أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - تدوير النفايات: بين هموم العلماء ومعاناة الفقراء














المزيد.....

تدوير النفايات: بين هموم العلماء ومعاناة الفقراء


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8400 - 2025 / 7 / 11 - 04:47
المحور: قضايا ثقافية
    


استيقظتُ صباحاً على مشهد غريب: شجار شبه سلمي بين شاحنة نظافة كبيرة، أوروبية الصنع، تؤدي مهامها بانضباط وتقنية عالية، وشاحنة صغيرة تُدعى “ستوته”، هندية الصنع، في سباق غير متكافئ لجمع النفايات. الشاحنة الكبيرة تمثل الخدمة الرسمية، تمر على البيوت وتلتقط الحاويات من أمام الأبواب، فيما اعتادت بعض العائلات – ميسورة كانت أو متوسطة – أن تضع إكرامية بسيطة على حافة الحاوية، تشجيعاً لجهود شباب تركوا مقاعد الدراسة في سبيل لقمة العيش.

لكن المشهد كان مختلفاً ذلك الصباح؛ فالـ”ستوته” كانت تسبق الشاحنة الرسمية إلى بعض البيوت، وتلتقط “النفايات الثمينة” قبل وصولها، خاصة في الأحياء الراقية حيث تكون النفايات ذات قيمة أعلى، وتكون الإكرامية عادة أكثر سخاءً. وهكذا نشب الخلاف: اشتباك صامت بين اقتصاد رسمي قائم على النظام، وآخر غير رسمي، ظلّي، يلتقط من الهامش ما يمكن تحويله إلى مورد.

هذا الاحتكاك لم يكن مجرد شجار ميداني، بل كُشف من خلاله عالم خفي من اقتصاد التدوير، حيث تتحول القمامة إلى مورد، وتُصبح النفايات سوقاً تتنافس فيه الأيادي الرسمية وغير الرسمية، وتدور فيه مفاهيم الربح والخسارة على وقع أصوات الحاويات، المفعمة بالعلب الزجاجية والمعدنية ومخلّفات البلاستيك والكرتون.

أعادني المشهد عقوداً إلى الوراء، إلى جامعتي في شمال أميركا، حين غاب أستاذي المرموق عن درس في التخطيط الاقتصادي. بحثنا عنه ووجدناه في مكتبه، مرتبكاً، قلقاً، على شفا البكاء. حيث كان قد وضع مسودة مطبوعة لكتابه الوحيد على حافة سلة المهملات، فظنّتها عاملة النظافة حينها جزءاً من القمامة، فأُرسلت إلى مجمع النفايات.

سارعنا جميعاً إلى المجمع المذكور بحزن، في زمن لم تكن فيه ثورة المعلومات قد بلغت ذروتها كما هي اليوم ، لكن الموظف المسؤول عن النفايات أخبرنا أن قمامة الجامعة قد نُقلت إلى مركز التدوير الذي يبعد ثلاثين كيلومتراً. انطلقنا بحافلتين تسلكان طريقهما بين الغابات الربيعية، حتى بلغنا المركز، الذي بدا أشبه بمنتجع نظيف ومنظَّم بطريقة لا تُصدّق. لكن الأمل كان قد ضاع؛ فقد دخل الكتاب آلة التدوير، ولم يبقَ له أثر.

حزن الأستاذ وحزنا معه. وبعد لحظات من الصمت، تذكّر أنه أرسل نسخة إلى زميل له. ثم ظهرت بالفعل نسخة احتياطية لدى أحد الزملاء في جامعة في نيويورك، فأنقذ ما تبقى من الحكاية، ودرّسنا مساءً عن “اقتصاديات التدوير”، بعدما خاضها بنفسه في لحظة فقدٍ ثقافية مؤلمة.

