أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - نشوء وفهم القداسة والمقدس















المزيد.....

نشوء وفهم القداسة والمقدس


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 18:50
المحور: قضايا ثقافية
    


المقدمة

القداسة والمقدس مفهومان مركزيان في الفلسفة الدينية والاجتماعية، وهما لا يقتصران على ظاهرة دينية فحسب، بل يتداخلان مع التاريخ والثقافة والوعي البشري. هذه الدراسة تتناول تعريفات القداسة، تاريخها، تطورها، سؤال أصالتها (بشرية أم إلهية)، علاقتها بالعبودية، تأثيرها على حياة البشر، وتحدياتها في عصر الانفجار المعلوماتي والذكاء الاصطناعي.

1. تعريف القداسة والمقدس

مصطلح المقدّس يُستخدم للدلالة على ما هو متميّز عن العادي ويتصل بما يُعتبر ذا قيمة عليا أو متجاوزًا لسطح التجربة الإنسانية اليومية. في المعاجم العربية يُعرَّف المقدس بأنه الطهر والبركة وفصل الشيء عن محيطه والمحرمات المرتبطة به، ومردُّ ذلك إلى غريزة التدين لدى الإنسان تجاه من يتصلون بهدف أو قيمة أعلى منه.
المجلات الأكاديمية

فلسفيًا، يرى ميرسيا إيلياد أن المقدّس يعبر عن وجود نوعين من الواقع: عالم مقدّس يرتبط بالقيم العليا وعالم دنيوي عادي، وهذا التقابل جوهري لفهم الدين والرموز التي يخلقها الإنسان.
csun.edu

نقطة أساسية أخرى (بناءً على تعريف بريتانيكا الفلسفي) ترى أن المقدّس يُختبر كمزيج من الخوف والإعجاب تجاه ما يتجاوز حدود الخبرة العادية.
Encyclopedia Britannica

2. تاريخ القداسة

تاريخيًا، امتد مفهوم المقدس عبر الثقافات الإنسانية منذ بدايات الحضارات القديمة، حيث كانت الظواهر الطبيعية والأماكن والأشخاص تُعامل على أنها تجليات لما هو أعلى من الذات الإنسانية. وفي الفكر الفلسفي الغربي، أعطاها الفلاسفة كـ رودولف أوتو ومرسيا إيلياد معالجة دقيقة بوصفها تجارب ذات بعد فوق طبيعي أو رمزي متجاوز للعادي.
csun.edu

في العصر الحديث، حدث “نزعُ القداسة” عن المعرفة والعالم، خاصة في الفكر الغربي، عبر تحولات فكرية منذ اليونان إلى العلمنة في العصر الحديث، مما جعل بعض الظواهر تفقد قدسيتها تدريجياً لصالح التفسير العقلاني.
مجلة المحجة

3. تطور القداسة

على مستوى الفكرة، تطورت القداسة من كونها حضورًا مباشرًا للوقائع الرمزية والدينية في حياة الإنسان التقليدي إلى أن أصبحت في العصر الحديث أكثر تجريدًا أو رمزية ثقافية. ميرسيا إيلياد يشير إلى أن العصر الحديث قد شهد نزع القداسة من كثير من التجارب والظواهر الطبيعية، واقتصار المعنى على ما يراه الفرد أو المجتمع ذا قيمة ثقافية أو تاريخية أو نفسية.
هندواي

في الفلسفات اللاحقة، تم التعامل مع القداسة بوصفها ليس فقط تجارب دينية، بل كهيكل معرفي وثقافي يظهر في رموز الفن، الأدب، والأنظمة الاجتماعية.

4. القداسة: صناعة بشرية أم إلهية؟

من منظور فلسفي:

البعد الإلهي (تقليدي): ترى الأديان أن القداسة منبعها الذات الإلهية أو قوى فوق طبيعية، حيث ينسب المقدس إلى ما يتجاوز الإنسان.

البعد البشري (فلسفي/اجتماعي): فرغم ارتباط المقدس بالمفاهيم الدينية، يراه بعض الفلاسفة مثل دوركهايم والباحثين في علم الدين كـ بناء اجتماعي ونفسي ينتج عن وعي الإنسان وفلسفته في تقسيم العالم بين المقدّس والعادي.
Encyclopedia Britannica
+1

لذلك يمكن القول إن القداسة تتوسط بين البعدين: هي فكرة يمكن أن تُفهم على أنها ذاتية ما دامت تتعلق بالوعي البشري، لكنها يُنظر إليها كعلاقة لما يفوق الذات البشرية في سياقات دينية تقليدية.

5. العبودية للقداسة

العبودية هنا لا تعني بالضرورة العبودية المادية، وإنما الالتزام العقلي/السيكولوجي تجاه الرموز والقيم المقدسة. في كثير من الأحيان، يخلق الإنسان منظومات من المعتقدات التي تعدّ غير قابلة للنقد أو حاكمة على الذات، فتؤدي في بعض السياقات إلى تثبيت السلطة أو التقييد المعرفي.

فلاسفة مثل أوتو يوضحون أن القداسة تجذب الإنسان وتخيفه في وقتٍ واحد، ما يولِّد التبجيل والخضوع في مقابل ما يراه الإنسان متنورًا به أو كاملًا.
Encyclopedia Britannica

6. تأثير القداسة على حياة البشر

القداسة تؤثر على الإنسان في مستويات متعددة:

نفسيًا: تمنح معنى وقيمة وتجربة وجدانية تتجاوز الروتين.

اجتماعيًا: تشكل أنظمة من القيم والرموز التي تبنّي ثقافة جماعية.

