أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - محنة الشرف في زمن المغريات: هل نحن صامدون أم أن الاغراءات لم تأتِ بعد؟!














المزيد.....

محنة الشرف في زمن المغريات: هل نحن صامدون أم أن الاغراءات لم تأتِ بعد؟!


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8571 - 2025 / 12 / 29 - 08:48
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لازلتُ أتساءل: ألا زلنا شرفاء حقّاً إلى هذه اللحظة؟
سؤالٌ لا يُطرح للترف الفكري، بل يُلقى كحجرٍ في ماء النفس الراكد، فتتموّج حوله القيم، وتنكشف في أعماقه حقيقة الإنسان كما هي، لا كما يحب أن يراها أو يقدّمها للآخرين.
لقد انقضى زمنٌ كان فيه الإنسان يُنشَر بالمناشير، ويُقطَّع إربًا إربًا، وتُفصل رأسه عن جسده بالسيوف والسواطير، ويُساق إلى أقبية التعذيب، ويُغيَّب في غياهب السجون والمعتقلات والزنزانات، فلا يتزحزح عن معتقده، ولا يتبرأ من قضيته، ولا ينقلب على رفاقه، ولا يقف في صف أعدائه... ؛ كان الثبات يومها هو الأصل، والخيانة نشازًا مرفوضًا... ؛ أما اليوم، فقد ولى ذلك الزمان بلا رجعة، وغدت تلك المواقف أقرب إلى الأساطير، أو إلى الحديث عن ديناصورات انقرضت ولم يبقَ منها سوى الصور في كتب التاريخ.
أولئك الرجال الذين لا تُلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، والذين لو عُرضت عليهم الدنيا بما فيها لما غرّهم بالله الغرور، ولم ينقلبوا على أعقابهم، ولم يتبرؤوا من مبادئهم، ولم يبدّلوا جلودهم مع تبدّل الفصول… ؛ أصبحوا في عداد المفقودين، وصار وجودهم أندر من الكبريت الأحمر... ؛ لقد أمسى وجودهم حلماً بعيداً في زمننا العجيب هذا ... ؛ زمن انقلاب الموازين، حيث أصبح حلال الأمس حرام اليوم، وحرام اليوم حلال الأمس.
لم تعد الجريمة جريمة إذا حُمّلت أثواب التبرير، ولا الرذيلة رذيلة إذا زُيّنت بالألفاظ الملساء... ؛ فما من منقصة إلا وتجد من يلمّعها، ويباركها، ويجعلها من العاديات، بل من المناقب أحيانًا، وفق منطق نفعي أعور، كما يقول المثل الشعبي السائد: «الزلمة اللي يعبي رِكِي بالسِّلّة»، دون اكتراث بمصدر الرِّكِي ولا بمشروعية السلة... ؛ فالقبح صار جمالاً، والمنكر معروفاً... .
والأمر لا يخلو من سخرية مأساوية , اذ تتجلى الحقيقة العارية: لكلٍّ منا ثمن.... !
فمن الناس من يُشترى بالفتات، ومنهم من يبيع مبادئه بالحطام القليل، ومنهم من لا يرضى إلا بالكثير، فيرفع شعارًا فظًّا: إن عشقتَ فاعشق قمرًا، وإن سرقتَ فاسرق جملًا... , فلا يقتنع بالقليل ولا يغيّره إلا الكثير...؛ اذ تختلف الشعارات وتتنوع الذرائع، لكن المحصلة واحدة: لكل إنسان بابٌ خفيٌّ تُدقُّ عليه الشهوة، ومفتاحٌ يُفكّ به قفل النفس التي ظنّ صاحبها أنها عصيّة على الاقتحام... ؛ نعم , الخلاصة : أن لكل إنسان مفتاحاً سرياً، يكشف حقيقة شخصيته التي ظنّها حصناً منيعاً...!!
بل لقد تناهى إليّ أن فلاناً "المجاهد" الذي قارع النظام الصدامي الإجرامي، وصمد في مديرية الأمن العامة، وفي أقبية مديرية أمن صدام سيئة الصيت، ولم يعترف على أحد من رفاقه واصدقاءه رغم انهيار كثيرين تحت وطأة العذاب الجهنمي ... ؛ هذا الرجل نفسه تغيّر حاله بعد سقوط الصنم عام 2003... ؛ نعم، صمد أمام السياط، وتحدّى الجلاد، لكنه لم يصمد أمام بريق الدنيا ولمعانها؛ ؛ فأصبح زير نساء وعاشقاً للدولار... ؛ "فمن لم يسقط أمام الدينار، قد يسقط أمام الدولار... ومن يتحدَّى الجلاد، قد لا يستطيع تحدي الجميلات"... , فأمسى أسيرا للسلطة والنفوذ والشهوة والمال... ؛ ولله في خلقه شؤون.
وما أكثر الذين رأيناهم بأمّ أعيننا: العابد الزاهد، والمجاهد المناضل، والعالم المثقف، وصاحب المبادئ و المقولات الرنانة , ورافع الشعارات البرّاقة، وابن العائلة المحترمة... , والشخصية الوقورة ... ؛ كلّهم تمرغوا في وحل الفساد، و سقطوا جميعًا في وحل الفساد المالي والإداري والأخلاقي، دون أن تشفع لهم أسماؤهم ولا ماضيهم ولا خطبهم..., ولا ردعتهم مبادئهم المعلنة... .
