رياض سعد
الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 11:18
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
#تشابه الاسماء والشعارات واختلاف الرؤى والسلوكيات
شهدت تجربتا حزب البعث في سوريا والعراق مسارات متباينة على الرغم من انطلاقهما من أيديولوجية واحدة... ؛ اذ تميز البعث السوري بخصوصية واضحة مقارنة بنظيره العراقي ... ؛ فقد تبرأ السوريون ومنذ البداية من الهجين مجهول الاصل والهوية ميشيل عفلق , بينما احتضنته الفئة الهجينة والطغمة الطائفية في العراق , لأنها وجدت فيه انعكاسًا لواقعها الهجين، حيث اجتمع الفكر المسموم مع الانحطاط الأخلاقي لتتشكل آلة قتل لا تعرف الرحمة ... ؛ وقد تجسدت تعاليم عفلق في السلوك السياسي واليومي للبعث العراقي، حيث ارتكبت باسمها جرائم متعددة تجاوزت كل الحدود الإنسانية والأخلاقية ... ؛ قد جاء هذا المجرم الهجين محمَّلاً بالأحقاد على الأغلبية العراقية والعراق والامة العراقية والهوية الوطنية ، فوضع وصاياه السوداء التي تحوَّلت إلى منهج شيطاني تجسَّد في سلوك البعثيين المجرمين في العراق؛ فما من جريمة إلا ارتكبوها، ولا منقصة إلا فعلوها... ؛ ولا يزال الحديث عن حزب البعث العربي الاشتراكي يشكّل مادة دسمة للتحليل السياسي والتاريخي، خاصة إذا وضعنا النسختين السورية والعراقية جنبًا إلى جنب... ؛ فهما حزبان يحملان الاسم نفسه، ويرفعان الشعارات ذاتها، لكن الفارق بينهما، في الجوهر والممارسة، كالفرق بين نارين: كلتاهما محرقة، غير أنّ لهب إحداهما تجاوز حدود المعقول والمقبول , وفاق التصورات ، حتى صار جحيمًا يلتهم كل شيء.
والحقيقة أن الفرق بين البعثين كبير، رغم أنهما من جذر واحد... ؛ وكلاهما كما يقول المثل الشعبي العراقي : " مثل أبناء الكلبة، أبيضهم نجس وأسودهم نجس" ... ؛ وإذا كان البعث السوري مجرمًا وبشعًا، فإنَّه لا يصل إلى عُشر معشار جرائم البعث العراقي؛ فشتان بين الاثنين... ؛ لقد تجاوز بعث العراق كل الحدود الإنسانية والأخلاقية، حتى بدا كقطعة من الجحيم أو جمرة لفظها إبليس من جوفه، حرقت الأخضر واليابس بلا رحمة.
# حين استحى البعث السوري… واستحمر بعث العراق!
المفارقة الكبرى واللافت للنظر أنّ حزب البعث السوري، رغم جرائمه وقسوته، امتلك شيئًا من الخجل السياسي أو الحياء الاخلاقي أو ربما البراغماتية حين أعلن حل نفسه بعد يومين فقط من سقوط نظام بشار الأسد، وكأنه أراد أن يطوي صفحة الماضي السوداء... ؛ أما حزب البعث العراقي ؛ استمر في العمل رغم حلّه بل وحضره رسميًا ... ؛ فبقي كما هو، بل ازداد وحشية بعد سقوط نظامه عام 2003، متمسكًا بخطابه الدموي، متشبثًا بأوهامه البائدة، ساعيًا إلى العودة من بوابة الإرهاب والفتنة والعمالة والخيانة والطائفية ... ؛ نعم بقي حزب البعث العراقي الاجرامي حيًّا يرزح في الظل ويقبع في غرف الخيانة والاجرام المظلمة ؛ يحيك المؤامرات ويدبِّر الدسائس وينفذ العمليات الارهابية والاجرامية، وكأنه لم يتعلَّم من دروس التاريخ ... .
ورغم أن البعث السوري، على سوءه، امتلك قدرًا من الخجل جعله يحل نفسه ويعيد النظر في شعاراته ... ؛ فإن بعث العراق لم يعرف الحياء يومًا ولم يستشعر الشرف قط ؛ إذ فرّ أتباعه بعد سقوط النظام كالأرانب أمام السباع، ثم تفرَّقوا في الأرض، يغيّرون أسماءهم وأشكالهم، حتى ضاع أثرهم... ؛ لكنهم ما لبثوا أن أعادوا تنظيم صفوفهم، ونسجوا خيوط الفتنة من جديد، بالتواطؤ مع أجهزة إقليمية ومخابرات دولية وجماعات إرهابية... ؛ بعد ان غرهم طيبة العراقيين وتسامحهم .
# البعث العراقي و أيديولوجيا الموت
لم يكتفِ بعث العراق بالبقاء حيًا في ذاكرة الخراب والرعب والعذاب ؛ ولم يكتفوا بالتنظير والتحريض، بل شكّلوا خلايا عسكرية , وتحالفوا مع كل شيطان متربص بالعراق: من المخابرات الإقليمية والدولية ، إلى شبكات التمويل الدولي، مرورًا بتنظيم القاعدة ثم داعش... ؛ لينفذوا آلاف العمليات الإجرامية التي طالت الجميع، وأحرقت الأخضر واليابس، وراح ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين الأبرياء... ؛ بل بلغ بهم الانحطاط أن استباحوا أعراض العراقيات تحت مسميات مثل "جهاد النكاح" أو بذريعة السبي , وقدموهن للأجانب والغرباء ، في ممارسة تعكس أقصى درجات السقوط الأخلاقي والسمسرة ... ؛ فهؤلاء البعثيون العراقيون ينطبق عليهم المثل الشعبي العراقي : "غاسل وجهه ببول"؛ فهم بلا حياء ولا ضمير ولا شرف ... ؛ وصدق النبي محمد حين قال: "إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت".
