محمد بسام العمري
الحوار المتمدن-العدد: 8523 - 2025 / 11 / 11 - 23:24
المحور:
الادب والفن
ثمة نصوصٌ لا تُقرأ لأنها جميلة فحسب، بل لأنها تُعيد تعريف علاقتنا بالذاكرة والمعنى.
ومن بين تلك النصوص، يبرز «بيت الأثرياء» كمرثيةٍ للروح الإنسانية في زمنٍ فقد ملامحه. بيتٌ لم يُبنَ بالحجارة بقدر ما شُيّد بالأسئلة: عن الغياب، والزوال، وتحوّل الثراء إلى عبءٍ روحيٍّ أكثر منه راحةً مادية.
إنه نصّ يجعل القارئ يتأمل فكرة البيت بوصفها مرآةً للذات، ومكانًا يسكننا أكثر مما نسكنه.
وفي هذا الأفق الملبّد بالرموز، جاءت قراءة لامية عويسات محاولةً لتفكيك هذا الصمت الجمالي وتأويل طبقاته، لكنها في ذلك كشفت — بوعيٍ أو بدونه — عن مفارقاتٍ نقديةٍ تستحق التأمل والمساءلة.
فما الذي قاله النص؟ وما الذي أضافه النقد؟ وأين يلتقي الاثنان في مساحة الضوء والظل؟
في زمنٍ تتكاثر فيه القراءات كما تتكاثر المرايا، يصبح الناقد الحقيقي هو من يرى خلف الانعكاس، لا فيه.
وحين تتناول ناقدة مثل لامية عويسات نصًّا ثريًّا بالرموز كـ"بيت الأثرياء" للأستاذ كاظم حسن سعيد، فإننا نجد أنفسنا أمام جدليةٍ بين النصّ وقراءة النصّ، بين الأصل وصدى الأصل، بين ما كتبه الكاتب وما كتبه من قرأ الكاتب.
وهنا تبدأ مغامرة التأويل في طبقتها الثانية: أن نقرأ النقد لا باعتباره نهاية القراءة، بل بوصفه نصًّا جديدًا يستحق بدوره أن يُفكَّك ويُساءَل ويُوزَن بميزان الفنّ والمعرفة معًا.
قبل الدخول في تفكيك قراءة لامية عويسات، من المفيد أن نعود لحظة إلى النص نفسه، إلى ما يثيره من ظلالٍ أولى في وجدان القارئ؛ فـ"بيت الأثرياء" لا يُقرأ بقدر ما يُستنشق، كغبارٍ قديم ينهض من ذاكرةٍ مُهملة، وكأصواتٍ تتردّد في جدرانٍ تعرف أكثر مما تقول.
في بيتٍ يختبئ فيه الغبار كما تختبئ الأسرار في صدور العجائز، يبدأ النص رحلته لا كحكاية، بل كأنفاس مدينةٍ فقدت ذاكرتها.
كاظم لا يكتب بيتًا من طابوقٍ عتيق، بل يكتب مرثيةً للروح وهي تُهدم من الداخل، تمامًا كما قال بودلير: “كل حجرٍ في المدينة القديمة يحمل خطيئةَ إنسانٍ نسي نفسه.”
في “بيت الأثرياء” لا نسمع صدى الثراء، بل صدى الفقد. الرسائل التي التهمتها الأرضة ليست أوراق حب، بل رموز لزمنٍ تآكلت فيه المشاعر مثلما تتآكل الأخشاب في رطوبة النسيان.
كأن النصّ يفتتح من ركام الرسائل حوارًا مع العدم، فتبدو الكلمات غبارًا مظلمًا ساكنًا، ذلك الغبار الذي وصفه كامو يوم قال إن الإنسان “كائن يبحث عن المعنى وسط صمتٍ كثيف”.
البيت الثري الذي نجا من الزوال ليس نجاته فخرًا، بل لعنته. إنّه كجسدٍ مُحنّط، باقٍ في الزمن بلا حياة. يلتفّ بسحابةٍ معتمة وسط أبراجٍ مضاءة، كما يلتفّ الماضي حول عنق الحاضر، خانقًا أنفاسه.
هذا التناقض بين الثبات والزوال، بين الضوء والعتمة، يذكّرنا بما رآه ت. س. إليوت في الأرض الخراب حين قال: “ما بين الفكرة والواقع، يسكن الظل.”
