أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - ماذا يحدث التباين بين سردية الحكومات للتاريخ والتاريخ الحقيقي؟















المزيد.....

ماذا يحدث التباين بين سردية الحكومات للتاريخ والتاريخ الحقيقي؟


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 01:46
المحور: قضايا ثقافية
    


‏ماذا يحدث التباين بين سردية الحكومات للتاريخ والتاريخ الحقيقي؟



‏مُلخص

‏إن التباين بين سرديات الحكومات الرسمية للتاريخ والتاريخ الحقيقي ليس مجرّد خطأ أو سوء فهم، بل نتاج عملية سياسية معرفية معقّدة تتداخل فيها السلطة، الذاكرة الوطنية، المنافع السياسية، المصالح الاجتماعية، والصراع حول الهوية، ما يؤدي إلى روايات مختلفة وتحييزات في تمثيل الماضي. هذا المقال يستكشف الأسباب النظرية والعملية لهذا التباين ويبيّنه من منظور التاريخ، الذاكرة، والسياسة.


‏---

‏1. مقدمة

‏يُفترض أن التاريخ يقدّم وقائع دقيقة عن أحداث الماضي، لكن التاريخ الرسمي الذي تنتجه الحكومات غالبًا يختلف عن ما يعتبره المؤرخون حقائق تاريخية بناءً على مصادر موثوقة وتحليل نقدي. هذا التباين يظهر في المناهج التعليمية، الكتب الرسمية، الاحتفالات الوطنية، والمتاحف التي تنتج سرديات تروّج لرؤية معينة من الماضي—غالبًا لخدمة أهداف سياسية أو اجتماعية محددة.


‏---

‏2. طبيعة التاريخ، السرد والتاريخية

‏2.1 التاريخ ليس تسجيلًا ثابتًا للوقائع

‏التاريخ الذي نقرأه ليس مجرد “سجل بلا روح” للأحداث الماضية؛ بل هو إعادة بنائها عبر اللغة والسرد، بحيث يعكس سياق الراهن الذي يعيش فيه المؤرخ وتحليل المصادر المتاحة. كما يشير الباحثون، فإن عملية كتابة التاريخ ليست تلقائية، بل هي إعادة تخييل الماضي وفقًا لمنهجيات وتفسيرات معاصرة.

‏2.2 التأريخ مقابل الحقيقة التاريخية

‏التاريخ الحقيقي—وفقًا للمناهج الأكاديمية—يحاول الاقتراب من الوقائع بناءً على مصادر موثوقة، بينما التأريخ الرسمي للدول يعتمد على سرديات قوية ومبسطة تخدم أهدافًا قومية، سياسية وأحيانًا أيديولوجية.


‏---

‏3. الذاكرة الجماعية وسرديات السلطة

‏3.1 الذاكرة الوطنية كساحة صراع

‏الحكومات تسعى إلى بناء ذاكرة وطنية موحّدة تُبرز ما يعتبره النظام مفيدًا لتحقيق استقرار الهوية والمواطنة. هذه الذاكرة غالبًا تبتعد عن التفاصيل المربكة أو المثيرة للانقسامات داخل المجتمع. في المقابل، التاريخ الحقيقي يحتوي على تعقيدات، فروق، تفسيرات متعددة لحوادث، وأحيانًا أخطاء أو تجاوزات.

‏3.2 “التاريخ الرسمي” كأداة للسلطة

‏مصطلح التاريخ الرسمي يعني تاريخًا مدعومًا أو معتمدًا من الحكومة أو المؤسسة القومية، غالبًا ما يحمل تحيزًا نحو وجهة نظرها أو أهدافها. هذا النوع من التاريخ قد يكون جزئيًا أو متحيزًا لتبرير قرارات سياسية، تقوية اللحمة الاجتماعية، أو ترسيخ سردية تفيد الهوية الوطنية.


