رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)
الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 13:09
المحور:
قضايا ثقافية
منذ أن خلق الله الإنسان وأودع فيه النفس التي كرّمها وجعلها محور التكليف، ظل هذا الكائن يعيش صراعاً داخلياً مستمراً بين نوازع الخير والشر. القرآن الكريم رسم معالم هذا الصراع حين قال تعالى في سورة الشمس: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها". الآية تكشف أن النفس البشرية لم تُخلق خالصة للخير ولا للشر، بل جُعلت متوازنة قابلة لكليهما، لتصبح ساحة اختبار وعدالة إلهية مطلقة، إذ لو غلبت كفة على أخرى لانتفى مبدأ المسؤولية وفقد الإنسان جوهر حريته.
من هنا يتضح أن الخير ليس صفة عارضة في الإنسان، بل هو الأصل المرتبط بالفطرة، بينما يظهر الفجور كنتيجة لغياب التزكية أو ضعف مجاهدة النفس. كثيراً ما نجد أنفسنا نقول شيئاً ونفعل نقيضه، وهذه المفارقة ليست دليلاً على فساد الفطرة، بل برهان على وجود صراع داخلي دائم بين ما أُلهمت به النفس من قيم سامية وبين ما تميل إليه من إشباعات آنية.
علم النفس الحديث يفسر هذا التوازن بكونه نتاجاً لجدلية بين العقل المنظم والانفعالات الغريزية، حيث يعمل الإنسان باستمرار على ضبط اندفاعاته بما يتوافق مع قيمه ومبادئه. بينما الرؤية الدينية ترى أن هذا الصراع جزء من الحكمة الإلهية التي أرادت للإنسان أن يكون خليفة في الأرض يختبر في قدرته على تزكية نفسه وتحريرها من ثقل الفجور.
من هذه الزاوية يصبح جهاد النفس أعظم الجهاد، لأنه ليس معركة عابرة بل رحلة وجودية ترافق الإنسان منذ وعيه الأول وحتى آخر أنفاسه. فالمجتمع الذي ينجح أفراده في تزكية نفوسهم هو مجتمع قادر على ترسيخ قيم العدل والخير، أما إهمال التزكية فإنه يفتح الباب واسعاً أمام الفوضى والانحدار.
وهكذا يتجلى أن النفس البشرية ليست شراً مطلقاً ولا خيراً محضاً، بل هي مجال للاختيار والإرادة، وأن سر تفوق الإنسان أو سقوطه يكمن في مدى قدرته على تغليب صوت التقوى على إغراءات الفجور.
#رحيم_حمادي_غضبان_العمري (هاشتاغ)
Raheem_Hamadey_Ghadban#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