فالنص هنا لا يرصد تحوّل المكان فحسب، بل يرصد اغتراب الإنسان في عصرٍ صار الضوء فيه شكلاً آخر من أشكال الظلمة.
من هذه الرؤية الوجدانية، يمكننا الدخول بثبات إلى قراءة لامية عويسات، التي اقتربت من النصّ بأسلوبٍ يمزج بين التحليل الأكاديمي والإنشاء الشعري، لكنها في هذا المزج ذاته كشفت عن مساحاتٍ من الارتباك المنهجي والتضخّم التأويلي، الذي يستحق التوقّف عنده نقدًا وتفنيدًا.
في قراءتها لنص «بيت الأثرياء»، بدت لامية عويسات كمن دخل بيت اللغة وفي يدها مصباحان: أحدهما من النقد الحديث، والآخر من البلاغة التقليدية. أضاءت أركانًا، لكنها تركت زوايا غارقة في الظل. كان نقدها أقرب إلى لوحةٍ وصفية باذخة الألوان منها إلى دراسةٍ منهجية متماسكة.
تبدأ عويسات من العتبة، من العنوان، حيث تبدي حسًّا تأويليًا لافتًا حين تقول إن «ال» التعريفية تُؤطّر نموذجًا لا حالة. هذا المدخل يُحسب لها، لأنه ينقل القراءة من الانطباع السطحي إلى الفهم الثقافي للعنوان بوصفه "بنيةً دلالية لا لفظًا". لكنها توقفت عند التوصيف ولم تُنجز الانتقال إلى التحليل البنيوي الكامل: فالعنوان لم يُفكَّك كخطاب اجتماعي أو كحيلة سردية، بل ظلَّ مُعلَّقًا بين التأمل اللغوي والرمزية العامة.
هنا كان يمكن أن تذهب أبعد، مثل أن تُقارن «بيت الأثرياء» بـ«بيت العنكبوت» القرآني في دلالته على الوهن المبطَّن في القوة، أو أن تستثمر رؤى بارت في لذة النص بوصف العنوان وعدًا جماليًّا للقارئ، لكنها آثرت البقاء في منطقةٍ وسطى.
حين انتقلت إلى النصّ، استعارت أدوات السيمياء والمشهدية، فوصفت السينوغرافيا بدقّة تصويرية بارعة: "لقطات متعاقبة، تصوير بانورامي، مشهدان متوازيان". غير أنّ هذا الإعجاب بالصورة السينمائية جعلها تنزلق أحيانًا إلى التحليل الوصفي أكثر من التحليل الوظيفي.
فهي ترصد المشاهد دون أن تفكّك علاقتها بالنسق الرمزي للنص: ما دلالة المشهد داخل البنية الكلية؟ كيف يعمل كآلية سرد أو كرمز لزمنٍ اجتماعي؟ هنا يغيب الربط الجدلي بين الصورة والمغزى، وهو ما يُضعف احترافيّة التحليل رغم جمال لغته.
قوتها تتجلّى حين تُدخل البُعد الاجتماعي والأنثروبولوجي في القراءة: ترى البيت نموذجًا طبقيًا، وتُقارن بين الخلود المادي والفناء المعنوي، وتلمّح إلى نقدٍ للرأسمالية الثقافية. هذا التوجه يستحق التقدير، لأنه يمنح النص عمقًا واقعيًا لا يلغيه جماله الرمزي. لكنها تتعامل مع الفكرة الاجتماعية ببرودٍ منهجيّ لا يستكمل مساره الفلسفي: لم تسائل "البيت" كمفهومٍ أنطولوجي في ذاته، بل كمكانٍ للطبقة فقط.
لو استثمرت هذه الإشارة في قراءة هايدغريّة أعمق — حيث البيت هو "موضع الكينونة" لا مجرد مأوى — لكانت قراءتها أكثر رسوخًا واحترافًا في الحقل الفلسفي.
من الناحية اللغوية، لا يمكن إنكار أن أسلوب لامية عويسات يتمتّع بثراءٍ بلاغيّ، فيه رهافة الصورة ودقّة المصطلح. عبارات مثل “البيت جسد محفوظ ماديا لكنه يتلفّ بسحابة معتمة” تكشف عن شاعريةٍ نقدية نادرة. لكنها أحيانًا تُغرق النصّ في الاستعارة على حساب الصرامة النقدية، فيختلط "التحليل بالإنشاء"، كما قال تودوروف حين حذّر من أن يتحوّل النقد إلى شعرٍ موازٍ للنص لا تفسير له.
