أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حبطيش وعلي - المسار الكرونولوجي لمشكلة المعرفة عبر مجرى تاريخ الفكر الفلسفي















المزيد.....



المسار الكرونولوجي لمشكلة المعرفة عبر مجرى تاريخ الفكر الفلسفي


حبطيش وعلي
كاتب وشاعر و باحث في مجال الفلسفة العامة و تعليمياتها

(Habtiche Ouali)


الحوار المتمدن-العدد: 7686 - 2023 / 7 / 28 - 15:34
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


عنوان المقال : المسار الكرونولوجي لمشكلة المعرفة عبر مجرى تاريخ الفكر الفلسفي
إعداد الأستاذ : حبطيش وعلي
هيكل المقال :
مقدمة:
عرض:
1- قراءة مفاهمية لمصطلح " المعرفة"
- التعريف اللغوي
- التعريف الاصطلاحي
- المعرفة و التدخلات الاصطلاحية
- أنواع المعرفة
- مباحث المعرفة الفلسفية
- طرق تحصيل المعرفة
2- مسار تطور مشكلة المعرفة عبر مجرى تاريخ الفكر الفلسفي:
- مشكلة المعرفة في الفلسفة اليونانية
- مشكلة المعرفة في الفلسفة الإسلامية
- مشكلة المعرفة في الفلسفة الحديثة
- مشكلة المعرفة في الفلسفة المعاصرة
خاتمة :












مقدمة:
يهتم مبحث المعرفة أو ما يعرف بمبحث الإبستومولوجيا بدراسة المعرفة الإنسانية بصفة عامة، وحدودها والعلم من حيث شروط الصواب والخطأ فيه، أو الطرق المؤدية إلى اكتساب المعرفة و نظرية المعرفة قديمة قدم الزمان عالجها فلاسفة اليونان من أمثال سقراط وأفلاطون وتلميذه أرسطو… وتعرض لها المسلمون بالدرس وبرز الاهتمام بها في العصور الحديثة، فكانت في مقدمة المسائل الفلسفية المطروحة و نود أن نلخص هنا بعض جوانب مشكلة المعرفة كما تم تصورها الفلاسفة عبر مجرى التاريخ ، و محاولة فهم الإستراتيجية التأسيسية التي سيطرت على نظرية المعرفة منذ سقراط على الأزمنة المعاصرة ورصد خصائص كل نسق فلسفي على حد و ما قدمه من تصورات حول مسألة المعرفة . نظرًا لأن هذا الموضوع الواسع للغاية يتجاوز حدود المناقشة البسيطة ، سأقتصر على أهم الأفكار الأساسية التي تعبر عن جوهر هذا البحث . وهذا لا يتحقق إلا بمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة:
- ما المعرفة؟ ما مصادرها؟ ما مجالاته؟ ما أشكالها؟ ما عواملها؟ ما درجاتها؟ ما موانعها؟
- ما هي المحطات التاريخية التي مرت بها نظرية المعرفةفي سياق الفكر الفلسفي ؟











1- قراءة مفاهمية لمصطلح " المعرفة" :
هناك اتجاهات ومداخل متعددة تناول الباحثون من خلالها مفهوم المعرفة.
• التعريف اللغوي :
المعرفة في اللغة: مصدر من عرف يعرف، فهي عكس الجهل.
• التعريف الاصطلاحي:
المعرفة هي : "مجموعة الحقائق التي يحصل عليها الإنسان من خلال بحوثه أو تجاربه السابقة، وتكون على شكل تعريفات ونظريات أو فرضيات، ونماذج وقياسات وعلاقات".
يشير هذا التعريف إلى أن المعرفة ما هي إلا محصلة ما يتعلمه الإنسان من خلال دراسته أو مهنته، سواء كانت هذه المعرفة مجرد تعريفات وفرضيات أو عبارة عن علاقات مسلم بها أو ربطها بنفسه من خلال تجربته وعقلي
المعرفة هي:" الفهم المكتسب من خلال الخبرات والدراسة، إنها معرفة كيف؟ أي كيف تعمل الأشياء التي تمكن الشخص من انجاز مهمة خاصة؟ وتتألف المعرفة من بيانات ومعلومات نظمت وعولجت لتحويلها إلى فهم، خبرة، تعليم متراكم. إنها توافق الموهبةّ، الفطرة، الأفكار، القوانين، الخبرة والإجراءات التي تقود إلى المعرفة وتطبيقها لحل مشكلة. فتعكس بذلك المعرفة النظمية والتي تعطي قيمة عالية للمنظمة".
يأتي هذا التعريف لإظهار أن المعرفة هي الفهم الجيد الذي يكتسب من خلال الخبرة والدراسة. لكن ربط هذا التعريف المعرفة بالجانب العملي فقط أي الطريقة التي تسمح للفرد بالقيام بمهمة محددة. كما ربط بين المعرفة والبيانات والمعلومات، وأوضح دور المعرفة في إعطاء قيمة عالية للمنظمة.
المعرفة هي:" حصيلة مهمة ونهائية لاستخدام واستثمار المعلومات من قبل صناع القرار والمستخدمين الآخرين الذين يحولون المعلومات إلى معرفة وعمل مثمر يخدمهم ويخدم مجتمعاتهم".
من خلال هذا التعريف يظهر أن المعرفة هي نتيجة لاستثمار المعلومات من قبل صناع القرار والمستخدمين الآخرين بطريقة تسمح لهم باستعمالها في المجالات التي يحتاجونها وتخدمهم وتخدم منظمتهم.
ومما سبق يمكن إعطاء تعريف شامل للمعرفة كما يلي :
المعرفة هي:" مجمل ما يحصل عليه الفرد من حقائق ومعلومات من خلال دراساته النظرية والتطبيقية المستمرة، هذه الحقائق تكون مفهومة ومستوعبة لدى الفرد وقابلة للتطبيق في مجالاتها المحددة وذلك من خلال استخدام خبرته".




• المعرفة و التدخلات الاصطلاحية :
نتيجة للتداخل بين مصطلحي العلم والمعرفة، فلا مندوحةَ من تتبُّع المصطلحين؛ لضبط الفروق بينهما، ولأن لكل مصطلح عَلاقة بأصله اللُّغوي، كان لزامًا علينا الرجوع إلى المعاجم، فكلمة "علم" قالوا عنها: "سمي العلْمُ علمًا من العلامة، وهي الدلالة والإشارة، ومنه مَعَالم الأرض والثوب.
والمَعلَمُ: الأثر يستدل به على الطريق، والعلم من المصادر التي تجمع.وقال الزمخشري: "ما علمت بخبرك: ما شعرت به.

فيكون بمعنى الشُّعور، والعلم نقيض الجهل، وقال عنه الفيروزآبادي: هو حق المعرفة.
أمَّا المعرفة فهي من العُرف ضدَّ النكر، والعرفان خلاف الجهل، وتَعَرَّفْتُ ما عند فلان، مصدره التعَرُّف: تَطَلُّب الشيء، وعرَّفه الأمر: أعلمه إياه، وعَرَّفه به، وجاء من المصدر "مَعْرِفة، على غير القياس؛ لفعله الذي هو على وزن "يَفْعِل"
الفروقات بين المعرفة والعلم:
( المعرفة ) ( العلم )
إدراك جزئي أو بسيط إدراك كلي أو مركب
تستعمل في التصورات التصور:هو الإدراك البسيط لمعاني الأشياء
(أو إدراك معنى المفرد ) , كتصور معنى الحرارة والنور والصوت يستعمل في التصديقات التصديق: هو الإدراك المنطوي على حكم
(أو إدراك معنى الجملة) , كالحكم بأن النار محرقة
تقال فيما يُتوصل إليه بتفكر وتدبر , وتستعمل فيما تدرك آثاره , ولايدرك ذاته , تقول: عرفت الله , وعرفت الدار يستعمل فيما يدرك ذاته , وحال الإبهام تقول:عرفت زيدًا ولا تقول: علمت زيدًا
يقابلها في الضد الإنكار والجحود يقابله في الضد الجهل والهوى
• الشعور: والشعور في اللغة بمعنى علم وفطن ودرى. والمشاعر هي الحواس. قال الزمخشري: (وما شعرت به: ما فطنت له وعلمته .. وما يشعركم: ما يدريكم). والشعور: علم الشيء علم حس. والشعور عند علماء النفس: إدراك المرء لذاته أو لأحواله وأفعاله، إدراكا مباشرا وهو أساس كل معرفة.
• الإدراك: وهو اللقاء والوصول. فيقال أدرك الغلام وأدركت الثمرة. قال تعالى: (قال اصحاب موسى إنا لمدركون) (الشعراء: 71). فالقوة العاقلة إذا وصلت على المعقول وحصلتها كان ذلك إدراكا من هذه الجهة. ويطلق الإدراك كذلك على مجموعة معان تتعلق بالعلم هي: ما يدل على حصول صورة الشيء عند العقل سواء أكان ذلك الشيء مجردا أو ماديا، أو جزئيا أوكلياً، أو حاضرا أو غائبا.
• التصور: وهو حصول صورة الشيء في العقل. كحصول صورة القلم مثلا في الذهن فنحكم على ذلك بأنه قلم, .
• الحفظ: يعرفه الجرجاني بأنه ضبط الصور المدركة..
• التذكر: الصور المحفوظة إذا زالت عن العقل وحاول الذهن استرجاعها فتلك المحاولة هي التذكر..
• الفهم والفقه:الفهم (تصور الشيء من لفظ المخاطب)الفقه (هو العلم بغرض المخاطب من خطابه)والمتبادر من الفقه تأثير العلم في النفس الدافع للعمل.
• العقل: وهو العلم بصفات الأشياء. وقد استعمل القرآن كثيرا كلمة (يعقلون) بمعنى يعلمون.
• الحكمة: وللحكمة معان كثيرة. منها: العلم والفقه وما يمنع من الجهل.
• أنواع المعرفة:
المعرفة الحسية: وتقوم على ملاحظات بسيطة لما تشاهده العينين وتسمعه الأذنان وتلمسه اليدان، وتكون هذه الملاحظة في أغلب الأحيان غير مقصودة ولا تلفت نظر الملاحظ إلى التعرف على العلاقات الحادثة بين الظاهر والأسباب المؤدية إلى حدوثها. المعرفة الفلسفية: تقوم على إمعان الفكر في الأسباب المخفية والبعيدة.
المعرفة العلمية: تعتمد بشكل أساسي على الملاحظة المنظّمة للظواهر ووضع الفرضيات المناسبة لها والتحقّق منها بإقامة التجارب وجمع المعلومات وتحليلها. تعريف المعرفة في قاموس أكسفورد الخبرة والمهارة المكتسبة عن طريق التجربة، والتعلم، والاستيعاب العلميّ والنظري لمجال ما. كل ما هو معروف في أحد المجالات من حقائق ومعلومات. الخبرات التي تم اكتسابها من القراءات، أو المناقشات، أو وقائع الحياة. عرف أفلاطون المعرفة بأنّها الإيمان الحقيقي الذي تمّ تبريره. نجد من تعدد التعريفات السابقة أنّ العلماء والفلاسفة لم يتفّقوا على تعريف واحد وثابت للمعرفة، حيث قام كلّ منهم بتعريفه حسب وجهة نظره ورأيه الخاص، مع استمرار وضع تعريفات ونظريات جديدة تنافس السابقة لها. الفرق بين المعرفة والعلم تهدف المعرفة إلى الكشف عن مكونات الطبيعة وأسرارها من خلال تحديد القوانين المتحكمة في مسارها، ولا يرادف معناها معنى العلم، لكونها أوسع وأكثر شمولاً من العلم، حيث يندرج تحتها المواضيع العلمية وغير العلمية، ويتمّ التفريق بينهما على أساس مناهج وأساليب فكرية محددة.