‏---

‏4. العوامل التي تنتج التباين بين السرد الرسمي والتاريخ الحقيقي

‏4.1 السياسة والسلطة

‏السلطة السياسية تستفيد من تاريخٍ محدد: الحكومات تستخدم التاريخ كأداة لتعزيز مشروعية وجودها أو تحقيق أهداف قومية، فتختار ما تريد تذكره وتُهمش ما يقلق مشروعها.

‏السيطرة على سرديات الماضي: عندما تتحكم السلطة في التعليم، الإعلام والاحتفالات الرسمية، يمكن أن يصوغ التاريخ كأداة لبناء شرعية سياسية بدلاً من مجرد نقل حقائق.


‏4.2 التعليم والمناهج

‏الكتب المدرسية غالبًا ما تُبنى وفق رؤية مختزلة وموجهة لمصلحة الهوية الوطنية، وبالتالي تُقدّم أحداثًا مرتّبة ومنقّحة بعيدًا عن التعقيدات الحقيقية للأحداث. هذا يؤدي إلى تعزيز سردية رسمية بعيدة عن التاريخ العلمي.

‏4.3 الرموز والمعالم التذكارية

‏المتاحف، آثار النصب التذكارية، الاحتفالات الرسمية تُستخدم لتعزيز سردٍ بصري وصور ذهنية عن الماضي، غالبًا بتركيز على البطولات أو المعاناة في سياقات تخدم الهوية الوطنية وتُهمّش جوانب أخرى. هذا يعمل على تكوين ذاكرة جماعية أكثر ثباتًا من التاريخ الحقيقي.


‏---

‏5. لماذا لا تكون الحكومات منصفة في سردها للتاريخ؟

‏5.1 الانحياز الانتقائي

‏الحكومات تختار ما تريد تذكره وما تريد نسيانه. تلك الاختيارات لا تحدث عند المؤرخ الأكاديمي، بل عند صانعي القرار الذين يرون أن بعض الأحداث قد تُضعِف الهوية الوطنية إذا رُوّيت بشكل كامل.

‏5.2 التوفيق بين الماضي والهوية المعاصرة

‏يُستخدم التاريخ لتقديم سردية موحّدة ومبسطة تعزز قيم الشعب أو الدولة، وتدعم فكرة “نحن” — بينما التاريخ الحقيقي غالبًا ما يكون مليئًا بالتناقضات، التداخلات، والاختلافات الثقافية والاجتماعية.


‏---

‏6. أمثلة من ميدان السياسة والذاكرة

‏6.1 التاريخ كأداة أمنية وثقافية

‏في كثير من الدول الحديثة، تظهر سياسات الذاكرة كجزء من “السياسة الأمنية للتاريخ” حيث يُستخدم الماضي لدعم القرارات السياسية الحالية، مثل تفسير النزاعات الحدودية أو الصراعات الداخلية.

‏6.2 التنافس بين التاريخ الرسمي والتاريخ الشعبي

‏غالبًا ما يتعارض التاريخ الرسمي مع الروايات الشعبية أو ذاكرة الجماعات غير الممثلة في المناهج الرسمية، ما ينتج تباينًا واضحًا بين ما يعتبره الناس تاريخًا حقيقيًا وبين ما تعلّمه المدارس أو تروّجه الحكومات.


‏---

‏7. النقاش الأكاديمي الحديث

‏يرى علماء التاريخ والسياسة أن الصراع على الذاكرة بين الرسمي والشعبي هو جزء طبيعي من صيرورة التاريخ كمعرفة اجتماعية تتشكل بفعل المصالح، القوى، والهوية. كما أن الذاكرة الجماعية تصبح أداة سياسية بقدر ما هي وسيلة لاستيعاب الماضي.


‏---

‏8. الخاتمة

‏التباين بين سرديات الحكومات للتاريخ والتاريخ الحقيقي ليس صدفة، بل نتاج عمليات سياسية، اجتماعية، ومفاهيمية. فهو يظهر العلاقة المعقدة بين السلطة والمعرفة، وكيف تستخدم الدول التاريخ كأداة للصياغة القومية، بينما التاريخ الحقيقي — وفقًا للبحث العلمي — يسعى إلى تمثيل الأحداث بأكبر قدر من الموضوعية والتحليل المنهجي بعيدًا عن التحيز.


