أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8453 - 2025 / 9 / 2 - 15:42
المحور:
قضايا ثقافية
من الماء إلى الماء تمتد هذه الرقعة التي تُسمّى وطنًا عربيًا، بثراء جغرافي وبشري يكاد يكون أعجوبة على خريطة العالم. أمة تملك شواطئ تمتد على محيطين وبحار أربعة، وتتحكم بمضائق وممرات بحرية هي شرايين التجارة الدولية، وتحتضن في باطنها ثروات لا تحصى من النفط والغاز والمعادن، وفي سطحها تنبض شمس وريح تكفي لإنارة نصف العالم بطاقة متجددة. ومع ذلك، حين ننظر في المرآة، نرى شعوبًا ممزقة، دولًا متناحرة، أنظمة تخشى شعوبها أكثر مما تخشى أعداءها، ونخبًا سياسية تبدو وكأنها اختارت بإرادتها أن تتعثر في طريق تعرفه جيدًا.
هنا تتجسد المفارقة المريرة: ليست الأزمة أزمة جهل أو نقص في الإمكانيات، بل أزمة إرادة ومسؤولية. النخب تعرف مفاتيح القوة، تعرف أن الطريق إلى النهضة يبدأ من الحرية، والعدل، والعلم، والقرار المستقل، لكنها تختار غير ذلك. تسير عكس الاتجاه، ثم تشتكي من وعورة الطريق.
⸻
الوعي المقموع: حين يصبح الإدراك عبئًا
المفارقة الكبرى أن هذه النخب ليست غافلة ولا جاهلة. هي تقرأ التاريخ، تعرف كيف نهضت الأمم وكيف سقطت، وتدرك بوضوح أن الشعوب لا تُبنى بالخطابات الرنانة ولا بالتبعية العمياء، بل بالثقة في الذات وبناء المؤسسات وإطلاق الطاقات المكبوتة. ومع ذلك، فإن هذا الوعي يتحول عندها إلى عبء، إلى نوع من الإدراك المأساوي الذي يُذكّر بعبارة ألبير كامو: “أسوأ ما يمكن أن يصيب الإنسان أن يعرف الطريق الصحيح، ثم يختار غيره لأنه أكثر راحة.”
النخب العربية اختارت الراحة على المسؤولية. راحة الاستبداد بدل مغامرة الحرية. راحة الاستهلاك بدل مخاطرة الإنتاج. راحة التبعية بدل ثمن الاستقلال. لكنها حين تفعل ذلك، لا تعترف بخياراتها، بل تدّعي أن الظروف أقوى منها، وأن الواقع معقد، وأن التاريخ ضدها.
⸻
مأزق الشرعية: الحكم بالضد من الناس
منذ قرون، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم في العالم العربي تعيش مأزقًا أخلاقيًا عميقًا. الشرعية هنا لا تُستمد من الرضا الشعبي أو من التعاقد الاجتماعي، بل من القوة، أو من الخارج، أو من التاريخ الموروث. وحين تُبنى الشرعية على غير الناس، يصبح الطريق الوحيد للبقاء هو السيطرة على الناس، لا خدمتهم.
وهذا يفسر لماذا نجد دولًا عربية تنفق مليارات الدولارات على أجهزة الأمن والرقابة أكثر مما تنفق على التعليم أو البحث العلمي. يفسر لماذا يتفوق إعلام التضليل على مؤسسات الثقافة والمعرفة. ويكشف سرّ التناقض بين وعي النخب وخياراتها: لأنها تعرف أن منح الناس حرية القرار يعني نهاية سلطتها.
هنا تتجلى المعضلة الفلسفية: النخب العربية لا تريد أن تكون جاهلة، لكنها تخشى أن يتحول وعيها إلى وعي جماعي. وكأنها تقول في سرها: “نعرف الطريق… لكن لا نريد للشعب أن يعرفه.”
⸻
المجتمع بين التبرير والخذلان
غير أن تحميل النخب كل الوزر لا يكفي لفهم الصورة. فالمجتمع العربي بدوره يدخل اللعبة، أحيانًا كشريك في التبرير، وأحيانًا كمتواطئ بالصمت. ففي كثير من اللحظات التاريخية، كان يمكن للشعوب أن تدفع أثمانًا باهظة لتحرير إرادتها، لكنها اختارت أن تُطيل الصبر، أن تنتظر المخلّص الخارجي، أو أن تُسكن وجعها بالحنين إلى الماضي.
هنا يظهر الجانب الاجتماعي من المعضلة: الشعوب التي ارتضت لعقود أن يُحكم باسمها من دونها، والتي مارست جلد الذات أكثر مما مارست مساءلة النخب. كأننا أمام عقد اجتماعي معكوس: النخب تخون طريق القوة، والشعوب تسامحها أو تتعايش مع خيانتها.
⸻
البعد الفلسفي: المعرفة التي لا تُترجم إلى فعل
الفلسفة منذ سقراط حتى هايدغر شددت على أن المعرفة لا قيمة لها إن لم تتحول إلى فعل. سقراط قُتل لأنه أصر أن الفضيلة معرفة، وأن الشر وليد الجهل. لكن ما نراه في الحالة العربية يقدّم جدلًا معاكسًا: الشر وليد معرفةٍ مشوهة، وفضيلة مغدورة.
