أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشار مرشد - دول الكومبارس..المتناقضات كأدوار في السياسة والاعلام















المزيد.....

دول الكومبارس..المتناقضات كأدوار في السياسة والاعلام


بشار مرشد
كاتب وباحث

(Bashar Murshid)


الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 15:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة:

في عالم السياسة الدولية، ليست كل الدول فاعلة بالمعنى المطلق؛ فبعضها فعاليته نسبية، وهذا أمر طبيعي في معادلات النفوذ. لكن هناك دولٌ ساذجة نسبيًا، تلعب دورًا ثانويًا أو تكميليًا ضمن مسرحية أكبر تُكتب أحداثها من قبل قوى كبرى أو معطيات إقليمية ودولية. هذه الدول، التي يمكن تسميتها بـ"دول الكومبارس"، تبدو أحيانًا متناقضة في سلوكها ومواقفها، لكنها في الواقع تلتزم بدور محدد داخل نظام وسيناريو معد مسبقًا لها.

التناقض الذي نلاحظه ليس دائمًا عشوائيًا أو نتيجة ضعف في القرار، بل أداة استراتيجية تسمح لهذه الدول بالحركة ضمن حدود ضيقة، مع الحفاظ على مصالحها ولو بصورة مؤقتة، حتى وإن بدا ذلك نفاقًا جليًا. في هذا المقال، سنحلل كيف تظهر هذه المتناقضات على مستوى الأنظمة، وكيف تُوظف لتأمين مصالح داخلية وخارجية، مع إبراز الفرق بين الخيارات الاستراتيجية الحقيقية والظهور الإعلامي أو الرمزي.


بين الكومبارس والسياسة السطحية للكتّاب والمحللين:

كثير من كُتّاب السياسة والمحللين يكتبون للانتفاع المادي أو للشهرة، وليُصفّق لهم الجمهور، لا ليُفكّر معهم. العاطفة سهلة وسريعة ومغرية، لأنها تمنح الكاتب و المحلل حضوراً فورياً، أو مردودًا مادياً من هؤلاء الكومبارس. أما التحليل العميق فمتعب وبطيء وغالبًا لا يجلب الإعجابات.

التحليل والكتابة التي تُسَوّق للانتفاع أو لإشباع حاجة آنية عند القارئ، لكنها لا تغيّر واقعًا ولا تفكك منظومة احتلاله ولا ترسم طريقًا، تصبح أشبه بخطبة سياسية جوفاء: ترفع المعنويات، لكنها لا تعطي أدوات الحل.

هؤلاء الكتاب والمحللون يميلون إلى الخطاب الفضفاض لأنه آمن: لا يقرب مناطق الخلاف، لا يطرح حلولاً تحتاج مسؤولية، ولا يخوض في تفاصيل قد تزعج أي طرف. لذلك نصوص كهذه تكون مشحونة بالعاطفة، خفيفة بالتحليل، عالية الصوت، قليلة الجدوى.

المفارقة أن الكتابة السياسية الحقيقية تفقد جزءًا من جمهورها كلما اقتربت من الحقيقة، لأن الحقيقة بطبعها تُزعج. والكاتب الذي يضخم دور الكومبارس في السياسة يضطر لكتابة شيء يشبه الضباب: كثير الكلام، قليل الرؤية.

هذا هو الواقع: هناك فرق بين “الكاتب الذي يريد قول شيء”، و“الكاتب الذي يريد الانتفاع بشيء”. الأول يصنع معرفة، والثاني يصنع سرابًا، فيكون مصفقًا للكومبارس وجزءًا من لعب الأدوار، لا مجرد مراقب سلبي لها.


خصائص دول الكومبارس: الأسباب الهيكلية والدوافع النفعية

تتميز "دول الكومبارس" بعدة سمات رئيسية تميزها عن الدول الفاعلة مباشرة في صناعة القرار الدولي، تنبع من قيود هيكلية ودوافع نفعية للنظام الحاكم:

1. الفعالية المحدودة والنطاق الضيق: تتحرك هذه الدول ضمن حدود ضيقة جدًا، غالبًا بسبب ضعف اقتصادي أو عسكري أو سياسي، أو اعتمادها على حلفاء أقوى. هذا هو السبب الهيكلي الذي يفرض عليها عدم القدرة على التأثير الكبير.