وصنّف الفلاسفة المعرفة إلى ثلاثة أنواع رئيسية، وهي:
- المعرفة الشخصية: المعرفة الشخصية يقوم هذا النوع من أنواع المعرفة على الخبرة الذاتية واكتسابها، والنابعة من الاطلاع، وحتى تتمكن من معرفة شيء ما يتطلب منك الأمر التجربة، إذ تُعتبر التجربة والاكتساب من أساسيّات المعرفة الشخصيّة، بالإضافة إلى التعرّف على فرضيات بأسلوب خاص بها.
- المعرفة الإجرائيّة: هي القدرة على أداء أمر أو عمل ما من خلال فهم نظرياته الكامنة في صميم العمل، أي أنه يمكن للفرد أن يكون ملمّاً بنظريات وجميع أفكار نشاط ما لكن دون القدرة على تطبيقه على أرض الواقع، وحتى تكون المعرفة فعلية يجب أن تتم التجربة والتطبيق للأمور.
- المعرفة الافتراضيّة: يعتمد هذا النوع من أنواع المعارف على التعمّق بالحقائق والوقائع ومعرفتها عن كثب، ويعدّ هذا النوع في غاية الأهمية والإثارة بالنسبة للفلاسفة، وتعتمد على الافتراضات، ويمكن وصفها بأنها المعرفة الحقيقية للوقائع.
• مباحث المعرفة الرئيسة:
- لا الوجود (الأنطلوجيا): ويختص بالبحث في الوجود المطلق مثل: ما أصل الكون؟ وما حقيقة النفس؟ .. وغيرها من الأسئلة الميتافيزيقية.
- المعرفة ( الأبستمولوجيا ): وتختص بالبحث في إمكانية قيام معرفة ما، وما أدوات تلك المعرفة، وما حدودها وما قيمتها؟
وينبغي التمييز بين نظرية المعرفة كفرع فلسفي يهتم بالمعرفة عموما، والأبستمولوجيا أو ما يسمى بفلسفة العلوم وهي التي تهتم بقضايا وإشكالات تتعلق بالمعرفة العلمية الدقيقة بوجه خاص .
- القيم (الأكسيمولوجيا) وهو الذي يهتم بالبحث في القيم: قيم الحق والخير والجمال.
• طرق الحصول على المعرفة :
يوجد العديد من الطرق للحصول على المعرفة، منها:
- الطريقة التجريبية: بحسب رأي الفلاسفة التجريبيين فإنّ المعرفة يتم الحصول عليها من الملاحظة التجريبية من خلال الحواس البشرية.
- الطريقة العقلانية: يزعم الفلاسفة العقلانيين أنه يتم توظيف المنطق للوصول إلى استنتاجات بخصوص الادعاءات المختلفة، ويميلون إلى التفكير بالافتراضات، واستخلاص الحقائق المختلفة من الحجج والخلافات، وبناء نظم المنطق المتوافقة مع الطبيعة.