تبدو لغتها أقرب إلى "الكتابة عن النص" لا "الكتابة داخل النص"؛ فهي تنسج خطابًا موازيا للكاتب أكثر مما تدخل في نسيجه البنيوي. وهذا يخلق فجوة بين الأنا الناقدة والموضوع المقروء.
في تناوُلها للشخصيات — الفتى الأنيق، الشقراء، الصائد على الأسفلت — تُظهر قدرةً على التقاط الرموز الاجتماعية، لكنها تبقيها رموزًا ثابتة لا حركية فيها.
لم تُحلّل الفتى كقناعٍ سردي للكاتب، ولا الشقراء كأيقونةٍ للحداثة اللامبالية. أوقفت القراءة عند الوصف ولم تواصلها إلى التأويل الديناميكي، حيث تتبدّل الدلالات مع تغيّر السياق النصي.
فالقارئ المتعمّق يشعر أن التحليل اكتفى بالتشخيص دون الغوص في علم الدلالة النفسي أو الرمزية العشقية كما نجدها عند غاستون باشلار أو عند جيلبرت دوران في أنماط الخيال.
أما الجانب البنيوي، فقد كان أكثر المواطن هشاشة.
لم تُقدّم عويسات هيكلًا نقديًا واضحًا أو منهجًا مُعلنًا: قراءتها تتنقّل بين التأويل الوجودي والتحليل الاجتماعي والرمزية الجمالية دون تحديد إطارٍ منهجيّ جامع.
هذا التنقّل يخلق ثراءً ظاهريًا، لكنه يربك القارئ الباحث عن نسقٍ فكري متماسك.
كان يمكن أن تصرّح بأنها تتبع منهج التأويل الرمزي أو النقد الثقافي، لتضع حدودًا معرفية لتحليلها، لكنها تركت النصّ مفتوحًا أمام تعدّد القراءات دون أن توحّد زاوية النظر.
وفي الختام، حين استدعت أسماءً كبرى — باشلار، أدونيس، كانط، هايدغر — بدت تلك الإحالات جميلة لفظيًا لكنها غير موظَّفة تنظيريًا بعمقٍ كافٍ.
فهي تذكر الفلاسفة لا لتبني عبرهم منهجًا، بل لتزيّن القراءة بوهجٍ ثقافي.
الاستشهاد بباشلار مثلاً اقتصر على الفكرة السطحية للمكان كذاكرة، دون تفعيل مفهوم "البيت الحالم" أو "المكان الذي يسكننا"، وهي المفاهيم الجوهرية في فلسفة باشلار.
كذلك استحضار أدونيس بدا أقرب إلى استعارةٍ شعرية منه إلى مقارنةٍ تحليلية حقيقية.
فالإحالات هنا تعمل كـ"أثاث نقدي" يزيّن المقال، لا كأدوات اشتغال معرفي، وهذا من أبرز مظاهر الضعف في القراءة الأكاديمية الحديثة حين تغلّب الزخرفة الثقافية على الحفر المفهومي.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن قراءة لامية عويسات تحمل بصمة ناقدة تعرف كيف تُشعِر القارئ بجمال النص الذي تحلّله.
إنها تكتب النقد كما يُكتب الشعر، وتُحاور اللغة لا لتشرحها فحسب بل لتحتفي بها.
قوتها في الذوق، وضعفها في المنهج.
قدرتها على الوصف باهرة، لكن عمق التحليل المعرفي ظلّ في منطقةٍ رمادية، بين الإشراق الجمالي والمقاربة الفلسفية المبتورة.
إنها قراءة تشبه البيت الذي كتبت عنه: متقن البناء، جميل الواجهة، لكنه يحتاج نوافذَ أوسع يدخل منها هواء المفاهيم النقدية الصارمة.
لقد قرأت النص بعينٍ عاشقةٍ أكثر منها باحثة، فأنارت الروح وأبهرت السطح، لكنّها تركت الأساس الفلسفي نصف غارق في الظلال.
«بيت الأثرياء» في نقد لامية عويسات هو مرآة أخرى للنص نفسه: فخمٌ، أنيق، مدهش... لكنه بحاجةٍ إلى قليلٍ من الضوء المنهجي كي يُرى العمق كما هو، لا كما يُراد له أن يُرى.
#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