ويا للمفارقة : أكثر الغارقين في الوحل هم مَن كانوا أشدّ الناس صرخةً ضد الفاسدين والفساد... ؛ بل لعل أكثر من تمرّغ في الوحل هم أولئك الذين كانوا يشجبون الفاسدين ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا... .
ولم تشفع لهم ألقابهم السابقة، ولا ردعتهم مبادئهم المعلنة... ؛ ويا للمفارقة! أكثر الغارقين في الوحل هم مَن كانوا أشدّ الناس صرخةً ضد الفاسدين والفساد...!!
فهل لنا بعد هذا أن ندّعي شرفاً ثابتاً، أو فضلاً متأصلاً، أو أننا "بيننا وبين العصمة شبر"؟ كلا!
كل ما في الأمر أننا شرفاء إلى هذه اللحظة فقط... ؛ وربما الفضل في ذلك ليس لصلابتنا العقائدية ، بل لِعَدم فتح الأبواب المؤصدة بوجوهنا... , وما يحفظ شرفنا في كثير من الأحيان ليس سموّنا الأخلاقي، بل القدر ؛ فلو دعَتنا الدنيا إلى عناقها، لَذَهَبنا إليها مسرعين، ولَسَحَقنا شرفنا تحت أقدامنا، كما فعل مَن كانوا أشدَّ منا زهداً، وأوسع علماً، وأعظم شجاعة , وأعمق تدينًا، وأقوى بأسًا، وأنبل خلقًا ...!!
نعم , من الجهل العميق بحقيقة الإنسان وخفايا النفس البشرية ... ؛ ينبع ادعاؤنا بأننا شرفاء وفضلاء ونزهاء ، وأن بيننا وبين العصمة شبرًا، أو أننا قاب قوسين أو أدنى من الكمال والمثالية ... ؛ والحقيقة أن الأمر أبسط وأكثر قسوة: نحن شرفاء إلى هذه اللحظة فقط.
لذلك، لا تُكثر من مدح نفسك، ولا تُفرط في تزكية غيرك قبل التجربة؛ فالتجربة وحدها هي الميزان... ؛ ولهذا قيل: خير الناس من لم تُجرّبه، لأن الامتحان يكشف المعدن، ويُظهر الخيط الأبيض من الأسود، ويضع الإنسان عاريًا أمام مرآة الحقيقة، بلا زينة ولا أقنعة... ؛ و قد يكشف أن ما نحمله من "شرف" قد لا يكون سوى هدنة مؤقّتة مع المغريات التي لم تأتِ بعد.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سجين الزمن المنكسر
- العراق بين منطق الإمبراطورية ومنطق المجتمع: لماذا فشل إخضاعه ...
- من نهر الذاكرة إلى بحر الخلاف: تشظي الهوية الوطنية في العراق ...
- كلما عرفتُ أكثر سقطتُ أعمق ..!!
- حارس الذاكرة
- ظاهرة جريمة السحل في العراق : تشريح فلسفي - سياسي - اجتماعي ...
- السيطرات بين وهم الأمن وحقيقة التعطيل: قراءة سياسية–اجتماعية ...
- الطائفية والنكران: تحليل عابر للحدود للعلاقات العراقية الأرد ...
- العمالة الأجنبية والوافدون في العراق: قراءة سياسية-اجتماعية ...
- استمرارية كابوس الثعابين السبعة
- مرونة النظام العراقي الديمقراطي: آلية التصحيح الذاتي وقابلية ...
- ثروات بلا أصحاب: العمالة الأجنبية في جنوب العراق بين منطق ال ...
- تسلّل السوريين إلى بغداد عبر أربيل: مقاربة سياسية–أمنية لظاه ...
- جريمة في المنصور: انعكاس لجروح إقليمية عميقة وتحولات في طبيع ...
- العنصرية والاستغلال بحقّ السوريين في تركيا: قراءة سياسية-اجت ...
- مرثية الروح والظل
- الطفولة العراقية بين قسوة التاريخ و ميراث العنف وبنية الاستغ ...
- مرايا البعد والاغتراب وأطياف الاصدقاء القدامى
- دوامة التغيير… حين تبتلعك ذواتك المتعددة
- سيولة الشعور وهشاشة اللحظة: قراءة نفسية في زمن العاطفة المتح ...


المزيد.....




- الجيش اللبناني يعلن تفكيك جهاز -تجسس إسرائيلي- جنوبي البلاد ...
- وزارة النقل في صنعاء تكشف تفاصيل حركة الملاحة في باب المندب ...
- هجوم حاد على نتنياهو: يمزق إسرائيل.. فقد صوابه وينشر الأكاذي ...
- عاصفة -نور إيستر- تجتاح شمال شرق الولايات المتحدة
- اختبار جيني جديد يشخص أورام الدماغ في أقل من ساعتين
- 451 ألف وفاة إضافية.. النينيو تهدد العالم بموجة حر قاتلة
- روسيا.. إقبال عربي متزايد على -روزا خوتور- والزوار يبدون رغب ...
- روسيا.. مقتل خمسة أشخاص في حريق بمصنع للألعاب النارية في مقا ...
- رسالة من خامنئي: بحر العرب سيخلو من قوات العدو قريبا.. وأيام ...
- وزير خارجية بريطانيا: ما تفعله إسرائيل في غزة والضفة الغربية ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - محنة الشرف في زمن المغريات: هل نحن صامدون أم أن الاغراءات لم تأتِ بعد؟!