2- مسار تطور مشكلة المعرفة عبر مجرى تاريخ الفكر الفلسفي:
يجعل الوعي والإدراك وما يلازمهما من تأمل وتفكير، الإنسان يسعى في بناء المعرفة عما يحيط به من أشياء وظواهر طبيعية وكونية. وقد شكلت مراحل التطور المعرفي أُسساً متنوعة أسطورية ودينية وفلسفية وعلمية. لذلك، تبلورت عبر مراحل التاريخ مفاهيم وآراء معرفية تستند إلى تصورات عدة، حسية وعقلية وروحية وغيرها. وفي هذه الدراسة، نتناول بإيجاز تاريخي ونقدي آراء نخبة من الفلاسفة في نظرية المعرفة قديماً وحديثاً.
• مشكلة المعرفة في الفلسفة اليونانية :
أولى فلاسفة اليونان عناية كبيرة لمبحث المعرفة فاعتبرها أفلاطون تذكارًا تحمله النفس من عالم المثل، أما تلميذه أرسطو فيرى أنها وليدة الإدراك الحسي والتجريد العقلي. وقد اهتم الرواقيون بمبحث المعرفة فذهبوا إلى أنها تعتمد على الحس مباشرة وصادرة عنه، وأن المعيار الصحيح فيها هو دائمًا الأخلاق والعمل، وذهب الأبيقوريون إلى أنه من دون المعرفة أيًا كانت درجتها من اليقين لا يمكن للإنسان أن يعمل، فلكي يكون ثمة عمل لابد من القول بأن المعرفة ممكنة ولما كانت المعرفة اليقينية المطلقة غير ممكنة فالذي يجب أن يقال حينئذ هو أن المعرفة ممكنة هي المعرفة الظنية.
وهكذا يتضح لنا أن أفلاطون وأرسطو والرواقيون والأبيقوريون يؤمنون بإمكان قيام معرفة بشرية
ونجد بعض الفلاسفة يشكون في التوصل إلى حقائق الأشياء وأنكروا قدرة الإنسان على تحصيل العلم ، وعلى رأسهم الفيلسوف اليوناني بروتاغوراس (487 ق.م – 420 ق.م) الذي قال بنسبية المعرفة ونفى إمكان قيام معرفة بشرية.
ويمكننا تقسيم آراء فلاسفة اليونان حول نظرية المعرفة إلى قسمين:
الاعتقادين الذين يرون إمكان قيام عرفان بشري، وأنه ليس للمعرفة الإنسانية نهاية تقف عندها حتى وإن قصر الإنسان في معرفة الكون بكل ما فيه فما ذلك القصور إلا نقص في عقله أو في طبائع الأشياء، وإنما هو قصور مرهون بزوال العوائق… وهذا الرأي أرسى قواعده سقراط وتلاميذه من بعده.
ويوجد الشكاك الذين يرون أنه ليس للجهل الإنساني بحقائق الأشياء حد يقف عنده، إذ لا وسيلة أمام الإنسان في وسعه التماسها ليعرف شيئًا خارج نفسه، ومنهم الفيلسوف اليوناني يروتاغوراس وقد اختلف الفلاسفة كذلك في طبيعة الفلسفة فنسبها بعضهم إلى أشياء العالم الخارجي ، ونسبها آخرون إلى العقل وحده ونسبها غيرهم إلى الحدس.
• مشكلة المعرفة في الفلسفة الإسلامية :
اهتم فلاسفة الإسلام اهتمامًا ملحوظًا بمصادر المعرفة وطبيعتها وذلك استنادًا إلى أن الإسلام يعترف بكل مصادر أو الوسائل المؤدية إلى تحقيق المعرفة أو العلم بأي أمر من أمور العقيدة والدين والحياة.
- الكندي:
فقد اعتبر الكندي أن الحس هو أحد المصادر الأساسية للمعرفة حيث يقول “وهو مشترك بين الإنسان والحيوان ولا مؤنة فيه ولا صعوبة، وهو يدرك المحسوسات المادية الجزئية الدائمة التغير التي لها صورة في المخيلة، والتي هي أقرب إلى الإنسان منها إلى حقائق الأشياء. والمعرفة الناشئة عن الإدراك الحسي غير ثابتة نظرًا لعدم ثبوت موضوعها من حيث الكيف”. كما اعتبر العقل المصدر الثاني للمعرفة حيث عرفه بقوله “العقل جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها”، وأضاف الكندي مصدرًا ثالثًا للمعرفة هو الوحي والإلهام وهذا يختص به الأنبياء وحدهم وأطلق على هذه المعرفة، المعرفة الإلهية أو العلم الإلهي، و هو هنا يكون قد احتفظ بثوابت العقيدة الإسلامية.
- الفارابي :
أما الفارابي فيؤكد في نظرية المعرفة على دور الحس وما له من أهمية إذ يقول “إن المعارف إنما تحصل عن طريق الحس فالمعاني والمقولات مصدرها ليس الألفاظ بل الأشياء الحسية و إدراك الحواس إنما يكون للجزئيات، وعن الجزيئات تحصل الكليات، والكليات هي التجارب على الحقيقة، وهذه التجارب هي أوائل المعرفة مبادئ البرهان”.
أما الوسيلة الثانية لتحصيل المعرفة عند الفارابي فهي العقل، حيث اهتم بها اهتمامًا كبيرًا، فوضع رسالة سماها “رسالة العقل” استعرض فيها ستة أنواع من العقول، و هي العقل بالقوة أو الهيولاني و العقل بالفعل والعقل المستفاد و العقل الفعال، وهي العقول الأربعة التي ذكرها أرسطو في كتاب النفس، بالإضافة إلى العقل الذي يقول به الجمهور بمعنى التعقل أي أنه يطلق على من كان فاضلاً جيد الرواية في استنباط ما ينبغي أن يؤثر من خير أو شر، و كذلك العقل الذي يردده المتكلمون حينما يقولون: هذا مما يوحيه العقل أو ينفيه أو يقبله أو لا يقبله و إنما يعنون به المشهور في بادئ الرأي عند الجميع أو الأكثر، ويربط الفارابي السعادة بالمعرفة العقلية، إذ بهذه المعرفة تستكمل نفس الإنسان حقيقتها.
- ابن سينا:
أما ابن سينا فالإدراك عنده يكون عن طريق الحواس، والحواس نوعان : ظاهرة و باطنة، و الظاهرة خمسة هي اللمس والذوق والشم والسمع والبصر. ثم هناك الحس المشترك، و لا عضو ظاهر له، و إنما هو نتيجة اشتراك الحواس الخمس “إذ لولا الحس المشترك ما كنا إذا أحسسنا بلون العسل إبصارًا حكمنا بحلاوته و إن لم نحس حلاوته”.
والطريقة الثانية لاكتساب المعرفة وهي المعرفة النظرية ولا يدركها إلا من وصل إلى مدينة العقل المستفاد. والطريق الثالث هو الحدس والإشراق وهي خاصة بمن منحوا القوة الحدسية أو العقل الحدسي وهم فئة قليلة من الناس: الأنبياء و الأولياء و المتصوفة الواصلون.
• مشكلة المعرفة في الفلسفة الحديثة :
- الاتجاه العقلي:
هذا الاتجاه بدء في الفلسفة الحديثة فقد أخذ أصحاب هذا الاتجاه أهتمامهم بالعقل مصدراً لكل معرفة والتي تتميز (بالضرورة والتعميم) على أن قضايا المعرفة صادقة أولية وقبلية ،لان هاتان الصفتان أعلاه تنقصان المعرفة الحسية التي يقول بها التجريبيون ، وأن أكبر قسط من العلم الإنساني صادر عن العقل ذاته ، وخير من يمثل هذا الاتجاه هم الفلاسفة ديكارت (ت 1650م) وأسبينوزا ( ت1677م) وليبنتز(ت1716م) ، إذ وجدنا أن هؤلاء الفلاسفة يتفقون ثم يختلفون فيما بينهم ، أذ يتفقون في مصدر المعرفة على جملة من المبادئ الرئيسة وهي أن معرفة الحقيقة إنما يستقل بها العقل وحده ، وهي بطبيعتها أفكار وتصورات، ثم يختلفون فيما بعد ، هل هذه الأفكار هي فطرية في العقل أم هي في مستوى أعلى منه ؟، ثم يتفقون على أن الحواس كثيراً ما تخدعنا ، فعندما نضع قلماً في قدح فيه ماء يبدو منكسراً ولكن الحقيقة عكس ذلك وأمثلة كثيرة لا تحصى، فإن كانت الحواس مصدر معارفنا ، فهذه المعارف إذن يحتمل فيها الخطأ لاحتمال أن تكون الحواس قد نقلتها إلى صور مالت بصاحبها نحو الخطأ في الحكم عليه ، وهذا يعني أن التجربة الحسية تزود الانسان بمعلومات متفرقة ومشوشة لاترقى الى مرتبة العلم اليقيني الذى ينشدة هؤلاء الفلاسفة العقليين ، لذلك يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الصورة المثلى للمعرفة هي تلك التي يمثلها البرهان الرياضي ، لأن هذه البراهين تبدأ ببديهيات أو حقائق واضحة بذاتها ، وتصل عن طريق سلسلة من الاستنباطات المتدرجة إلى نتائج ضرورية لا رجوع عنها.
من هنا بدأ ديكارت تفلسفة في الشك في وجود العالم الخارجي معتمداً في ذلك على أسس مختلفة من بينها: أمكانية خداع الحواس ، وأمكانية الخلط بين الحلم والحقيقة ، ولهذا أخذ ديكارت بالبحث عن وسيلة أخرى ، لان ديكارت لا يقتنع بوجود العالم الخارجي كونه حقيقة، بل يريد برهاناً على وجودة ويستمد هذا البرهان بطريقة غير مباشرة من فكرة الكوجيتو ، أي من الشك الى الكوجيتو الى وجود العالم ومنه الى الله ، ولهذا يسأل ويجيب ديكارت : أي شئ أنا أذن ؟ فيجيب : أنا شئ مفكر ، ثم يسأل وما الشئ المفكر ؟ فيجيب : أنه يشك ويفهم ويتصور ويثبت وينفي ويريد ويتخيل ويحس وهو الموضوع الذي له صفة الامتداد ، ونستطيع أن نقول أن ديكارت قد شطر الوعي الاوربي الى شطرين تمثل ذلك في الثنائية بين (الذات والموضوع) في نظرية المعرفة ، ولكن السؤال هو كيف نصل إلى الحقيقة باعتماد العقل مصدراً للمعرفة ؟ هنا يجيب فيلسوف العقلانية الكبير رينيه ديكارت ، أن ذلك يتم باعتماد المنهج العقلي الذي يبدأ من الشك إلى اليقين على وفق قواعد معروفة هي (قاعدة الشك وقاعدة التحليل وقاعدة التركيب وقاعدة الإحصاء) التي أودعها للوصول إلى الحقيقة ، ولهذا يقول " اننا لكي نثبت الحقيقة ان نشك في كل ما يصادفنا من اشياء ولو مرة واحدة في حياتنا " .
وهنا لابد من الإشارة الى مسألة مهمة وهي أن منهجية الشك وجدنا امتدادها وتكاملها في الفلسفة الاسلامية عند أبي حامد الغزالي (ت505ه/1111م)، الذي يقول موجباً الشك بصفته منهجاً في النظر " فمن لم يشك ، لم ينظر ، ومن لم ينظر ، لم يبصر ، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلالة".
اذاً الشك المنهجي عنده يعد من السمات الثابتة والمميزة من حيث كونه منهجاً ينتهي إلى يقين لا يلابسه شك، فهو لم يكن مقلداً الى أحد من رواد الفلاسفة ، وكان عقلانياً في شكة ويقينة ، فضلاً الى أنه كان أصيلاً في انتمائه الى التراث الفلسفي والكلامي والصوفي.
أما منهج الشك الديكارتي فهو أساس قائم على الشك في كل معرفة نحصل عليها من الحواس لنصل إلى إثبات وجود النفس والله عن طريق الفكر ، لأن الأفكار عنده تنقسم إلى ثلاثة أنواع هي أفكار فطرية فينا ، وأفكار تأتينا من خارج أنفسنا ، وأفكار نخلقها خلقاً، فالصنف الثاني من الأفكار هو الذي نخطئ حياله ، لأننا مدفوعون بميل طبيعي إلى الظن ، أن أفكارنا التي تأتي من خارج أنفسنا هي صور شبيهة بالأشياء الخارجية التي أحدثت فينا تلك الأفكار.
أذ أن المعرفة العقلية اليقينية عنده تنصب على الأفكار البسيطة أو الطبائع البسيطة التي تتميز بالجلاء والوضوح مثل : الله ، النفس ، الامتداد ، الوجود ، الزمان ، الوحدة .. وهذه الأفكار ندركها بالحدس ثم يستنبط العقل ما يلزم من النتائج ،اذن (فالحدس والاستنباط) هما اسلوبان للمعرفة عند ديكارت.
هذا من ناحية ومن اخرى نجد ان ليبنتز قد استخدم منهج (الاستنباط الرياضي) في ميدان المعرفة إيماناً منهم بأن الرياضة والمنطق هما المثل الأعلى لليقين ، اذ يقول " ان المعرفة لا تتمثل في الافكار، لان الافكار لا تثبت ولا تنفي شيئاً ولا نستطيع ان نقول انها صادقة او كاذبة " ، هذا يعني ان اهم القوانين التي نعتمدها في صدق القضايا هو قانون (عدم التناقض) الذي من دونه لا يوجد فرق بين الحق والباطل ، أي ان الشيء لا يكون نفسه ونقيضة في الوقت نفسه. اذن نستنتج من ذلك ان ليبنتز يقول اننا نعرف وجودنا بالحدس ووجود الله بالبرهان ووجود الاشياء الاخرى بالإحساس ، لان المعرفة الحسية تؤدي الى يقين شأنها في ذلك شأن المعرفة الحدسية والبرهانية ولكن لابد من معيار سليم نميز من خلاله بين المعرفة الحسية الصحيحة وأوهام اليقظة والمنام .
- الاتجاه الحسي:
نجد هنا إن الخصم المألوف للاتجاه العقلي في مصدر المعرفة هو الاتجاه التجريبي أو الحسي والذي يصرحون ان المصدر النهائي لكل معرفة هو الإحساس أو التجربة ، إذ وجه هذا الاتجاه عدة انتقادات رئيسة للاتجاه العقلي حول مصدر المعرفة ، ومن هذه الانتقادات ، أن المبادئ الواضحة التي يصرح بها أصحاب الاتجاه العقلي هي مبادئ مستمدة من التجربة الحسية، فضلاً عن أن مبدأ العقلية الذي قال به العقلانيون هو أيضاً مبدأ تجريبي تراكمي مستمد من الملاحظات الحسية،
وخير من يمثل هذا الاتجاه في الفلسفة الحديثة هم الفلاسفة (جون لوك، وباركلي وهيوم، …) ، إذ يصرح زعيم الحسيين جون لوك ( ت 1704م) أن العقل يولد صفحة بيضاء ، وأن التجربة الحسية هي التي تخط سطورها على هذه الصفحة البيضاء، وهذا يعني أن لوك قد رفض الأفكار الفطرية التي قال بها ديكارت.
إن سبب رفض لوك للأفكار الفطرية قائم على رأي ، أنه توجد معان فطرية وقضايا موروثة يتساوى في العلم بها الناس في كل زمان ومكان ، وهذا خلاف ما نشاهده بين الناس، وهنا سؤال يتباذر الى الذهن: هو كيف يحصل الذهن على الافكار ؟ والجواب هو أن العقل أشبه بصفحة بيضاء والافكار تأتي الية من التجربة فهي جميعها مكتسبة ، فالاحساس بهذه الحالة يعتمد اعتماداً مباشراً على التجربة الحسية وهي ليست أكثر من تلقي الانطباعات الحسية ونقلها الى الصفحة البيضاء (العقل) ومثال على ذلك : حين أدرك أن أمامي زهرة حمراء فهذا يعني أنني أستقبلت عدة أنطباعات حسية متتالية مثل (شكلها ورائحتها ودرجة صلابتها ألخ) بحيث تجمعت كلها في ذهني فكونت صورة هذه الزهرة.
نستنتج من ذلك أن التجربة الحسية عند لوك على نوعين ، تجربة تأتي عن طريق الأشياء الخارجية الموجودة في العالم الخارجي (ظاهرة)، وتجربة إدراك تأملي أو تأمل عن طريق العمليات الذهنية (باطنية)، أما الإدراك الحسي بحسب فهم لوك فهو يقدم لنا الأفكار البسيطة وهذه تتكون في العقل بواسطة الاحساس أو التفكير مثل اللون والشكل والحجم والصلابة، أما التأمل فيقدم لنا الأفكار المركبة التي لا توجد في العالم الخارجي وهذه تتكون في العقل فقط .


