أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - مراثي الكرسي رقم 7














المزيد.....

مراثي الكرسي رقم 7


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8531 - 2025 / 11 / 19 - 02:55
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يعرف كيف وصل إلى تلك القاعة، ولا متى.
كانت تشبه صالة مؤتمرات، لكنها بلا نوافذ، كأن الضوء فيها ينبعث من جدرانٍ خفية تراقب الداخلين بصمتٍ متواطئ.
في المنتصف، صفّ من الكراسي المذهّبة، عليها بطاقات بأرقام لا أسماء.
وعند المدخل، لافتة باهتة كُتب عليها بخطٍ مائل:
“التحكيم الأدبي الأعلى — لا صوت يعلو فوق المصلحة.”
جلس “صادق اللسان” على الكرسي رقم 7.
كان يظن أنه جاء ليشهد محاكمة النصوص الرديئة، فإذا به المتهم الأول.
أمامه ملفّ أسود مكتوب عليه:
“سيرة نقدية مشبوهة في النزاهة.”
تصفّحه بدهشةٍ كمن يقرأ اعترافاتٍ لم يكتبها بعد.
دخل القضاة بثيابٍ رمادية تشبه الورق المبتلّ.
كان رئيس الجلسة، الملقّب بـ“الشيخ عارف”، يبتسم بثقةٍ من تعوّد على دفن الحقيقة في تقارير رسمية.
قال بصوتٍ رخيمٍ يقطر وقارًا مصطنعًا:
ـ السيد صادق، كنا نحترم مقالاتك السابقة عن الصدق والنزاهة، لكن الزمن تغيّر، والأدب الآن يحتاج مرونة.
أجابه صادق:
ـ وهل المرونة تعني أن نحني أعناقنا لكل نصٍّ مكسور؟
ردّ أحدهم بفتورٍ كأنّه يقرأ من لائحةٍ مقدّسة:
ـ الانحناء ليس عيبًا، إنه شكل من أشكال التوازن المهني.
تململ صادق في مكانه.
شعر أن الكرسي يزداد ثِقلاً، كأن شيئًا داخله يلتصق بجلده.
حاول النهوض فلم يقدر، فكر في صمت:
«ربما هذا الكرسي مصنوع من ضميري القديم.»
بدأ عرض النصوص، تُقرأ بصوتٍ آليّ، بلا روح، كأن الحروف تُستخرج من أرشيف قديم للرداءة.
رفع صادق حاجبيه وقال:
ـ هذا النصّ أشبه بورقةٍ خرجت من آلة تصويرٍ متعبة.
ردّ الشيخ عارف مبتسمًا:
ـ لكنه ابن المؤسسة، ألا يستحق بعض العطف؟
ضحك أحدهم قائلاً:
ـ إن الله يحب المحسنين... ونحن نحسن الظن دائمًا بمن في يدهم القرار.
ساد صمتٌ خانق.
بدأت الجدران تتنفس.
رأى صادق ظلًّا على الجدار يشبهه تمامًا، جالسًا على كرسيٍّ آخر يصفق.
سأله بصوتٍ مرتعش:
ـ من أنت؟
أجابه الظلّ ببرود:
ـ أنا أنت حين قررت أن تصمت.
تجمّد المكان.
الكرسي تحت جسده بدأ يتحول إلى مادةٍ لزجة، كأنه يبتلعه ببطءٍ رتيب.
صرخ في وجه اللجنة:
ـ أنتم لا تحكمون في الأدب، أنتم تحاكمون المعنى نفسه!
ضحك القضاة بصوتٍ متزامن، كأنهم صفّ واحد من المهرّجين المقدّسين.
قال الشيخ:
ـ المعنى ترفٌ يا صادق. نحن نحاكم النغمة، لا النية.
ثم ختم ملفّه بختمٍ أحمر كدمٍ يابس، وقال:
ـ يُمنح النص الرديء الجائزة الكبرى، ويُمنح صادق وسام “الناقد المرن”.
وقف صادق، أو حاول.
لكن الكرسي كان قد ابتلعه حتى الخصر.
بدأ يشعر أن جسده يتحوّل إلى خشبٍ مذهّب.
سأل وهو يختنق:
ـ لماذا أنا؟
قال الشيخ وهو يطفئ سيجارته على الطاولة:
ـ لأنك آمنت بالكلمة، ولم تفهم أن الكلمة وسيلة لا غاية.
ثم أُطفئت الأضواء.
وفي آخر لحظة، رأى صادق وجهه ينعكس على سطح الطاولة كمرآةٍ من زجاجٍ مُسائل.
قال صوته الداخلي:
ـ المبدأ، يا صادق، لا يموت دفعةً واحدة... بل على مراحل، مع كل تصفيقٍ كاذب.
حين عاد الضوء، كان الكرسي رقم 7 فارغًا،
لكن فوقه وُضعت لوحة صغيرة كتب عليها:
“عضو شرفي دائم — الأستاذ صادق اللسان.”
وبجانبه، كرسيّ جديد ينتظر قادمًا آخر،
ربما ناقدًا صادقًا…
في بداية انتكاسته.

