أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة طوبى : في ذكر حال الأنام والآمال العِظام .














المزيد.....

مقامة طوبى : في ذكر حال الأنام والآمال العِظام .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8495 - 2025 / 10 / 14 - 00:39
المحور: الادب والفن
    


قامَتْ في خاطري فكرةٌ كبريقِ حُلْم , وعَلِقَتْ في فمي لفظةٌ كطعمِ شهد , هي (( طُوبَى )) , تلك الكلمةُ الآراميةُ الأصلِ , العربيةُ المعنى , الإنسانيةُ الأفق , التي تجمّعت فيها معاني السعادةِ والهناء , من شجرةٍ وارفةٍ في جنّةِ الخُلد , إلى تهنئةِ شارحٍ عربيٍّ مُسلمٍ قال : (( أصبتَ خيراً )) , وبينما أنا أُقَلِّبُ صفحاتِها في ذهني , مُسْتَذكِراً قولَ الرئيسِ الأمريكيِّ في ختامِ بيانهِ السياسيِّ : (( طُوبَى لصانعي السلام )) , الذي نَزَعَ عنها حِصريتَها الدينيةَ ليُلْبِسَها ثوبَ الإنسانيةِ الشامل , إذ بي أرى (( الطُوبَى )) تتجلى في سياقاتٍ أُخرى , لا سِياسيةً فحسب , بل حياتيةً ومعيشيةً , تُلامِسُ جِراحَنا وتُنادي بآمالِنا.

فيا طُوبَى ثم طُوبَى لمن يُعيدُ للناسِ حقوقاً سُلِبَتْ , وللأرضِ خيراً نُهِبَ , منذُ زمنِ الغزوِ وإلى يومِنا هذا , حيثُ تلوثتْ الذممُ , وتَعاظَمَتِ الحيتانُ , وطُوبَى لمن يُشعِلُ نورَ زهيرٍ ليضيءَ دهاليزَ القضاءِ العادِل , مُحَقِّقاً في ملفاتِ الفسادِ والكَلاَوَاتِ التي غطَّتْ على حقيقةِ الأمر, وطُوبَى لمن يقفُ سدّاً منيعاً في وجهِ تلكَ المحاولاتِ المحمومةِ لقتلِ كلِّ جميلٍ فينا , حتى أن الماضي لم يسلمْ من سُمِّ الأفاعي , التي نخرتْ في حاضرِنا وهي الآنَ تُحاولُ قتلَ الذكرياتِ الجميلة , مُستهدِفةً قاماتٍ شامخةً كعبد الرزاق عبد الواحد والجواهريِّ وكاظم الساهر, طُوبَى لمن يتوبُ لهؤلاءِ الحاقدين , الذينَ جَعلوا من الجمالِ كُفْراً , ومن الحبِّ زَنْدَقَةً , ساعينَ إلى الرجوعِ بالمجتمعِ إلى عصورٍ مظلمة , لا يُبْصَرُ فيها نورٌ ولا يُسمَعُ فيها لحنٌ.

طُوبَى للمتصدِّينَ لتلكَ السلسلةِ العملاقةِ من التَّدْويخاتِ المُمَنْهَجَةِ الكريهةِ , التي تسيحُ على ما تبقّى من جسدِ بلادِنا , بلادِ ما بينَ القَهْرَيْنِ العظيمين , في زمنٍ يقودُ فيه الأَرْذَلون , لأن حضارتَنا العربيةَ والإسلاميةَ تمرُّ بأَرْذَلِ العُمر , وطُوبَى لمن يمدُّ يدَ العونِ في ضيقٍ , ولو بمروحةٍ صغيرةٍ في ليلةٍ حارّةٍ تُنْقِذُنا من حَرِّنا الماديِّ والنفسيِّ , وطُوبَى لمن يُعَطِّلُ حواسَّنا المكلومةَ لنتَمَكَّنَ من الاحتفاظِ بعقولِنا السليمة , وطُوبَى ألفُ طُوبَى لمن يفضحُ الجماعاتِ التي تتبجَّحُ بالمطالبةِ بحقوقِ اللهِ في الشكلِ , وتَنْهَبُ حقوقَ خَلْقِهِ في المضمونِ والجوهر , فمن أشدِّ أنواعِ الشقاءِ أن تنجحَ في تحريرِعقلكَ , ثم يفشلَ هو في تحريرِك , فتظلَّ مُعَلَّقاً بينَ خيالٍ صَنعَهُ العقلُ , وواقعٍ صَنَعَتْهُ الظروفُ , وما زلنا نصنعُ من الظلمِ ظالمينَ جدداً يكفي لقرونٍ قادمةٍ.