علماً أن الافكار البسيطة يقسمها لوك الى أربعة أقسام وهي :
1. أفكار تصل الى العقل بواسطة حاسة واحدة وتكون في العقل نتيجة الانطباعات الحسية مثل الافكار الناتجة عن الصوت واللون والضوء...
2. أفكار تصل الى العقل بواسطة اكثر من حاسة مثل أفكارنا عن الامتداد والشكل والحركة وهذه وصلت الى الذهن بواسطة (حاستين) هما البصر واللمس .
3. أفكار تتكون بالعقل بواسطة التأمل الذاتي مثل أفكارنا عن الادراك والارادة ..
4. أفكار تتكون بالعقل بواسطة الاحساس ويضاف اليها التأمل الذاتي مثل القوة والألم واللذة .. ، بعدها اهتم لوك بتحليل الأفكار المركبة ليثبت أنها ليست في نهاية الأمر إلا صورة من التجربة الحسية ، أذ يقسم هذه الافكار المركبة الى ثلاث أقسام وهي :
أ. أفكار مركبة عن الاعراض وقسمها الى (اعراض بسيطة ، واعراض مركبة).
ب. أفكار مركبة عن الجواهر وقسمها الى (جواهر مفردة مثل فكرتنا عن أنسان ما، وجواهر جمعية مثل فكرتنا عن الانسان بعامة).
ج. أفكار مركبة عن العلاقات مثل العلاقات الزمانية والمكانية والذاتية .
مع ذلك فقد ميز لوك بين الصفات الأولية التي هي في الأشياء ، والصفات الثانوية القائمة في الأشياء.
من هنا نفى لوك نفياً قاطعاً ان يكون الانسان قد ولد وهو مزود بمعارف فطرية كما يقول ديكارت ، لذلك فأن السبيل الوحيد للمعرفة هو العالم الحسي بما فيه من وقائع وجزئيات بحيث تخضع لحواسنا ، اما عالمنا الداخلي بما فيه من عواطف واتجاهات وميول وغيرها ، فأن السبيل الى أدراكها هو وجود قوة أخرى هي (قوة الاستبطان).
اما هيوم فيقول ان المعرفة البشرية ترجع الى ادراكات العقل والافكار ولكن يقول عنها انها باهته، اذ قسم ادراكات العقل الى قسمين وهما : الانطباعات الحسية والافكار ، فالانطباعات هي الادراكات التي تدخل في العقل بقوة وعنف وتشمل (الاحساسات والعواطف والانفعالات)، اما الافكار فهي ليست الا صور باهته متضائلة ضعيفة التأثير للانطباعات الحسية فمثلاً فكرتي عن الشيء الذي امامي عبارة عن صورته الحسية التي انطبعت في حواسي ، لكن بعد فترة من الزمن ضعف تأثيرها واصبحت باهته وتحولت الى فكرة ، في حين ان لوك قسم ادراكاتنا الى ادراكات حسية وادراكات عقلية .
من هنا عمل هيوم على هدم المفاهيم المسبقة والقواعد العقلية مثل السببية والاستقراء وغيرها وبنفس الوقت صعد من هذا الاتجاه صعوداً قوياً وهذا ما بينته فيما بعد مدرسة الوضعية المنطقية من خلال هدفها تقريب( الفلسفة من العلم )عن طريق استبعاد المشاكل من الفلسفة كالميتافيزيقا، ومن هنا ارجع هيوم جميع الاعمال العقلية الى ترابط الظواهر النفسية ورد هذا الترابط الى قانون التداعي ، أي بين (فكرة العلة وفكرة المعلول) وربط الاولى بالثانية بحيث اصبحت فكرة العلة مقترنه بفكرة المعلول ، اما فكرة العلية (السببية) فهي فكرة قائمة على التداعي ، وهي تسمى تقدم العلة على المعلول ، أي التقدم بالذات ، هذا يعني ان قانون العلية هو احد مبادئ العقل ويعبرون عنه بأن لكل حادث علة أو على الاقل سبب يفسر حدوثة ، بمعنى لكل علة لابد من معلول والعقليون يعتبرون هذا القانون من بديهيات العقل ، اما التجريبيون فيردون القول بالعلية الى التجربة ولا فرق بينه وبين أي قانون استقرائي اخر ، لان جميع قضايا الاستقراء ظنية.
أذن نستنتج مما تقدم ، أن الانسان يولد وعقلة صفحة بيضاء خالية من أي أفكار فطرية أو مبادئ أولية ، لأنه لو كان الامر كذلك لكان خط الناس في المعارف متساوي ، والوقع هو العكس وهنا يقول لوك " لو كان الناس يولدون وفي عقولهم أفكار فطرية لتساووا في المعرفة "، كذلك اعتبروا أن المعارف التي نكتسبها مصدرها الاول هي الحواس والمثال على ذلك الطفل الصغير يكون عقله خالي من كل افكار أو علم مسبق ، ولهذا فكل افكاره يكتسبها عن طريق حواسة التي تملأ تلك الفراغات، فضلاً الى ذلك نلاحظ أن الحقيقة التي توصلوا لها أصحاب هذا الاتجاه وعلى رأسهم هيوم هي أن الحواس بدون عقل هي علم ناقص غير موثوق فيه ، الامر الذي أدى الى ظهور أتجاه ثالث فيما بعد ألا وهو الاتجاه النقدي _ التوفيقي
- الاتجاه النقدي ـ التوفيقي :
هذا الاتجاه خصه الفيلسوف الألماني كانت (ت1804م) في كتابه الشهير (نقد العقل المحض) ، الذي مكث في تأليفة ما يقارب أحد عشر عاماً ، أذ المقصود بالنقد عنده لا يعني نقد الكتب والمذاهب، بل يعني الكشف عن حدود العقل في مجال المعرفة وضرورة أختبار قدرته قبل أستخدامة كأداة للوصول الى الحقائق ، أذن النقد هنا هو دعوه لفحص العقل البشري قبل الالتجاء الية للبرهنة على الكثير من الحقائق الغيبية واللاهوتية والميتافيزيقية .
علماً أن كانت لم يكن أول من تكلم بطريقة نقدية في الفلسفة فقد سبقة في الفلسفة اليونانية سقراط الذي يقول " النقد أساس المعرفة " وفي الفلسفة الحديثة كل من لوك الذي يعد مؤسس النقد السيكولوجي في الفلسفة والذي وضع كتابه (مقال في العقل البشري)، فضلاً الى هيوم الذي أشتهر بشكة النقدي ، فكانت هنا قد تأثر بمنهج لوك في تحليل التصورات والافكار وتأثر بهيوم بفكرته النقدية ، الا أننا وجدنا أن كانت في فلسفته النقدية لم يذهب الى الشك بالرغم من تأثره بالأثنين ، لأن النقد عنده يختلف عن سابقيه من حيث أنه كان يمثل محاولة منهجيه لبيان قدرات المعرفة الانسانية ووضعها موضع الدراسة والبحث ، ومن هنا وجد كانت نفسه امام تيارين متعارضين هما (التيار العقلي والتيار التجريبي) ورأى أنه لاسبيل الى الفصل بينهما الا بألالتجاء الى (النقد) الذي من خلاله أستطاع أن يوفق بينهما في مصدر المعرفة، لذلك أخذ يفسر العلم على أنه نتيجة اجتماع عاملين أحدهما (صوري) يرجع الى طبيعة العقل ذاته، والاَخر (مادي) يتكون من الادراكات الحسية ، فإذا لا يوجد أحد هذين العاملين يستحيل وجود علم بالمعنى الحقيقي، وهنا يفترض كانت أن المعرفة العلمية برمتها تعتمد على (العقل والتجربة) ، أما العقل فهو يستعمله بمعنيين مختلفين :أحدهما واسع، والاَخر ضيق محدود ، فالعقل بالمعنى الواسع يشمل الذهن وهو ملكة المعرفة القبلية ويتحقق في وظائف التفكير العقلية وفي التصورات والاحكام، ولاسيما في اسس المعرفة ، والعقل بالمعنى الضيق المحدود فهو الملكة العليا للمعرفة ويحقق التفكير الذي يفكر بعيداً عن التجربة، في حين نجد ان المقصود بالمحض بمعنى الخالي من الملاحظة والتجربة – أي ان العقل يعتمد على ذاته فقط في الحصول على المعرفة دون الاستعانة بالملاحظة والتجربة .
نستنتج من ذلك أن كانت فلسفته ذات نزعه عقلية ، فهو أحب العلوم الدقيقة كالرياضيات ، فضلا عن العلوم الطبيعية القائمة على التجربة والملاحظة كالفيزياء والفلك ونشأة الكون والذي أتخذ منها نقطة انطلاق لتكوين نظره شاملة للكون تنظم من خلالها المعرفة البشرية ، ومن هنا كان عليه أن يتفحص عن حقيقة المعرفة البشرية _ أي الى أي مدى يستطيع عقلنا الوصول الى ادراك حقيقة الكون والطبيعة والانسان.
وبهذا قد أحدث ثورة في نظرية المعرفة ، شبهها الباحثون بـ(الثورة الكوبرنيكية)( ) في الفلك ، إذ قرر كانت أن المعرفة لا تتم بالخبرة الحسية وحدها ولا بالعقلية وحدها ،بل بهما معاً.
ولهذا أعتبر كانت كل الفلسفات السابقة عليه غير نقدية ومن ثم اعتقادية، فخص فلسفته بأسم ( المذهب النقدي)، فأخذ يميز كانت بين مادة التفكير وصورته وهي صورة الذهن من ناحية (الزمان والمكان)، وصورة العقل (كالعلة والجوهر والممكن والضروري) من ناحية أخرى ، فهذا التمييز بين (الذهن والعقل) قائم على أساس أن الذهن هو من تلقائية المعرفة ، وكونه ملكة التفكير في موضوع العيان الحسي بمعونه التصورات (المقولات) ، فضلاً الى أنه يتوجه الى التجربة الجزئية ، أما العقل فهو ملكة الصور (المثل بالمعنى الافلاطوني)، ويتوجه الى كل تجربة بشكل عام (مطلق)، ومن حيث الترتيب التصاعدي فأن العقل أسمى من الذهن من حيث هما ملكتان للمعرفة ، أذ لا نستطيع أن ننظر إلى موقف كانت من مصدر المعرفة إلا من هذه الزاوية ، باعتباره محاولة ذاتية لتشكيل العالم أو الطبيعة وإخضاعه لقوانين العقل ، فهو اتجاه عقلي شارط ، أي أنه يضع الشروط التي تدرك بواسطتها التجربة ، ويهتم أولاً وقبل كل شيء برسم القوالب التي تشكل ما نحصل عليه من العالم من محسوسات ، وهذه القوالب هي (الزمان والمكان) ، على اعتبار أن المكان هو أطار لمواضيع الاشياء وندركه عن طريق العقل وهذا دليل على أن المكان فكره عقلية وليست مشتقة من الحس ، أما الزمان فهو أطار لتواريخها ، أي ندركه عن طريق الحس وهو فكرة مفردة وليست عامة وليس جوهراً ، بل هو شرط ذاتي ضروري .