فمن يتأمل سيرتهم يجد قاموسهم مليئًا بكل مفردات الخيانة والانحطاط والابتذال ، وتاريخهم موسومًا بالعار والخزي والتآمر والخسة والحقارة و سفك الدماء وارتكاب ابشع الجرائم والمجازر، جيلًا بعد جيل... .
من يقرأ سجل البعث العراقي يكتشف أنه لم يكن حزبًا سياسيًا بقدر ما كان مشروع إبادة جماعية... ؛ فقد ارتكب جرائم تفوق الوصف: من حلبجة إلى المقابر الجماعية، من تصفية الخصوم إلى تجويع الشعب، من سحق الانتفاضات إلى شنّ الحروب العبثية... ؛ بل إنّه زرع في ثقافته السياسية قيمًا قائمة على الخيانة، الغدر، والسمسرة بدماء الأبرياء واعراض العراقيات ... .
# لماذا هذا الفرق؟
قد يتساءل القارئ: لماذا استحى البعث السوري وحلّ نفسه، بينما بعث العراق بقي يتمرغ في أوحال الدماء؟
الجواب في ثلاثة عوامل:
*البنية الاجتماعية والسياسية: ارتبط البعث السوري ببيئة طائفية او علمانية محدودة جعلته مرتبطًا ببقاء النظام أكثر من بقاء الحزب، بينما البعث العراقي تشعّب في شبكة طائفية ومناطقية وعشائرية معقدة ؛ فقد اصبحت السمة البعثية مرادفة للسمة الطائفية والعنصرية المناطقية ؛ لذا تشاهد اكثر الناس دفاعا عن البعث العراقي هم من ابناء الفئة الهجينة والاقلية السنية ؛ مما جعلته قادرًا على التخفي وإعادة التموضع.
*الإرث الدموي: البعث العراقي تحوّل إلى ثقافة موت، أعمق بكثير من مجرد حزب سياسي ؛ امتد إلى الجيش، المخابرات، دوائر الامن , الفرق الحزبية , حتى الوزارات والدوائر الحكومية ؛ فالكل شارك في عمليات القتل والقمع والاعتقال والتعذيب والحاق الضرر بالعراق والاغلبية والامة العراقية ؛ مما صيرهم اشبه بالكيان المافياوي متعدد الارجل والوجوه ؛ وكالحرباء تتغير تبعا للظروف ؛ فضلا عن المكر والدهاء و الحس الامني الذي عرفوا به .
*الدعم الإقليمي والدولي: بعد 2003، وجد البعث العراقي حضنًا لدى بعض الأنظمة الاقليمية الطائفية والجهات الخارجية الحاقدة والتي أرادت العراق ضعيفًا، فاستثمرت في إرثه الدموي، خلافًا للبعث السوري الذي فقد أوراقه مع سقوط الأسد.
# الخاتمة : شبح لا يزول
إن مقارنة البعثين السوري والعراقي تكشف أن كليهما كان مشروعًا شيطانيًا , فهما كأبناء الكلبة : ابيضهم نجس واسودهم نجس , كما يقول المثل الشعبي العراقي ، اذ لا يمكن إنكار أن كلا التجربتين شهدتا انتهاكات جسيمة ... ؛ لكن النسخة العراقية كانت أشدّ فتكًا ودموية وانحطاطًا، وفاقت كل التصورات... ؛ فقد شملت هذه الجرائم قمعًا واسعًا وحروبًا متعددة وتطهيرًا عرقيًا، فيما تميز البعث السوري بدرجة أقل من العنف والقسوة ... ؛ لأن تجربة البعث العراقي لم تكن مجرد أيديولوجيا، بل تحوّلت إلى ثقافة موت وخيانة، زرعت الخراب في كل زاوية من العراق، ولا تزال آثارها تنزف دما عبيطا حتى اليوم.
بعث العراق ليس مجرد حزب انقرض، بل عقلية متغلغلة في بعض العقول والنفوس، تحلم بإعادة إنتاج نفسها... ؛ اذ تؤمن به طائفة كبيرة من ابناء الفئة الهجينة والاقلية السنية ... ؛ ومن هنا، فإنّ الخطر لم ينتهِ بسقوط التمثال في ساحة الفردوس، بل يتطلب مشروعًا وطنيًا شاملًا لاجتثاث الفكر البعثي من الجذور، فكريًا وسياسيًا واجتماعيًا، قبل أن نجد أنفسنا أمام جيل جديد من الشياطين يخرج من تحت الرماد.
ومن خلال ما تقدم تعرف ان الفارق الجوهري بين الحزبين ؛ يتمثل في أن البعث السوري أظهر قدرًا من المرونة عند سقوط النظام، بينما استمر البعث العراقي في نهجه التخريبي حتى بعد زوال سلطته، مما يثبت اختلافًا جذريًا في التركيبة الثقافية والسياسية والاجتماعية لكلا الفرعين على الرغم من اشتراكهما في الأيديولوجيا نفسها.
#رياض_سعد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