‏---

‏المراجع الأساسية

‏1. Trouillot, Michel‑Rolph. Silencing the Past: Power and the Production of History. Beacon Press, 1995 — تحليل كلاسيكي لكيف يؤثر السلطة في إنتاج التاريخ.


‏2. Sierp, Aline. The Politics of Memory: Between History, Identity and Conflict, Government and Opposition (Cambridge, 2025) — دراسة حديثة عن سياسات الذاكرة وتأثيرها في التاريخ الوطني.


‏3. Sakki, I. Collective memory and history textbooks, Current Opinion in Psychology (2025) — عن التاريخ المدرسي وسرديات الهوية.


‏4. “National memory”, Wikipedia — تعريف شامل ل الذاكرة الوطنية وصراع التفسيرات التاريخية.


‏5. “Official history”, Wikipedia — عن الفرق بين التاريخ الأكاديمي والسرد الرسمي المدعوم من الدولة.


‏6. “Vernacular memory”, Wikipedia — مفهوم الذاكرة الشعبية مقابل الذاكرة الرسمية.





#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ‏الحماقة كما ظهرت في المسرح العالمي
- مقاربة إمبراطورية بين الرئيس دونالد ترامب والإمبراطور الروما ...
- ‏الإدمان الإلكتروني وسبل معالجته في عصر الفيض المعلوماتي ‏
- ‏خطة إسرائيل للوصول إلى مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي
- ‏مستقبل الإنترنت: الفضاء المفتوح أم الرقابة العالمية؟ ‏
- ‏لماذا تفقد الجماهير الغاضبة رجاحة عقلها؟
- أمنياتي للعام الجديد ٢٠٢٦
- ‏مستقبل الإنترنت: الفضاء المفتوح أم الرقابة العالمية؟
- “سلم الحب” عند أفلاطون في المأدبة (Symposium)
- ا‏لرغبة الحسية والرغبة الروحية في ميزان العقل والقلب
- ‏لماذا تدعم إسرائيل الحركات الانفصالية في العالم العربي؟
- تاريخ الحركات الانفصالية في العالم وأثرها السلبي على الشعوب
- ما الذي يُحفّز النجاح الشخصي والمهني؟
- ‏الاستراتيجيات والأدوات والأطر المفاهيمية اللازمة لإدارة الم ...
- ‏الفقر والقهر… بوابتان لتسلل التطرف واستغلاله
- ‏الرغبة الهيدونية ودورها في تعزيز القيادة ‏
- ‏التحديات التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2026
- ‏السياسة الأمنية للتاريخ الرسمي: قراءة أكاديمية في استعمال ا ...
- العنف المقدّس: قراءة تاريخية نقديّة
- ‏تنمية الذاكرة المجتمعية: مقاربة أكاديمية في المفهوم والآليا ...


المزيد.....




- سوريا.. وزارة الدفاع تنشر تحديثا عن العمليات ضد -قسد- بحي ال ...
- من هو رضا بهلوي نجل الشاه المخلوع وولي عهد إيران السابق؟
- تحليل.. هل يريد الإيرانيون ولي عهد الشاه المخلوع رضا بهلوي ك ...
- روبيو: أمريكا تدعم الشعب الإيراني الشجاع
- DW تتحقق: مزاعم ترامب بشأن مقتل قائدة السيارة على يد شرطي في ...
- من الأمعاء إلى الدماغ.. ما علاقة بكتيريا الفم بمرض باركنسون؟ ...
- مباشر: ترامب يحث رؤساء شركات نفطية عالمية على الاستثمار في ف ...
- واشنطن تؤكد دعمها -شعب إيران الشجاع- وتصف اتهامات طهران لها ...
- كأس الأمم الأفريقية 2025: الجزائر أم نيجيريا لمواجهة المغرب ...
- اجتماع بمجلس الأمن حول أوكرانيا الإثنين بعد غارات روسية باست ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - ماذا يحدث التباين بين سردية الحكومات للتاريخ والتاريخ الحقيقي؟