في الخارج، كانت السماء رمادية، لا هي ليلٌ ولا نهار، بل فراغٌ معلّق بين حالتين — كحال الذين عرفوا الحقيقة متأخرين.
وقف “صادق اللسان” في ممرٍّ طويلٍ يمتد إلى ما لا نهاية.
لم يكن يعرف أهو خارج القاعة أم داخلها،
فالحدود في هذا المكان كانت تُرسم بالموافقة وتمحى بالسكوت.
سمع في داخله صوتًا يقول:
“لقد اخترت، وإن لم تختر.”
كانت تلك الجملة تُدوّي كما لو نُقشت في صدره بمسمار من وعي.
أدرك أن الحرية ليست أن يرفض،
بل أن يتحمّل تبعات رفضه حتى النهاية — وهو ما لم يفعله.
كل خطوةٍ يخطوها كانت تُعيده إلى المكان نفسه،
كأن الزمن في هذه المحكمة يدور حول نفسه،
وكأن الانتكاسة ليست فعلًا وقع في الماضي،
بل زمنٌ دائم لا يتوقف،
تكرّره الأرواح حين تبرر، وتصفّق، وتنسى.
نظر إلى يده، فرأى بقايا طلاءٍ ذهبيّ — لون الكرسي الذي ابتلعه ذات يوم.
ابتسم بسخريةٍ هادئة وقال في نفسه:
ـ الحرية يا صادق ليست في أن تنهض… بل في أن تعرف متى جلست.
ثم اختفى صوته في الممرّ،
وظلّ صدى الضحكات القديمة يتردّد كترنيمةٍ لاحتفالٍ لا ينتهي.
في نهاية الممر، لوحة باهتة كتب عليها:
“كلّ من جلس هنا، كان حرًّا في البداية.”



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنشودة الضوء – إفريقيا التي لا تموت
- غناء الضوء في الغابة العتيقة
- بحيرة مالاوي: مرآة السماء ومهد الأساطير
- حين يؤذّن النور على ضفاف الميكونغ — المسلمون في فيتنام
- نشيد الماء والذاكرة
- روح فيتنام — حين يتكلم القلب بلغة المطر
- من طين الحقول إلى مرايا الزجاج — فيتنام بين الهوية والحداثة
- بين ترف التأويل وتيه المعنى: قراءة في نقد لامية عويسات لنصّ ...
- حين تنهض الأرض من رمادها
- حيث تتكلم الأرض بلغة الماء
- ألف عام من الصبر تاريخ فيتنام ومعنى الحرية
- بلاد الماء والنور نزهة فكرية في جغرافية فيتنام
- حين تُنير الآلة طريق القلب — التأمل الروحي والفلسفي في عصر ا ...
- نحو إنسان جديد في زمن الذكاء الاصطناعي — التوازن بين العقل و ...
- المعرفة والوعي بين الإنسان والآلة — حدود الفكر وحدود الروح
- الذكاء الاصطناعي ومحنة الضمير — قراءة في أخلاقيات العقل الصن ...
- الإنسان والآلة — من التنافر إلى التكامل دراسة في البدايات ال ...
- -شظايا الحب في عيون القمر-
- الانتكاسة
- -أنثى تتوضأ بالضوء-


المزيد.....




- دهيميش.. مقرئ ليبي قضى 90 عاما في خدمة القرآن
- -عفريتة- السينما المصرية.. رحيل -كيتي- نجمة الاستعراض في زمن ...
- 11 رمضان.. إعادة رسم الخرائط من خراسان لأسوار دمشق
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...
- عندما يرفض الفنان موقع الحياد الكاذب: التونسية كوثر بن هنية ...
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...
- -غلطة شنيعة-.. مرشد يشوه هرم أوناس بمصر والمنصات تتفاعل
- نحو موقف معرفي مقاوم: في نقد التبعية الثقافية والبحث عن -الم ...
- بعد -عاصفة غزة-.. اجتماع طارئ لبحث مستقبل مهرجان برلين السين ...
- محمد القَريطي.. -بشير الإفطار- الذي وحّد وجدان اليمنيين لـ6 ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - مراثي الكرسي رقم 7