اذاً النقد عنده لا يتوقف في حدود المعرفة والاخلاق فحسب، بل أخذ يتعداها الى الدين والتربية والجمال والفن والسياسة وغيرها من حقول المعرفة وغايته من ذلك هو بيان قدرات الانسان المعرفية وما يمتلكه من طاقات والتي تتكون من خلال الملكات الثلاثة : ملكة الاحساس ، ملكة الفهم ، وملكة العقل، فلكل ملكة وظيفه معينة ولها جانب قبلي يختلف عن الاخرى ، وهنا يرى كانت أن التجربة هي نقطة البدء في كل ما لدينا من معارف ألا أن هذا لا يعني أنها مستخلصة كلها منها، لأن هناك معرفة مستقلة تماما عن التجربة وغير مرتبطة بها وهي المعرفة الاولية الخالصة المتقدمة على كل تجربة ، فأول خطوات هذه المعرفة هي (ملكة الاحساس) والتي تمثل القدرة على تسليم الاحساسات أو التمثيلات من الاجسام وتتمثل هذه بصورتي (الزمان والمكان)، أما (ملكة الفهم) فهي تمثل القدرة التي تفرض المقولات على الاحساسات فتدركها وهنا يتناول كانت هذه الملكة في التحليل الصوري الترانسنتدالي ، في حين نجد أن (ملكة العقل) تمثل القدرة على الاستدلال والاستنتاج وتقوم على جمع مواد الفهم وتوحيدها.
هنا رأى كانت أن المعرفة الرياضية تتقدم باطراد ويقين عكس التجربة ، ولهذا تسأل هل يمكن للميتافيزيقا أن تصيح علما دقيقا قائما على أسس يقينية وأن تتقدم باستمرار كما هو شأن الفيزياء والفلك والرياضيات ؟ والجواب كلا، فألف كتابه (أسس ميتافيزيقا الاخلاق) فكان ضربة قوية للميتافيزيقا ، فنحن كدارسين لا نستطيع أن ننظر الى موقف كانت من مصدر المعرفة ألا من هذه الزاوية باعتبارها محاولة ذاتية منه لتشكيل العالم أو الطبيعة وإخضاعها لقوانين العقل فهو أتجاه عقلي شارط ، أي يضع الشروط التي تجعل التجربة ممكنة، هذه الشروط العقلية باطنة في التجربة وليست مفارقة عنها .
إن آراء كانت هذه بحسب ما يرى الكثير من الفلاسفة المعاصرين هي توفيق بين الآراء المتعارضة لكلا الاتجاهين ، إذ يقول كانت بهذا الصدد " إن التصورات بدون الإدراكات فارغة ، والادراكات بدون التصورات عمياء ".
هنا يمكن أن نلخص رأياً لزكي نجيب محمود يقول فيه : " أن كانت قد ذهب إلى أننا لا يمكن أن نصل إلى معرفة الأشياء في ذاتها، لأن لدينا معرفة بالظواهر تتألف منها التجربة ، فالعلم بنظره يتوخى الوصول إلى قوانين كلية ضرورية تتيسر بمقتضاها الظواهر ، وهو بهذا يتفق مع هيوم في أن العالم الذي لدينا معرفة به هو عالم الظواهر فحسب ".
وخلاصة القول : إذا كان الحسيون يفضلون الحس على العقل، فليس معنى هذا أن الحسيين ينكرون العقل إنكاراً تاماً ، والعكس صحيح ، إذ لا يوجد مذهب فلسفي يبيح لنفسه أن ينكر العقل تماماً ، لأن الفلسفة كلها تقوم على التأمل العقلي .
فالمسألة إذن ليست إلغاء العقل عند الحسيين وإلغاء الحس عند العقليين، ونستطيع أن نضيف إلى ذلك أن الحسيين يعترفون بوجود المعرفة العقلية ، لكنهم يؤولونها تأويلاً خاصاً ، باعتبار أنها مجرد صدى لادراكاتنا الحسية والأمر شبيه بذلك عند العقليين فهم يعترفون بوجود المعرفة الحسية لكنهم يؤولونها تأويلاً خاصاً،وهي عند كانت بحاجة إلى أن تشكل تشكيلاً عقلياً وتوضع في قوالب وإطارات ينشرها العقل عليها لينظمها ويردها إلى شيء من الوحدة .
عليه ففلسفة ليست تجريبية على الإطلاق ، وإنما هي نوع من العقلانية ، وقد أسماها كانت نفسه (بالمثالية الترانسنتدنتالية) .
- الاتجاه الحدسي والصوفي :
مثلما عرفنا أن مصدر المعرفة عند التجريبيين هي الحواس ووسيلتها عند العقليين هي العقل ، فعند النقديين هي العقل والحواس معاً ، أما الحدسيون في الفلسفة اليونانية أو الغربية ويتفق معهم المتصوفة في الفلسفة الاسلامية وهؤلاء يرون أن الله أو الحق المطلق لا تكون الوسيلة إلى معرفته لا بالحواس ولا بالعقل ولا كليهما معاً ، بل تكون الوسيلة إلى معرفته هي الحدس (intuition) أو العيان المباشر أو البصيرة ،لان الاشراق مبني على الذوق والكشف والمشاهدة والحدس ، والبعض يسميه (تصوف) وهم الغلبة ، أذ يستخدمون لفظة الاشراق وألالهام الفيضي ، فيراد بالتصوف طريقة سلوكية قوامها التقشف والزهد والتخلي عن الرذئل والتحلي بالفضائل حتى تزكوا النفس وتسمو الروح ، لان التصوف في حقيقتة يرتبط في أحدى طرفيه بالفلسفة وبالطرف الاخر باللاهوت على أعتبار أن الفلسفة تقوم على البرهان والحجج العقلية المنطقية ،أما اللاهوت فيقوم على الكشف والذوق الصوفي، من هنا أخذ الاشراق بالانتشار في بلاد الشرق، فتم نقله على يد فيثاغورس(ت497 ق.م)، ثم ظهر في فلسفة أفلاطون(ت347 ق.م) وبعده في فلسفة أفلوطين (ت270م) ، الذي بنى مذهبه على أساس أفلوطوني ممزوج بصبغة شرقية ، وهكذا أنتقل مذهب أفلوطين الى الفلاسفة المسلمين بدءاً بالفيلسوف الكندي والفارابي وأبن سينا وأخيراً الغزالي في المشرق وأبن طفيل في المغرب.
اذ نجد هنا ان الغزالي يعرف المعرفة " بأنها العلم الذي لا يقبل الشك " ، أما المعرفة الصوفية فيعرفها " بأنها العلم الذي لايقبل الشك اذا كان المعلوم ذات الله تعالى وصفاته " ، لذلك نلاحظ أن الحدس عنده من أسباب تفاوتة بين الناس هو في تحصل الادراك ، فهو بطئ في الحصول عند بعض الناس ، وسريع في الحصول عند بعضهم الاخر لانه يمثل الوثبة العقلية ، أي يبدأ من الافتراض الى النتائج ، وهنا يعرفة الجرجاني " هو سرعة أنتقال الذهن من المبادئ الى المطالب" ، أذن الكشف والالهام لايحصلا بالاكتساب وإنما عن طريق العلم، فالإلهام هو الذي يهجم على القلب من حيث لايدري ولهذا سمي الهاماً، أما الكشف فهو نور يقذفة الله في القلب ، وهنا يستعمل الغزالي(القلب والعقل) بمعنى واحد للدلالة على الة الادراك ، ولهذا أخذ يصنف الادراك الى خمسة أصناف وهي: الروح الحساس ، والروح الخيالي، والروح العقلي، والروح الفكري، والروح القدسي النبوي.
نستنتج من ذلك ، أن الغزالي لا يريد أن يستغني عن العقل ، بل يجعله شارحاً للوحي والالهام هذا من جانب ، ومن جانب اخر نلاحظ أن الغزالي لم يهتم بالعقل الا في مسائل مابعد الطبيعة وهي المسائل التي تعثر فيها الفلاسفة وتفرقوا فيها ، لان مسلكهم فيها لم يكن برهانيا يؤدي الى العلم اليقيني ، لذلك تدور المعرفة الحدسية عنده بثلاث أصول (الخوف والرجاء والحب)، ومن هنا أصبحت لدينا ثلاث طرق للمعرفة: حسية وعقلية وإشرافية ، الأولى : عرفنا أنها تحصل بالحواس الظاهرة ، والثانية : تتم بالاستدلال أو الاستنباط والبرهان أما الثالثة : فتكون بالحدس والإلهام ، ولكل من هذه الطرق وسائله وأدواته، إذن نظرية المعرفة عند الغزالي تتحدد بطبيعة المعرفة والتي تتحدد(بالحس والخيال والوهم ثم العقل)، على أعتبار أن الحس والخيال والوهم وظائفها أعطاء المعلومات والصور الى العقل ، ثم يتلقى العقل هذه المعلومات من الحس عن طريق المخيلة ، أذن الكشف الصوفي هو عبارة عن حالة شعورية يمكن الوصول اليها عن طريق سلول الصوفية ويعانيها من لديه قدرات خاصة ، ولا يمكن التعبير عنها بالالفاظ ، فليس أمام الصوفي ألا أن يصنع الرموز التي من خلالها يتم التقرب الى الله تعالى .
فالمعرفة الحدسية هنا هي امتزاج الشخص العارف بالشيء المعروف حتى لا تكون هناك تفرقة بين الذات من جهة والموضوع من جهة أخرى.
ويقدم الحدسيون والمتصوفة دليلاً على قولهم هذا ( أن الإنسان لا يعرف أنه موجود لا بعينه ولا بأذنه ، لأنك لو أغلقت هذه الأبواب كلها التي تطل بها على العالم ، فستعرف أنك موجود) ، بهذا أن الإنسان لا يعرف نفسه بمقدمات برهانيه ، بل بالإدراك العياني المباشر ، وهذا الإدراك العياني المباشر يطلق عليه اصطلاحاً فلسفياً (الحدس).
ويتفق الحدسيون فيما بينهم على قاعدة معرفية أساسية هي أن الحقيقة التي يدركها الإنسان بحدسة ليست مما يمكن التعبير عنها بكلمات، لأن الإنسان في هذه الحالة يندمج في موضوع إدراكه اندماجاً يجعله شيئاً واحداً ، فضلاً عن ذلك يتفق الحدسيون على أن ظواهر الكون ليست هي حقيقة ، بل حقيقتها كانت وراء تلك الظواهر وتختلف عنها ، إذ أن الحقيقة المطلقة الكامنة وراء الظواهر هي واحدة لا تكثر فيها ولا تتعدد.

