن يُكرَّم المعلّم، وأن يُسمَع للمفكّر والفنّان قبل تاجر السلاح. الثقافة ليست ترفًا؛ هي خطّ الدفاع الأخير عن إنسانيتنا.


‏أمنيتي للمنفيّين واللاجئين:
‏أن يجدوا بيتًا يشبه الحلم، ووطنًا لا يسألهم عن سبب الألم. أن يعودوا—إن أرادوا—مكرّمين، وأن يُستقبلوا بلا شكٍّ ولا وصم. المنفى جرحٌ صامت، وأتمنّى أن يلتئم.

‏أمنيتي للأمهات:
‏أن تنام قلوبهنّ مطمئنّة.
‏أن لا ينتظرن أبناءهنّ على أبواب الغياب، وأن لا يتعلّمن أسماء الأسلحة قبل أسماء الزهور. الأمّ التي تبكي كثيرًا، تُغرق العالم بملح حزنها.

‏أمنيتي للآباء:
‏أن يعودوا من أعمالهم سالمين، وأن لا يُدفَعوا لاختيارٍ مستحيل بين لقمة العيش وكرامة الروح. أن يكونوا سندًا لا ضحية صامتة.

‏أمنيتي للشباب:
‏أن يجدوا معنى لحياتهم خارج ساحات القتال وخارج قوارب الموت. أن يحلموا دون خوف، وأن يخطئوا دون أن يُعاقَبوا بالرصاص. الشباب ليسوا وقود الحروب، بل بذور المستقبل.

‏أمنيتي للحكّام:
‏أن يتذكّروا أنّ الكراسي زائلة، وأنّ الأوطان باقية. أن يسمعوا أنين الناس قبل تصفيق الحاشية، وأن يعرفوا أنّ السلطة امتحان أخلاقي قبل أن تكون امتيازًا. الحكم الذي لا يحمي شعبه، يحكم على نفسه بالزوال.

‏أمنيتي للإعلام:
‏أن يتحرّر من التحريض والكذب، وأن يكون مرآةً للحقيقة لا مكبّرًا للكراهية. الكلمة رصاصة أيضًا، فلنستخدمها بحكمة.


‏وفي هذا العام الجديد…
‏أتمنّى أن نتعلّم الإصغاء.
‏الإصغاء إلى من نختلف معهم، إلى من خذلناهم، إلى من لا صوت لهم. فالعالم لا يحتاج مزيدًا من الخطباء، بل مزيدًا من السامعين.

‏أتمنّى أن نتعلّم الرحمة اليومية:
‏رحمة في الشارع، في العمل، في البيت، على وسائل التواصل. أن نخفّف حدّة أحكامنا، وأن نمنح الناس أعذارًا أكثر. لا أحد يعرف المعركة التي يخوضها الآخر.

‏أتمنّى أن نُحبّ الأرض:
‏أن نحميها من جشعنا، وأن نترك لأطفالنا هواءً نقيًا وماءً صالحًا وأشجارًا واقفة. الكوكب بيتنا الوحيد، ولا بيتَ بديلًا.

‏أتمنّى أن نكتب قصصًا جديدة:
‏قصص نجاة لا مآسٍ، قصص تعاون لا خيانة، قصص شفاء لا انتقام. المستقبل ليس قدرًا أعمى؛ هو نصٌّ نكتبه معًا.


‏---

‏أمنيتي الأخيرة، والأقرب إلى القلب:
‏أن يبقى الإنسان إنسانًا.
‏في زمن الأتمتة والسرعة والاصطفافات القاتلة، أتمنّى أن لا نفقد قدرتنا على الدهشة، على البكاء، على الحبّ، على الغفران. أن نتذكّر أنّنا جميعًا هشّون، عابرون، وأنّ ما يبقى في النهاية ليس عدد انتصاراتنا، بل مقدار الرحمة التي تركناها خلفنا.

‏عامٌ جديدٌ يطرق الأبواب.
‏فلنفتحه بقلوبٍ أقلّ قسوة، وبأيدٍ أقلّ ارتعاشًا، وبعيونٍ ترى الإنسان قبل العَلَم، والوجه قبل الشعار، والحياة قبل أيّ شيء.

‏هذه أمنيتي.
‏دافئة…
‏حنونة…
‏وصادقة بقدر ما يستطيع قلبٌ مُتعب أن يكون صادقًا.



#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ‏مستقبل الإنترنت: الفضاء المفتوح أم الرقابة العالمية؟
- “سلم الحب” عند أفلاطون في المأدبة (Symposium)
- ا‏لرغبة الحسية والرغبة الروحية في ميزان العقل والقلب
- ‏لماذا تدعم إسرائيل الحركات الانفصالية في العالم العربي؟
- تاريخ الحركات الانفصالية في العالم وأثرها السلبي على الشعوب
- ما الذي يُحفّز النجاح الشخصي والمهني؟
- ‏الاستراتيجيات والأدوات والأطر المفاهيمية اللازمة لإدارة الم ...
- ‏الفقر والقهر… بوابتان لتسلل التطرف واستغلاله
- ‏الرغبة الهيدونية ودورها في تعزيز القيادة ‏
- ‏التحديات التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2026
- ‏السياسة الأمنية للتاريخ الرسمي: قراءة أكاديمية في استعمال ا ...
- العنف المقدّس: قراءة تاريخية نقديّة
- ‏تنمية الذاكرة المجتمعية: مقاربة أكاديمية في المفهوم والآليا ...
- مخاطر الخطاب الطائفي على السلم المجتمعي والوطن
- ‏مدونة سلوك متقدمة للشركات النفطية
- ‏في دولة الفساد: التجاوزات بحجم الصمت
- أشكال الفساد العصرية المواكبة للتكنولوجيا وعصر المعلومات
- التداخل بين الكوميديا والمأساة في مسرحية «البخيل» لموليير
- ‏هل مهد الفكر الإغريقي لظهور الأديان؟ دراسة تحليلية ‏
- ‏المذاهب الفلسفية لإخوان الصفاء وخلان الوفاء


المزيد.....




- من بينها معاداة السامية ومقاطعة إسرائيل.. ممداني يبدأ ولايته ...
- لحظة انفجار هائل في ميناء لا غوايرا شمال عاصمة فنزويلا كاراك ...
- فيديو يُظهر زلزالًا عنيفًا بقوة 6.5 درجة يهزّ المكسيك
- ترامب: مادورو أخرج من فنزويلا بعد تنفيذ أمريكا عملية عسكرية ...
- -إسقاط طائرة عسكرية سعودية في جنوب اليمن-.. ما حقيقة الصورة ...
- انفجارات عنيفة تهز خاركيف.. غارة روسية تخلف قتلى وعشرات الجر ...
- كأس أمم أفريقيا: تونس في مهمة لتخطي عقبة مالي والعبور لربع ا ...
- السودان تتحدى السنغال في مهمة لإسعاد بلد تمزقه حرب أهلية منذ ...
- إيران: أزمة غير مسبوقة للريال وارتفاع حاد في معدل التضخم واض ...
- ترامب يعلن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو و ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - أمنياتي للعام الجديد ٢٠٢٦