ومن هناك، تأملت وضع النفايات في بلدي. فلا وجود لمجمعات تدوير نظيفة ومنظمة، بل هناك صراع خفي في “اقتصاد الظل”. محتويات حاويات القمامة تُشترى من مقاولي جمع النفايات، حسب أحياء المدينة ومستوى المعيشة فيها، ثم يُفرزها العاملون بحسب نوع المادة – علب معدنية، بلاستيك، كارتون – ليُعاد بيعها وفق كمياتها ونوعياتها، وتُرسل لاحقاً إلى ورش تدوير، أغلبها خارج البلاد.
إنه ليس مجرد نشاط اقتصادي فحسب، بل هو عالم اغتراب قاسٍ، يُشغّل فيه الأطفال والنساء وكبار السن والشباب، دون حماية، دون حقوق، ودون أن يراهم أحد. إنها قضية أخلاقية، واقتصادية، واجتماعية، تستحق الوقوف عندها في علم الاقتصاد الاجتماعي من زاوية جديدة: زاوية تظهر فيها النفايات كمرآة لثقافة الأمم، بين بلدان تهتم بتدوير نفاياتها بعقل العلماء، وأخرى تتركها لتكون عبئاً على الفقراء.

انتهى /



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بين مطرقة الحياة وسندان الغربة: عواطف تحت الثلج
- من تماثيل بوذا إلى رايات هتلر: الصليب المعكوف بين النور والظ ...
- كربلاء: فلسفة التضحية ومنهج الإصلاح في مواجهة الاستبداد
- في تظافر العلوم… تنهض الأمم
- سيدة الجنوب الاولى ومحراب الحسين: دموع لا تموت…!
- في بلد نفطي : أمة تغفو… وسحلية تستيقظ
- الجغرافيا السياسية تحسم الانتصار: من حروب الأرض إلى معركة ال ...
- حوار الطالب وعامل النظافة : كرامة تلامس البحر
- الحي 798: ركيزة العاصمة بكين في الاقتصاد البنفسجي
- وضعت الحرب أوزارها على سجادةٍ إيرانيةٍ شديدةِ التوهج : سردية ...
- شلالات فكتوريا… ليس هديرها استعمارًا، بل إفريقياً سردية ثقاف ...
- حيدر آباد: رفاه الحُكم وتواضع الرحيل
- الولايات المتحدة في الشرق الاوسط: حربٌ بلا حرب
- سلطان إبراهيم: السمك الذي يحسم الجدل
- سور الصين العظيم . جدار الذاكرة … جدار الأمة
- اطفال الآيس كريم في قاعة صندوق النقد الدولي: تربية ناعمة في ...
- رُعاة البقر والهواتف الذكية: تأملات على هامش زيارة إلى كنساس ...
- هل بقي للحياة من طَعم؟
- في سنغافورة: الألماس خلف الزجاج، و الفقراء خلف الأمل
- مصافحة دبلوماسية ناعمة بلا عناء ولكن…؟


المزيد.....




- قضية تسببت بسقوط مدوٍ لها.. تبرئة مؤثرة إيطالية من فضيحة كعك ...
- بعد إعلان واشنطن انضمام الإمارات.. ما هو تحالف -باكس سيليكا- ...
- انقطاع واسع لخدمات شركة Verizon يترك العملاء بدون خدمة
- مع تصاعد تهديدات ترامب لإيران.. خريطة بأهم القواعد العسكرية ...
- في الرياض .. أول اجتماع بين وزير الدفاع السعودي ورشاد العليم ...
- نزع السلاح وحكومة تكنوقراط.. تفاصيل خطة أميركية تُناقش سراً ...
- مينيابوليس تشتعل مجدداً بعد إطلاق نار خلال عملية فيدرالية
- ليلة بيضاء في الرباط بعد عبور أسود الأطلس إلى نهائي كأس إفري ...
- الولايات المتحدة تنجز أولى صفقات بيع النفط الفنزويلي بقيمة 5 ...
- من يصنع سردية احتجاجات إيران؟ تحليل شبكي يكشف دور حسابات مرت ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - تدوير النفايات: بين هموم العلماء ومعاناة الفقراء