2. الأدوار المكتوبة مسبقًا: غالبًا ما تُفرض عليها أدوار محددة، ويُتوقع منها الالتزام بها. يكمن الدافع النفعي في قبول هذا الدور لضمان بقاء النظام الحاكم وتلقي الغطاء السياسي والأمني من القوى الكبرى، مفضلاً الاستقرار الذاتي على الاستقلال الاستراتيجي.

3. الظهور الرمزي أو الإعلامي: تميل هذه الدول إلى القيام بخطوات تظهر على الساحة العالمية، لكنها غالبًا رمزية أو مجرد بوق إعلامي أكثر من كونها استراتيجية حقيقية، بهدف إرضاء الرأي العام دون تغيير الواقع.

4. التناقض الظاهر في المواقف: تبدو مواقف هذه الدول متناقضة أو متقلبة على السطح، لكنها في الواقع متسقة مع الدور المحدد لها. هذا التناقض هو أداة استراتيجية للمناورة في مساحة ضيقة، تسمح لها بالحفاظ على مصالحها مع جميع الأطراف دون الخروج عن النص المرسوم.

5. الاعتماد على التحالفات الأكبر: غياب القدرة على التحرك المستقل يجعل هذه الدول مرتبطة بأقوى اللاعبين. الدافع هنا هو الوهم الاقتصادي أو الأمني، أي الاعتقاد بأن الارتباط بالقوى الكبرى يجلب الدعم الذي يغني عن التنمية الذاتية أو بناء القوة المستقلة.


تأثير سلبي لدول الكومبارس على النظام الإقليمي والدولي:

رغم أن هذه الدول قد تظهر أحيانًا كوسطاء أو شركاء رمزيين، فإن تأثيرها الفعلي على النظام الإقليمي والدولي غالبًا ما يكون سلبياً:

1. تقييد القرار الوطني والإقليمي: اعتماد هذه الدول على التحالفات الكبرى يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة، مما يجعل سياساتها مرتبطة ومرتهنة بدلاً من مبتكرة وفاعلة.

2. إضفاء شرعية وهمية على تحركات القوى الكبرى: تستخدم مواقفها الرمزية لتبرير سياسات القوى الكبرى، ما يعزز الهيمنة ويقلل من فرص تعديل التوازنات لصالح المصلحة المحلية.

3. خلق وهم الاستقرار: وجودها يعطي صورة استقرار مؤقتة، لكنها غالبًا تخفي هشاشة النظام الإقليمي وتغطي على الصراعات الحقيقية، مما يطيل أمد الأزمات بدلاً من حلها.

4. إعاقة التحرك السياسي المستقل: الالتزام بدور محدد مسبقًا يجعلها غير قادرة على تقديم حلول استراتيجية أو تغيير الأحداث، مما يحولها إلى أداة وليست فاعلًا.

5. تعميق الفوضى والتناقضات: التناقض الظاهر في مواقفها قد يولد ارتباكًا داخليًا وخارجيًا، ويزيد من استغلال القوى الكبرى لهذه الدول كأداة لتحقيق مصالحها.


باختصار، دول الكومبارس غالبًا ما تكون أكثر عبئًا على النظام الإقليمي من كونها قوة إيجابية، فهي تحافظ على المسرحية السياسية الكبرى، لكنها تمنع المبادرة والتغيير الحقيقي، وتبقي الأزمات تحت السيطرة الرمزية فقط.


خاتمة:

تظهر "دول الكومبارس" في السياسة الدولية كأطراف ثانوية تتحرك ضمن أدوار محددة مسبقًا، وتخضع لتوازنات القوى الكبرى والمعطيات الإقليمية. رغم أن مواقفها قد تبدو متناقضة أو متغيرة، فإن هذه التناقضات ليست عشوائية، بل جزء من سيناريو سياسي معد مسبقًا لضمان استمرار المسرحية الدولية وفق مصالح اللاعبين الأقوى.