• مشكلة المعرفة في الفلسفة المعاصرة :
- الاتجاه الحدسي / الصوفي :
في حين نجد أن أبرز من يمثل هذا الاتجاه في الفلسفة الغربية المعاصرة هو الفيلسوف الفرنسي هنري بيرغسون ( ت 1941م ) صاحب فلسفة (التطور الخالق)،هذا الفيلسوف لفلسفته جانبان ، أحدهما سلبي يتجه نحو نقد أصحاب النزعة العلمية التجريبية ، والآخر إيجابي يتجلى فيه نحو الحدسي ،كل ذلك يمكن تتبعه في تأملات بيرغسونية من خلال مؤلفاته الموجودة بين أيدينا ، إذ يصرح بيرغسون أن أبسط إدراك للعالم يظهر لنا على أنه حركة مستمرة دائبة في كل متماسك عن طريق الحدس لان المعرفة الحدسية تكمن في المتحرك فنصل من خلالها الى المطلق ، من هنا عالج بيرغسون فكرة الخلط بين (الفلسفة والدين) بشكل غير مباشر وذلك على الضد من فكرة الخلط بين (الفلسفة والعلم) التي أثارها في مؤلفة منبعا الاخلاق والدين ، أذ اعتبر التصوف امتداداً للفلسفة وليس امتداداً للدين ، لان الدين يختلف عن الفلسفة في الموضوع وفي طريق الكسب ، لان الدين عبارة عن عقيدة ، بينما الفلسفة رؤية قائمة على التجربة ، أذن التصوف عنده تجربة روحية منبعها الرؤية لا الغريزة وغايتها الاتصال بالصورة الحيوية لا التشبث بالمجتمع ، فالعقل من خلال دراسته العلمية يكون مستعينا (بالتحليل والتصنيف)، فالحدس البيرغسوني هو حدس ذو رؤية وجدانية بخلاف حدس ديكارت فهو ذو رؤية عقلية مباشرة، أما موقف بيرغسون من العقل ، فأنه يرى أنه ليس غريزة مصقولة مستكملة ، وأن الطبيعة شاءت أن تجعل الإنسان كائناً مبتكراً مبدعاً ، فزودته بعقل قادر على كل شيء ، صالح لكل شيء ، إلا أن الإنسان كثيراً ما يتعثر في مجالات التجربة ، وكثيراً ما يقع في الخطأ، ولهذا رفض بيرغسون أن يكون العقل قادراً على المعرفة ، بل هو عاجز تماماً عن تزويدنا بكل المعرفة ، لأنه إذا كان يستطيع أن يصول ويجول في ميدان المادة … فأنه لا يستطيع ذلك في ميدان النفس أو ميدان الحس الباطني ، لأن الحس الباطني له زمان خاص به ، مختلف عن الزمان المادي المرتبط بالمكان ، وهنا العقل لا يستطيع أن ينفذ إلى هذه المنطقة الخاصة بالحس أو الزمان الباطني ، ولا يستطيع أن يخضعها لمعقولاته ، فكان لابد أن نبحث عن ملكة بحيث تستطيع وحدها أن تختص بالحس الباطني وبالزمان الشعوري وهذه الملكة هي (الحدس).
فضلاً عما تقدم ، نلاحظ أن بيرغسون يوجه عدة انتقادات إلى الاتجاه العقلي في المعرفة منها : ـ
أ. المعرفة العقلية لا تستطيع أن تلمس الشيء موضوع المعرفة إلا لمساً سطحياً تتناوله من الخارج فقط .
ب. المعرفة العقلية ، معرفة نسبية أي أنها لا تبدأ ولا تتم إلا من وجهة نظري أنا وتبعاً لا تجاهي العقلي .
ج. المعرفة العقلية معرفة مجردة وكمية للشيء .
د. المعرفة العقلية ، معرفة ميتة ، لا تستطيع أن تنقل إلينا إلا حالة واحدة للشيء ، وهي حالته الثابتة .
هـ. المعرفة العقلية تلجأ إلى تحليل الشيء موضوع المعرفة إلى أجزاء، ثم تقوم بتركيبها فيما بعد.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الحدس عند برغسون مختلف عن الحدس الأفلاطوني الذي يعتبره " هو الخطوة التالية لعملية الاستدلال العقلي " وكذلك عن الحدس الكانتي الذي يعتمد عليه إنشاء تجربتنا وتنظيمها في صورتي (الزمان والمكان).
- الاتجاه الواقعي :
يضم هذا الاتجاه في منظومته ما يسمى بالواقعية الساذجة، والواقعية النقدية الفلسفية ، والواقعية الجديدة ، والواقعية النقدية المعاصرة .
الواقعية ، على نحو عام ، هي تلك الفلسفة التي لا تريد أن تضحي بوجود الطبيعة والأشياء في سبيل الذات ، فهي أصلاً تعبر عن رأي الرجل العادي الذي يعجز عن التمييز بين ظاهر الشيء وحقيقته ، معنى هذا أن النزعة الواقعية قد سبقت التفكير المثالي ، لكن هذه النزعة لم تصبح مذهباً فلسفياً متماسكاً إلا بعد ظهور الفلسفات المثالية ، لأن الواقعية الفلسفية قد قامت بمحاربة المثالية ومحاولة القضاء عليها ، ومن هنا فهي كانت نقيض المذهب الأفلاطوني الذي يعتبر المثل وحدها هي الموجودات الحقيقية وأن الأشياء أو الموجودات المحسوسة ليست إلا مجرد أشباح وظلال للمثل.
وأهم فروع هذا الاتجاه هي :
أ ـ الواقعية الساذجة- وهي الموقف التلقائي للانسان الذي يدرك الاشياء ويعتقد أنها موجودة ، وهنا نلاحظ أن العلم يبدأ بالقضاء على هذه الواقعية فهو يقوم على نقطتين أساسيتين هما : الاولى _ أنه يوجد عالم واقعي مستقل عنا ، والثانية _ أن العالم الخارجي لايمكن معرفته أو أدراكة بطريق مباشر ، بل يدرك من خلال الحواس ، لذلك لايمكن القول بوجود أستمرار وأتصال بين العلم والادراك الحسي ، وأنما يوجد نوع من القطيعة ، ومهمة العلم هنا هي تصحيح معطيات الحس وتهذيبها .
أذاً هذه الواقعية تتفق مع ما يراه عامة الناس في القول أن أفكارنا صورة مطابقة للأشياء في الخارج، وأن العالم الخارجي يبدو لنا في صور كثيرة من الموجودات والكائنات ، تقوم بينها روابط وعلاقات ، بمعنى أن هذا العالم متعدد متكثر ولا يمكن رده إلى وحده كما ظن المثاليون ، أما لماذا سمي هذا الاتجاه بالساذج ؟، فلأنه يمثل مرحلة سابقة على مرحلة التفكير العلمي والفلسفي ، ولا يخضع للتفكير النقدي ، ويثق في مدركات الحس ثقة لا حد لها(.
وهنا نلاحظ ، أن العلم يعترض على هذا فيضرب أمثلة منها : عندما نأخذ قلم ونضعه في قدح فيه ماء ، يبدو مكسوراً أمام العين وهو ليس كذلك في الواقع أو المرئيات مثلا تبدو لأعيننا عن بعد أصغر حجماً من حقيقتها وغيرها الكثير ، كل ذلك بفعل الخيال ، لان الخيال لا ضابط له وبالتالي يوقعنا في الخطأ وبذلك لابد من الشك فيه أو بتأثير الاحلام وهذا كفيل بأن يفقدنا الثقة في أحكام الحس ، ومن هنا نصل إلى ما نريد قوله بصدد العالم، إذ يقول أصحاب هذا الاتجاه " إن العالم الخارجي قائم موجود بالفعل حتى عندما يكون بعيداً عن متناول إدراكنا الحسي، وهو موجود على الحال نفسها التي يوجد عليها عندما يقع عليه إدراكنا ".
ومن هنا فأن العالم الخارجي كما هو مدرك في عقولنا ليس إلا صورة للعالم الموجود في الواقع، إذن الإدراك في الواقعية الساذجة يتصف بأنه إدراك فوتوغرافي لأنه ينقل الواقع المحسوس بأمانة من دون تصرف، معنى ذلك أن الواقعية الساذجة لا تثير الجدل في قدرة الإنسان على معرفة حقيقة شيء موجود مستقلاً عنا لأنها ترى المشكلة غير ذات موضوع ومن هنا عدل الباحثون عن هذه الواقعية بأخرى وهي:
ب ـ الواقعية النقدية_ تتميز هذه الواقعية عن الساذجة بأنها ترفض التسليم بالوجود الحقيقي لمدركات الحس بغير اختبار نقدي ، أي أنها تحاول أن تثبت الحقيقة بمناقشة الحجج المضادة وإبطالها ، وهذه الواقعية تنكر على الذات قدرتها على خلق الأشياء أو إيجادها ، فهي ترى أن الحس يدرك حقائق الأشياء الخارجية، لكن هذه الحقائق تخضع للفحص في ضوء قوانين العلوم الطبيعية ، فإدراكي مثلاً اللون الأصفر في البرتقالة ،هذا يعني أنني أستقبلت عدة أنطباعات حسية متتالية مثل (شكلها ، لونها ، رائحتها ، درجة صلابتها )، بحيث تجمعت كلها في ذهني فكونت صورة هذه البرتقالة حتى وأن لم يكن هناك ضوء أو لون ، لأن هذه الخاصية أساسا موجودة في البرتقالة ، بمعنى أن المعرفة عند أصحاب الواقعية النقدية ليست إدراك صورة مطابقة للأشياء الخارجية، بل إدراك صورة معدلة بفعل العقل الذي يمكن له أن يتجاوز الجزيئات والمحسوسات وصولا إلى الكليات.
إذاً فالواقعية النقدية تبحث في إمكان معرفة الإنسان للموضوعات الخارجية وتحدد الشروط العلمية لهذه المعرفة، على نحو ما هو معروف لدى الفيلسوف جون لوك ، الذي يرفض الحقائق الفطرية المسلمة والمبادئ الأولية للعقل، لأن الواقعية النقدية تعرض للمشكلة وتناقش الحجج التي تنكر إمكان المعرفة وتنتهي من مناقشتها إلى إقرار المعرفة إقراراً قاطعاً.
ومن خلال ذلك نلاحظ ، أن الواقعية النقدية الفلسفية قد تطورت بعد لوك إلى عدة اتجاهات فلسفية ، ضمنها الواقعية البراغماتية التي تهتم بالواقع بقدر ما يفيده ليكون متمشياً مع مصالحة الشخصية وحاجاته الفردية، فهي أضافت إلى العقل فاعلية خاصة بحيث لم تصبح المعرفة صورة مطابقة للأشياء المدركة كما هو الحال في الواقعية الساذجة، فضلا الى ذلك أصبحت لها صور أخرى نجدها عند كل من الفريد نورث وايتهد (ت1947م) ، وبرندراند رسل ( ت1970م) ، إذ يعتقد هذا الاخير بأن وجود الأشياء ليس رهناً بمعرفتها ، أي أن وجود الشيء مستقلاً عن معرفتي له سوف يتعدى أو يفوق هذه المعرفة ، وأن كانت واقعيته تحليلية ، لأن الوجود الحقيقي عند أصحاب المدرسة التحليلية ليس هو الوجود (الشيء) أو وجود الموضوعات الشيئية ، بل وجود المعاني والماهيات الرياضية أو المنطقية التي يقوم الفيلسوف بتحليلها، وأن كانت الوضعية المنطقية يطلق عليها بالواقعية التحليلية، من هنا أخذت الروح العلمية تتغلغل في كل شيء ومنها في تطور هذه الواقعية الى واقعية أخرى تسمى بالواقعية الجديدة .
ج _ الواقعية الجديدة : هذه الواقعية بدأت على يد مجموعة من الفلاسفة أمثال الفيلسوف صموئيل الكسندر(ت1938م) ، ورسل ومور وغيرهم ، وهؤلاء لم يخالفوا الفلسفة التقليدية في موضوع البحث ، لذلك كان مدار فلسفتهم هو نظرية المعرفة وفهم العلاقة التي تقوم بين الذات العارفة وموضوعها، أي من دون تميز بين العارف والمعروف، فضلاً عن ذلك فأنها قامت بتحليل العلاقة التي تربط بين الذات العارفة وموضوعها ، ورفضت التسليم بما رأته الواقعية النقدية من وجود وسيط بين الشيء المدرك والذات العارفة ، لأن الإدراك في نظر الواقعية الجديدة يقع على نحو مباشر وبغير وسيط ، وهذا يجعل معرفتنا للشيء الخارجي صورة مطابقة لحقيقته في الخارج.
وأخذ أصحاب هذه الواقعية يقرون بأن العقل يستطيع أن يدرك الموجودات المادية ويتصل بها دون أن يؤثر فيها ، لكن هذه الواقعية لم ترضي طائفة أخرى من الواقعين المعاصرين فأتهموها بالسذاجة لأنها في دراستها للمعرفة تفتقر الى روح النقد والتمحيص والتحليل، فظهرت واقعية أخرى الا وهي الواقعية النقدية المعاصرة، لذلك فإن أصحاب هذا الاتجاه يصرحون بأن وجود الشيء مستقلاً عن الذات هو ما يسميه الواقعيون تفوق الموضوع.


