أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - وصيّة في باص مزدحم














المزيد.....

وصيّة في باص مزدحم


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8497 - 2025 / 10 / 16 - 14:22
المحور: الادب والفن
    


(صوتٌ من بين الزحام)

كانت شمسُ بغداد تتسلّل على استحياءٍ من بين الغيوم الرمادية، تُلقي خيوطها الخفيفة على الأرصفة المغبّرة وشناشيل البيوت القديمة التي ما زالت تتشبث بذاكرة المدينة.
الهواء محمَّل برائحة البنزين والخبز الحارّ، وصوت أبواق السيارات يمتزج بصياح الباعة ومناداة سائقي الخطوط في مرآب النهضة.
صباحٌ عراقيٌّ آخر ينهض متثاقلًا من تحت رماد التعب.

توقّفت باص كيا خط (النهضة – الشعب) عند الرصيف وهي تئنّ من الازدحام.
صاح السائق بصوته الخشن وهو يلوّح بيده:
ـ «يلا شباب، أصعدوا بسرعة، ماكو وقت! الكراسي رلح تنترس!»
كان وجهه متعبًا، وعيناه نصف مغمضتين من السهر، وبين تنهيدةٍ وأخرى يتمتم ساخرًا:
ـ «هاي بغداد… كل يوم زحمة، كل يوم نفس الحچي… الشوارع تضيق، والناس تكثر!»

صعد جنديّ بزيٍّ باهتٍ تفوح منه رائحة التراب والعرق، تبدو على يديه تشققاتٌ داكنة كأرض عطشى.
جلس بصمتٍ في المقعد الخلفي، بجانبه فتاة في زيٍّ رصاصي، طالبة ثانوية، تضمّ كتبها الممزقة إلى صدرها كأنها تحتمي بها من قسوة العالم.
بدأ الباص يتقدّم ببطءٍ وسط الزحام، وتسرّبت الحوارات بين الركّاب مثل أنينٍ مألوف:
قال رجلٌ في الأربعين وهو يطالع جريدة الصباح:
ـ «الأسعار تصعد كل يوم، والراتب واكف بمكانه!»
ردّ آخر بنبرةٍ حادّة:
ـ «ومنو وراها؟ الحكومة نايمة! لا كهرباء، لا شغل، ولا أمان!»
ضحك ثالث بسخريةٍ باهتة:
ـ «من نسمع كلمة إصلاح نعرف الكارثة جايه!»
التفت السائق غاضبًا وهو يضغط على البوق محاولًا شقّ طريقه في زحام الساحة :
ـ «هاه بعدني أسمع هالحچي كل يوم! والله راح أبيع الكيا وأروح لأربيل أتنفّس! تعبنا من الزحمة والحرّ!»
ضحك الركاب بخفوتٍ، ضحكٌ يشبه البكاء.

ظلّ الجندي ساكنًا، ينظر من النافذة إلى وجوه المارة والباعة وصبية المدارس.
في عينيه بريقٌ من خيبةٍ وحنينٍ بعيد.
التفت فجأة إلى الفتاة وقال بصوتٍ مبحوحٍ كأنه يخرج من بين حطام التعب:
ـ «الله يوفقچ بدراستچ… لا تخلين العمر يضيع مثلنه.»
ارتبكت، خفضت رأسها، لم تدرِ بماذا تجيب، لكنها شعرت أن شيئًا في كلماته سكن قلبها كوصيّةٍ لا تُنسى.

بالقرب من جامع النداء توقّف الباص.
نزل الجندي بخطواتٍ بطيئة، يحمل حقيبته الصغيرة، واختفى بين الزحام كأنه ظلٌّ ابتلعته المدينة.
وبقيت الفتاة تحدّق من النافذة، تراه في خيالها يمشي وحيدًا، يجرّ خلفه وطنًا متعبًا من الحرب.

بعد سنواتٍ، حين وقفت على منصة التخرّج بروبها الاسود ، رفعت شهادتها وسط التصفيق،
لكنها سمعت في أعماقها صدى ذلك الصوت البعيد، كأنه نداء من زمنٍ آخر:
«لا تخلين العمر يضيع مثلنه…»
ابتسمت بدمعةٍ خفيفة، وأدركت أن بعض الكلمات لا تموت، بل تظلّ تنير دروبنا في باص مزدحم…
حيث تمرّ الوصايا خافتة، ولكنها لا تُنسى.
فعلا ، وصيّةٌ عظيمة عابرة في باصٍ مزدحم، بين جيلٍ أنهكته الحروب، وجيلٍ يعلّق قلبه على خيط الأمل والتعليم، تمضي لتصبح شاهدًا صغيرًا على روح بغداد التي لا تموت.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رائحة الخبز في بغداد
- ساعة لا تدقّ
- مقعد في قاعة الانتظار
- حُلْمٌ يُحاكَمُ في اليقظة
- كلية واحدة للحب
- مرثيَّةُ الرُّوحِ الغائبة
- الطريق الى المخيم
- رسالة لم تُسلَّم
- ذاكرة التيار
- الفستان
- حذاء صغير عند العتبة
- ليل المستشفى
- رسائل لم تصل
- صوت المطر على المظلة المعدنية
- السماء المفتوحة
- غروب في المقبرة
- مذكّرات قائد فرقة عسكرية / ١
- أنابيب ضائعة
- دم الشهيد بين المكاتب
- تأملات راحل


المزيد.....




- احتفاء مغربي بالسينما المصرية في مهرجان مراكش
- مسرحية -الجدار- تحصد جائزة -التانيت الفضي- وأفضل سينوغرافيا ...
- الموت يغيب الفنان قاسم إسماعيل بعد صراع مع المرض
- أمين معلوف إثر فوزه بجائزة أدبية في المكسيك: نعيش في أكثر عص ...
- الدرعية تحتضن الرواية: مهرجان أدبي يعيد كتابة المكان والهوية ...
- أمين معلوف إثر فوزه بجائزة أدبية في المكسيك: نعيش في أكثر عص ...
- يهود ألمانيا يطالبون باسترداد ممتلكاتهم الفنية المنهوبة إبان ...
- هل تقضي خطة ترامب لتطوير جزيرة ألكاتراز على تقاليد سكانها ال ...
- محافظ طولكرم ووزير الثقافة يفتتحان مهرجان ومعرض يوم الكوفية ...
- حاز جائزة الأوسكار عن -شكسبير عاشقا-.. الملك تشارلز ينعى الك ...


المزيد.....

- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية
- الذين باركوا القتل رواية ... / رانية مرجية
- المسرواية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ. دراسة في نقاء الفنون ... / د. محمود محمد حمزة
- مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة. الطبعة الثانية / د. أمل درويش
- مشروع مسرحيات مونودراما للسيد حافظ. اكسبريو.الخادمة والعجوز. ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - وصيّة في باص مزدحم