لكن الحقيقة أن دور هذه الدول غالبًا سلبي أكثر من كونه إيجابي. فهي تقيد قدرتها على القرار المستقل، وتوفر غطاءً سياسيًا للقوى الكبرى، وتخلق وهم استقرار مؤقت، وتزيد من هشاشة النظام الإقليمي. وجودها يحافظ على المسرحية السياسية الكبرى، لكنه يمنع المبادرة والتغيير الحقيقي، ويجعل الأزمات مستمرة تحت السيطرة الرمزية فقط، دون حلول جذرية.

من هنا، يصبح فهم سياسات دول الكومبارس ضروريًا لأي تحليل واقعي للنظام الإقليمي والدولي، إذ يكشف كيف يمكن للدور الثانوي أن يكون له تأثير غير مباشر كبير، غالبًا سلبي، على استقرار المنطقة وتوازناتها، وعلى قدرة شعوبها ودولها على صناعة مستقبل مستقل.



#بشار__مرشد (هاشتاغ)       Bashar_Murshid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -اغتنام العجلة”.. بناء العقل والمعرفة بدل الترف الزائل
- التنافر المعرفي .. تقديس ما كان يُرفض بالأمس
- المطبخ السياسي... طريقة التحضير وأنواع الطهاة
- المطبخ العربي للسياسة… تَمَنٍ دون إعداد
- ياسر عرفات... الزعيم الذي صاغ الذاكرة الفلسطينية
- القوة في الحق والحرية... والضعف في العبودية والبطش
- أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض
- نبض الصبر الفلسطيني.. صمود الموظفين والعمال رغم كل شيء
- سياسة الترف بعد الفقر.. هندسة الوعي وتغيّر الغايات
- الدفة وتعدد القباطنة... والعواصف المستمرة
- الشك الهيكلي الجماعي... وباء الاستبداد والاضطهاد
- الأمة التي تصرّ على اختراع العجلة السياسية والتنموية
- الاحتواء السياسي ومشتقاته...انتداب ووصاية جديدة
- الطريق الأقصر إلى الحضارة والتقدُّم... حين يصبح العقل هو الث ...
- وراثة الأحزاب… موت الفكرة وخلود الكرسي
- فلسطين... طائر الفينيق والبراق
- الثراء السريع… حين يصبح المال علامة استفهام
- النظام العالمي... تعدد شكلي للدول تحت مظلة الخمسة
- المؤسسات... المرآة الحقيقية للدولة
- الاستعمار بالمدافع... والاستحمار بالعقول


المزيد.....




- -تمهيدا لعمليات برية-.. ترامب يعلن إغلاق المجال الجوي فوق فن ...
- -الأعظم على الإطلاق-.. بيضة إمبراطوية نادرة من تصميم فابرجيه ...
- -بمسيرات تحت الماء-.. أوكرانيا تُعلن استهداف ناقلات نفط روسي ...
- مشاركة عزاء بوفاة الدكتور المحامي الرفيق وليم الياس زهران (أ ...
- رئيس جبهة الخلاص الوطني التونسية لفرانس24: الحكم ضدي كان متو ...
- قوات الدعم السريع تغتال مدير مكتب وكالة السودان للأنباء بالف ...
- اختتام أعمال منتدى الاتحاد من أجل المتوسط في برشلونة.. وهذه ...
- أبرز تفاصيل العملية العسكرية الإسرائيلية في بيت جن جنوبي سور ...
- الاحتلال يستهدف الصحفيين ويمنع فلسطينيين من الوصول إلى أراضي ...
- سوريا.. هدوء حذر يسود بلدة بيت جن عقب عملية عسكرية إسرائيلية ...


المزيد.....

- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو
- حكمة الشاعر عندما يصير حوذي الريح دراسات في شعر محمود درويش / د. خالد زغريت
- التاريخ يكتبنا بسبابته / د. خالد زغريت
- التاريخ يكتبنا بسبابته / د. خالد زغريت
- جسد الطوائف / رانية مرجية
- الحجز الإلكتروني المسبق لموسم الحنطة المحلية للعام 2025 / كمال الموسوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشار مرشد - دول الكومبارس..المتناقضات كأدوار في السياسة والاعلام