وطُوبَى لمن يُعيدُ مفهومَ المدينةِ الفاضلةِ (اليوتوبيا) من سياقِها السياسيِّ البعيدِ عن الواقعِ , إلى سياقِ العملِ اليوميِّ المُتَّصِلِ بحياةِ الناس , فيجعلُ من السعيِّ إلى الكمالِ الأخلاقيِّ والعدلِ الاجتماعيِّ هدفاً قابلاً للتطبيقِ , لا مُجردَ حُلْمٍ طوباويٍّ نُقِيمُ فيه الخيامَ على سُطوحِ الكُتُبِ , فما قيمةُ أن نُفَكِّرَ في (( طُوبَى )) شجرةِ الجنةِ , ونحنُ نعيشُ في جحيمِ الأرضِ بظلمِنا وتقاعُسِنا ؟ طُوبَى لمن يُحوِّلُ هذه الكلمةَ من اسمٍ لمدينةٍ مقدسةٍ في السنغالِ , إلى اسمٍ لكلِّ بقعةٍ من أرضِنا تُحكَمُ بالرحمةِ وتُضاءُ بالإنصاف.

وطُوبَى لمن يَستَخدِمُ عقلَهُ الذي حُرِّرَ من القيودِ , ليُحرِّرَ به الآخرينَ من براثنِ الجهلِ والتجهيلِ المُتَعَمَّد , ذلكَ الذي لا يكتفي بالصراخِ في الوادي , بل يمدُّ الحبالَ ليُخرِجَ الغرقى , ولا يكتفي بالشكوى من الظلامِ , بل يُصبِحُ هو المِصباح , فكم من عقولٍ نَجَحَتْ في التَّحَرُّرِ, لكنَّها رَفَضَتْ نَجدَةَ الجماهيرِ المَسحوقة , تاركةً إيّاها غارقةً في وَحْلِ الواقعِ المصنوعِ , مُتَعلِّقةً بالوهمِ الذي صَنَعَهُ الظالمون, فطُوبَى لمن يُلْهِمُنا أنَّ العدالةَ ليستْ مُجَرَّدَ تصوُّرٍ سُرياليٍّ , بل هي واجبٌ إنسانيٌّ نُكافِحُ من أجلِهِ كلَّ يومٍ.

فَيا رَبِّ , طُوبَى لنا بِمَنْ ينقذُنا من كابوسِنا المُؤَبَّد , الذي أفقدَنا القناعةَ بوجودِ عدالةٍ أرضيّةٍ أو سماويّةٍ آنيّةٍ , فكمْ نحتاجُ من (( طُوباتٍ )) لنرددَها حتى يَنزلَ علينا الخيرُ ويَصْدُقَ فينا قولُ قتادةَ السدوسيِّ: (( أصبتَ خيراً )) , وبهذا , تكونُ (( الطُوبَى)) قد اكتملتْ معانيها , من (( هنيئاً لك )) الآراميةِ , إلى (( شجرةِ الخيرِ)) الإسلامية , إلى (( المدينةِ الفاضلةِ )) المرجوّةِ على الأرض , وهي في كلِّ سياقٍ , نداءٌ للخيرِ, وإيذانٌ بالفوز.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامة الإقصائية .
- المقامة الإسلاسية .
- مقامة ترانيم الخريف .
- مقامة فن الصياغة : الوافي بوفيات الصفدي مثلا .
- مقامة حَرْقِ الكُبُودِ على عراقٍ مَغْزُو .
- مقامة حديث خرافة يا أم عمرو!
- مقامة النوارزمية : فصلُ النورِ وحُجَّةُ الخوارزمِ .
- مقامة (( لعم )) .
- مقامة الخطو وحيدا .
- مَقَامَةُ إِخْوَانِ الصَّفَا وَخِلَّانِ الوَفَا .
- مقامة رماد القدر.
- مقامة الأباطيل والأكاذيب : حين يكتب السيف .
- مقامة مال السُّوَّال .
- مقامة معادن غريبة .
- مقامة الخذلان .
- مقامة حب كونفوشيوس .
- مقامة المهذب الرقيق .
- مقامة نباح المناهج وذبابها : أدب المقاومة الفكرية.
- مقامة أموت نظيفًا .
- مقامة حمالة الحطب : من شرر الشوك إلى رماد الأمة .


المزيد.....




- صدور كتاب -تأثير الإسلاموفوبيا على السياسة الخارجية الأمريكي ...
- 12 رمضان.. ابن طولون يستقل بمصر وجنازة تاريخية لابن الجوزي ف ...
- الذكــاء الاصطنـــاعي والتفكيـــر الناقــد!
- المدرسة كمجتمع صمود إيجابي: من ثقافة الانتظار إلى ثقافة الفع ...
- ضع في حقيبتك حجراً وقلماً ونكافة .. إلى صديقي الشاعر المتوكل ...
- -محمد بن عيسى.. حديث لن يكتمل- فيلم وثائقي عن مسار رجل متعدد ...
- حكاية مسجد.. -المؤيد شيخ- بالقاهرة من سجن إلى بيت لله
- ثقافة العمل في الخليج.. تحديات هيكلية تعيق طموحات ما بعد الن ...
- محمد السيف يناوش المعارك الثقافية في -ضربة مرفق-
- دهيميش.. مقرئ ليبي قضى 90 عاما في خدمة القرآن


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة طوبى : في ذكر حال الأنام والآمال العِظام .