ح _ الواقعية النقدية المعاصرة :
هذه الواقعية بدأت عام 1916 بمذهب جديد وأن ظلت نظرية المعرفة مدار بحثهم ، الا أن هذه الواقعية رفضت موقف الواقعية الجديدة في ضم العارف والمعروف في شيء واحد ، وهؤلاء عادوا الى الثنائية التي يتميز فيها العارف والمعروف مع القول أن الشيء المعروف هو وجوده الخارجي، وأن معرفتي به هي التي تؤدي الى وجوده ، فضلاً الى ذلك رفضوا القول بوجود فارق بين ظاهر الشيء وحقيقته ، وهذه الواقعية قد شرحوها في كتاب اشتركوا جميعاً في وضعه تحت عنوان (مقالات الواقعية النقدية - دراسة تعاونية لمشكلة المعرفة) .

- الاتجاه المثالي:
هذا الاتجاه يضم في منظومته الفلسفية ، المثالية الذاتية ، والمثالية النقدية الشارطة ، والمثالية المطلقة الهيجلية ، فهذا الاتجاه هو عبارة عن علاقة الذات بالموضوع ولا يعترف بوجود شيء خارج العقل ، إذ لا وجود إلا لما يدركه العقل ، وما لا يدركه العقل يستحيل أن يكون موجوداً ، إذن معرفة الشيء ووجوده جانبان لحقيقة واحدة ، وهنا يقول أصحاب هذا الاتجاه على اختلاف عنواناتهم لا فرق بين الشيء باعتباره كائناً من كائنات العالم وبين اعتباره مدركاً من مدركات العقل.
هنا لا بد من الإشارة إلى سؤال مهم ، هو ماذا يقول المثاليون عن وجود شيء إذا تركته ورائي في الغرفة لا أراه ولا ألمسه ولا أحسه بأية حاسة، أينعدم وجوده لغيابي أم ماذا ؟ اذ يجيب المثاليون أن الشيء الذي لا تدركه أنت قد يدركه غيرك من الناس، وإذا لم يكن يدركها غيرك من الناس فهناك العقل الإلهي هو الذي يدركه مع سائر الكائنات .
هنا ذهب بعض الباحثين إلى أن ديكارت مثالتيه عقلية خالصة كونه مؤسس هذه المثالية في الفلسفة الحديثة على اعتبار أن ديكارت حاول أن يفصل بين الفكر والوجود فيقول : " من واجبي قبل أن أتأكد وجود أشياء خارجية أن أنظر في أفكاري من حيث هي كذلك، وأن أعرف الواضح والغامض منها ، وأن الحقيقة تسبق الوجود"، ولهذا ليس في وسعنا أن ندرك العالم الخارجي ادراكاً مباشراً عن طريق الحواس هذا من جانب ، ومن اَخر أن بعض الباحثين على العكس يقولون أن ديكارت وأن كان يبدأ بالتفكير الا أنه أراد ان يسير من التفكير الى الوجود ومعتمدين على نص له وهو " ان العالم موجود لأنه معتمد على ارادة الله "، هذا يعني ان ديكارت بدء تفلسفه بالشك في وجود العالم الخارجي معتمداً في ذلك على أسس مختلفة من بينها: أمكانية خداع الحواس ، وإمكانية الخلط بين الحلم والحقيقة ، اذ نلاحظ أن للمثالية أنواع منـها المثاليـة الموضوعيـة لدى أفلاطون والمثالية الذاتية لدى باركلي والمثالية النقدية الشارطة عند كانت والمثالية الهيجلية لدى هيجل.
اذاً مثالية افلاطون تقوم على أساس تقابل الحقيقة بين المتغير الحسي الذي هو عالم الحس ، والعقل الذي هو عالم المثل، ويصور أفلاطون في محاورة السفسطائي المعركة المحتدمة بين المثالية والواقعية بأنها أشبه بالمعركة بين الالهة والشياطين ، أذ يسأل أفلاطون في محاورته بأن عالم المثل يحتوي على نوع من التغيير لكي يتسنى للموجودات في العالم أن تدرك هذه المثل . أذن من هنا أخذ ديكارت بالبحث عن وسيله أخرى من وسائل ، لان ديكارت لا يقتنع بوجود العالم الخارجي كونه حقيقة ، بل يريد برهانا على وجوده ويستمد هذا البرهان بطريقة غير مباشرة من الكوجيتو ، أي من الشك الى الكوجيتو الى وجود العالم ومنه الى وجود الله ، أما فروع هذه المثالية فهي :
أ ـ المثالية الذاتية- مؤسسها الفيلسوف جورج باركلي ( ت 1753م) ، إذ ذهب هذا الفيلسوف إلى القول أن الوجود هو الإدراك، وغير المدرك لا وجود له ، والمادة تدرك في ذاتها باعتراف القائلين بالمادة، إنها معنى مجرد لا يمكن تصوره بعيداً عن كيفياته ، وهذه اللامادية تنكر وجود المحسوسات بدليل أننا لا ندركها ، فهي لا تحول الأشياء إلى معانٍ ، بل أنها تحول المعاني إلى أشياء ، ولهذا يقول باركلي " أن وجود الشيء هو إدراكه ، وعلينا أن نتخلص منه ونلغي وجوده".
ومن أجل هذا سمي باركلي مذهبه باللامادية ، أي المذهب الذي يلغي وجود المادة أو الجوهر المادي ويلغي الصفات المادية باعتبارها قائمة خارج عقولنا .
علماً أن المذهب المثالي يطلق على المذهب الروحي في علم ما بعد الطبيعة وهو الذي يفسر هذا الوجود تفسيرا روحيا أو عقليا خالصا ، وكذلك يطلق المذهب في مجال الاخلاق الذي يرى الاخلاق غاية في ذاتها ، أذ ليست غاية الاخلاق تحقيق سعادة الفرد كما يبينها قدماء الفلاسفة اليونانيين الاخلاقيين القدماء ، بل أن غاية الاخلاق عند أتباع المذهب المثالي هو كمال الجنس البشري ، ولهذا سميت بالمثالية الاخلاقية .
ب . المثالية النقدية الشارطة- مؤسسها الفيلسوف عمانوئيل كانت (ت 1804م) والغريب هنا، أن كانت نقد باركلي وعارض مثاليته التي بدت له أنها نموذج المثالية اليقينية ، وقدم لنا في مقابل هذه مثالتيه النقدية الشارطة التي تهتم بوضع الشروط التي تجعل التجربة ممكنة، أذ تذهب هذه المثالية الى التميز الدقيق بين الظواهر العقلية السابقة على كل تجربة كونها ضرورية لا دراك الاشياء ومعرفتها ، والظواهر التي تكتسب بالتجربة ، فهذه المعرفة لا تستقي من المدركات الحسية وحدها ولا من العقل وحده ، بل بهما معا ، ومن هنا نلاحظ أن النقد الذي وجهه كانت الى باركلي وفرق على أساسه بين مثالتيه ومثالية باركلي، لان نظره كانت الى المعرفة كانت أعم وأشمل لأنه جمع بين الاتجاهين العقلي والتجريبي، كما أسلفنا من قبل .
فهذه المثالية لها صفتان رئيستان ، إنها نقدية وشارطه ترانسندنتالية، هي نقدية لأنها تهتم بوضع الحدود التي يجب أن لا يتعداها العقل ، لأن كانت قد رأى أن العقل الإنساني يخول لنفسه الخوض في موضوعات كثيرة، وهذه الموضوعات ميتافيزيقية تتعلق بالبحث عن (الله ، الحرية ، النفس وخلودها) ، وشارطه ترانسندنتالية ، بمعنى أنها تضع الشروط التي تجعل التجربة ممكنه.
من هنا بدأ كانت مثالتيه بالتفكير في طبيعة (المكان والزمان)، فوجد أن المكان عبارة عن إطار لمواضع الأشياء وأن الزمان إطار لتواريخها ثم وجه نظرة بعد ذلك إلى الطريقة التي يعرف بها المكان والزمان فرأى أننا لا نعرفهما عن طريق التجربة الحسية ، بمعنى ندرك محتوياتها عن طريق الحس ، ولكن المكان ندركه عن طريق العقل وهذا دليل على أن المكان فكرة عقلية وليست مشتقة من الحس.
وقد ميز كانت في كتابه (نقد العقل المحض) التميز الدقيق بين الظواهر العقلية السابقة على كل تجربة Apriori والظواهر التي تكتسب بالتجربة Aposteriori ، إذ تعد الأولى ضرورية لإدراك الأشياء أو معرفتها ، ويرى هنا أن المعرفة لا تستقي من المدركات الحسية وحدها ولا من العقل وحده ، لأن مرجعها إلى الحس الذي ينقل للعقل صور المحسوسات ، فيضيف هذا إليها علاقات زمنية أو مكانية ثم إلى المعاني الأولية في العقل وهي سابقة على كل تجربة.
فضلاً الى ذلك ، نلاحظ أن دعاة المثالية الذاتية يرون أن الحقيقة لا توجد الا في معاني العقل ، الا أن كانت قال أن الحقيقة لا توجد الا في التجربة ،على الرغم من أنه أنكر مذهب التجريبين في رد المعرفة كلها الى التجربة ، لأنه وجد أن (النفس) معرفة سابقه على كل تجربة كالمعرفة الرياضية ، ومن هنا أضاف كانت العقل الى التجربة مصدرا من مصادر العلم .