النخب تعرف، لكنّها لا تفعل. هنا تتحقق مأساة جديدة: أن تصبح المعرفة سلاحًا ضد الذات، لا رافعًا لها. أن تتحول إلى قيدٍ يحبس صاحبه بين إدراك الحقيقة والخوف من ثمنها. وهذا يضع النخب في مأزق وجودي: فهي لا تستطيع أن تدّعي الجهل، ولا تجرؤ على مواجهة ما تعرفه.
⸻
الأدب كمرآة للأزمة
الأدب العربي الحديث التقط هذه المعضلة مبكرًا. نجيب محفوظ في ثلاثيته وصف بمرارة نخبًا تتأرجح بين خطاب الوطنية وواقع المساومة. جبرا إبراهيم جبرا تحدث عن “الغرف المظلمة” التي يختبئ فيها المثقف والسياسي معًا. محمود درويش لخصها بقوله: “ونحن نعرف ماذا نريد، لكننا لا نفعل ما نريد.”
الأدب ليس زينة هنا، بل شهادة تاريخية على أن هذه الأمة تعيش وعيًا مشطورًا: نعرف ونتخاذل. نتأمل الحرية في القصيدة، ونفرّ منها في السياسة.
⸻
بين الماء والماء: القوة المهدورة
لو نظرنا إلى الخريطة بعيون باردة، لرأينا أن الوطن العربي يمتلك كل عناصر القوة التي تُثير غيرة الأمم: موقع استراتيجي يربط الشرق بالغرب، مخزون طاقة يشكل قلب الاقتصاد العالمي، عمق حضاري يجعل من الثقافة العربية إرثًا إنسانيًا لا يُقدّر بثمن، وسوق بشري يتجاوز 400 مليون إنسان.
لكن هذه القوة تتحول إلى ضعف حين تُجزّأ وتُهدر. فبدل أن يكون البحر الأبيض المتوسط بحيرة عربية تربط مشرق الأمة بمغربها، أصبح مسرحًا للأساطيل الأجنبية. وبدل أن تكون الثروة النفطية وسيلة للتحرر الاقتصادي، صارت قيدًا للتبعية. وبدل أن تكون الجغرافيا جسرًا للتكامل، تحولت إلى حدودٍ دامية.
⸻
أصداء الفلاسفة: من ابن خلدون إلى إدوارد سعيد
ابن خلدون تحدث عن أن الدول تنهار حين تفقد عصبيتها الداخلية، أي حين تنفصل السلطة عن الناس. وإدوارد سعيد أعاد تذكيرنا بأن الاستعمار لا ينجح إلا حين يجد فراغًا داخليًا يملؤه. وما بينهما، هناك قرون من التجارب التي تؤكد أن القوة لا تُستورد، ولا تُمنح من الخارج، بل تُصنع في الداخل.
لكن النخب العربية اختارت الطريق الأسهل: الاستعانة بالخارج بدل مواجهة الداخل. هنا يتحقق التناقض الأكبر: أن تستمد النخب قوتها من خارج الأمة، ثم تبرر ضعف الأمة بأنها محاصرة من الخارج.
⸻
الفلسفة السياسية: الحرية كشرط للنهضة
هيغل كان يقول: “لا يمكن لشعب أن ينهض ما لم يدرك ذاته كحر.” وفي المقابل، الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي رأى أن الهيمنة ليست فقط عسكرية أو سياسية، بل ثقافية أيضًا. الأمة العربية تعيش بين مأزقين: غياب الحرية الداخلية، وهيمنة ثقافة الخضوع.
النخب التي تعرف الطريق إلى القوة تخشى أن تمنح شعوبها الوعي به، لأنها تعلم أن هذا الوعي سيُسقط شرعيتها. وهكذا ندور في حلقة مفرغة: السلطة تخاف الحرية، والشعوب تخاف التغيير، والنتيجة جمود يطول.
⸻
المجتمع المدني المجهض
في كل مرة حاول فيها المجتمع المدني العربي أن ينهض، قوبل بالقمع أو بالاحتواء. الجمعيات المستقلة، النقابات الحرة، المبادرات الشبابية… كلها واجهت إما الحظر أو التشويه. لأن النخب ترى فيها تهديدًا لمشروعها القائم على “التحكم لا المشاركة”.
لكن المعضلة أن هذا القمع لم يؤدِّ إلى الاستقرار، بل إلى فراغ سياسي، جعل من أي زلزال خارجي كفيلًا بإسقاط دول من جذورها. كما حدث في العراق بعد 2003، أو في ليبيا بعد 2011.
⸻
خاتمة: المعرفة المهدورة والمصير المؤجل
إن مأساة النخب العربية ليست في جهلها، بل في وعيها المبتور. تعرف الطريق ولا تسلكه. تختار الضد، ثم تتباكى على الهاوية. وفي هذا تتجلى أزمة وجودية أعمق من السياسة: أزمة أمة تُدرك قوتها، لكنها لا تجرؤ على أن تعيشها.
ربما يمكن أن نلخص هذه المأساة بقول الفيلسوف الإسباني أونامونو: “المأساة الحقيقية ليست في أن تموت، بل في أن تعيش حياة لا تشبهك.” والأمة العربية اليوم لا تعيش ما يشبهها، لا تعيش ما تستحقه.
ويبقى السؤال: هل سيأتي يوم تكسر فيه هذه النخب جدار الخوف، وتتصالح مع وعيها، لتفتح الطريق لأمة من الماء إلى الماء، تعرف قوتها… وتختارها؟
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