سياسيًا: تُستخدم لتثبيت المؤسسات وأطر السلطة في المجتمعات.

ثقافيًا: تُنتج رموزًا وطقوسًا تُصبح عنصراً أساسيًا في هوية المجتمع.

هذه الأبعاد تظهر أن القداسة ليست مجرد معتقد ديني، بل عنصر تنظيمي في الحياة الاجتماعية والوجود الفردي.

7. القداسة في عصر الانفجار المعلوماتي

عصر الانفجار المعلوماتي جعل من المعرفة سريعة الانتشار، ما أثر على مفهوم القداسة بطريقتين:

نزول القداسة إلى الميدان العام: أصبحت الرموز الثقافية والهوية تتنافس مع الرموز الدينية التقليدية في جذب الاهتمام، فبرزت قداسات رقمية كالشهرة، الشهرة الاجتماعية، الانتشار، العلامة التجارية…

تفكيك المقدس: الكم الهائل من المعلومات أدى إلى فُقدان الهيبة في كثير من الظواهر السابقة، ما عرَّضها للنقد وإعادة التفسير.

في هذا الإطار، يمكن القول إن القداسة أصبحت موضوع سؤال بدلاً من امتلاك يقين ثابت.

8. القداسة في عصر الذكاء الصناعي

الذكاء الصناعي يطرح تحديات جديدة لفهم المقدس:

هل يمكن للذكاء الصناعي أن يفهم المقدس أو يساهم في صيغته؟

هل تصبح القداسة نتاجاً لآليات تحليل بيانات وتفضيلات إنسانية بدلاً من تجربة وجودية؟

هل تنتج تقنيات الذكاء الصناعي رموزاً جديدة تتنافس على المنزلة المقدسة في الثقافة؟

بهذا المعنى، يبدو أن الذكاء الصناعي يميز القداسة كمنتج معرفي ثقافي أكثر من موقعها التقليدي كخبرة وجودية.

الخاتمة

القداسة والمقدس مفهومان يجمعان بين الأبعاد الدينية، الفلسفية، الاجتماعية، والثقافية. رغم جذورهما التقليدية في الدين، فإنهما يظلان مجالًا مفتوحًا للتفسير في ضوء التطورات الفكرية الحديثة مثل الانفجار المعلوماتي والذكاء الصناعي، حيث يتحولان من تصورات مطلقة إلى موضوعات نقدية وتحليلية ضمن سياق الوعي البشري.

المراجع المقترحة

Mircea Eliade, The Sacred and the Profane — تحليل ظاهراتي للمقدس.
csun.edu

Rudolf Otto, The Idea of the Holy — تجربة النويمينوس والقداسة.
Encyclopedia Britannica

تعريفات لغوية ومفاهيمية من المعاجم العربية والبريطانيكا.



#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف تنشأ القداسة
- ‏الجسد الأنثوي ‏ ‏مارغريت آتوود
- ماذا يحدث التباين بين سردية الحكومات للتاريخ والتاريخ الحقيق ...
- ‏الحماقة كما ظهرت في المسرح العالمي
- مقاربة إمبراطورية بين الرئيس دونالد ترامب والإمبراطور الروما ...
- ‏الإدمان الإلكتروني وسبل معالجته في عصر الفيض المعلوماتي ‏
- ‏خطة إسرائيل للوصول إلى مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي
- ‏مستقبل الإنترنت: الفضاء المفتوح أم الرقابة العالمية؟ ‏
- ‏لماذا تفقد الجماهير الغاضبة رجاحة عقلها؟
- أمنياتي للعام الجديد ٢٠٢٦
- ‏مستقبل الإنترنت: الفضاء المفتوح أم الرقابة العالمية؟
- “سلم الحب” عند أفلاطون في المأدبة (Symposium)
- ا‏لرغبة الحسية والرغبة الروحية في ميزان العقل والقلب
- ‏لماذا تدعم إسرائيل الحركات الانفصالية في العالم العربي؟
- تاريخ الحركات الانفصالية في العالم وأثرها السلبي على الشعوب
- ما الذي يُحفّز النجاح الشخصي والمهني؟
- ‏الاستراتيجيات والأدوات والأطر المفاهيمية اللازمة لإدارة الم ...
- ‏الفقر والقهر… بوابتان لتسلل التطرف واستغلاله
- ‏الرغبة الهيدونية ودورها في تعزيز القيادة ‏
- ‏التحديات التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2026


المزيد.....




- أمريكية تنتقل للعيش في بلدة إيطالية.. كيف أثر ذلك على صحة اب ...
- شاهد.. ترامب يكشف عن كمية وقيمة النفط التي تسلمتها أمريكا من ...
- اليمن.. المجلس الانتقالي الجنوبي ينفي -إعلان حله- ويؤكد مواص ...
- غرينلاند وأخواتها: ما هي الكيانات الثلاثة التي تشكّل مملكة ا ...
- كيف يمكن للقيادة الإيرانية التعامل مع الاحتجاجات التي تشهدها ...
- ماذا تريد الحكومة السورية في حلب؟
- عاجل | وول ستريت جورنال عن مسؤولين إسرائيليين: عملية جديدة ق ...
- هرمونات الرجل عبر اليوم.. متى يكون أكثر تركيزا أو أكثر توترا ...
- جزيرة القراصنة.. كيف تمكن السلطان سليمان القانوني من فتحها؟ ...
- فرق الإنقاذ تواصل البحث عن عشرات المفقودين تحت أكوام النفايا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - نشوء وفهم القداسة والمقدس