ج ـ المثالية المطلقة الهيجلية والتي قال بها الفيلسوف الألماني هيجل(ت1831م) ، إذ وقف هيجل من ذلك موقفاً وسطاً بين الطبيعيين الذين يقولون بوجود الطبيعة مستقلة استقلالاً تاماً عن الذات المدركة ، وبين المثاليين الذاتيين الذين قيدوا الطبيعة بالذات، شبه هيجل منهجه هذا ، بأنه عبارة عن تأليف بين موضوع الطبيعة وموضوع الذات ، وفي هذا التأليف نؤلف بين جميع العناصر الحسية بين مذهب المثالية الذاتية ومذهب الطبيعيين.
إذ ذهبت المثالية المطلقة إلى وجود عقل مطلق أو إلهي في الطبيعة ، وهذا العقل الإلهي باطن في الطبيعة لأن الطبيعة خاضعة في حركتها وتطورها لهذا المطلق الذي تختلط حركته بحركتها وصيرورته بصيرورتها إلى حد تصبح فيه حركته مصدر الحركة في الطبيعة نفسها.
والمطلق عند هيجل هو الوجود الواقعي ، ومن هنا نظر هيجل إلى(الفكر والطبيعة) باعتبارهما مظهرين لهذا المطلق ، فالمطلق إذن بهذا الاعتبار حاضر في الطبيعة ، باطن لها ، وليس منفصلاً عنها ، ونتيجة لذلك فقد هاجم هيجل المعرفة العقلية الخالصة لأنها فصلت الفكر عن الوجود ، وبنفس الوقت هاجم المعرفة التجريبية الخالصة لأنها أغفلت السمات العقلية للواقع ، ولهذا أقام منهجه الجدلي الذي من خلاله وحد بين(الفكر والوجود)، حتى يمكن القول أن العقل عنده أخذ يدرس ثلاث نواحي :
يدرس أي حالة ، لأنه مجردا كما هو الحال في المنطق .
يدرس من حيث تحققه في الكون ، كما في فلسفة الطبيعة .
يدرس من حيث أنه يتحقق عن طريق الفكر والنشاط الانساني، كما في فلسفة الروح .




- الاتجاه الفينومينولوجي (الظواهري) :
بدءاً اقول ان هوسرل لم يكن أول من استخدم مصطلح الظاهرة، فقد سبقة في الفلسفة الحديثة اللاهوتي فردريك اوبتجر(ت1702م) فهو اول من استخدم هذا المصطلح لوصف النظام الالهي للعلاقات بين ما هو الهي وما هو انساني كتعبير عن القدرة الالهية ، ثم جاء الفيلسوف الالماني لا مبرت (ت1728م) لوصف المعطيات المباشرة للتجربة، وبعد ذلك جاء الفيلسوف كانت(ت1804م) في كتابه (نقد العقل المحض) ، أذ حاول أن يفرق بين الشيء في ذاته وبين الظواهر ، وبعده جاء هيجل(ت1831م) في كتابه (ظاهريات الروح) الصادر عام 1807، لوصف تجليات الروح عبر التاريخ ، ثم جاء الفيلسوف وعالم النفس النمساوي فرانز برنتانو(ت1837م) وهو اول من قدم فكرة القصدية الى الفلسفة الحديثة والتي ترجع جذورها الى افكار توما الأكويني (ت1225م) والذي ذكر في كتابه (حول الوجود والماهية) بأن وجود الشيء خارج العقل يختلف عن وجوده داخل العقل، وهنا طور برنتانو هذه الفكرة الى القصدية قائلا " بأن كل ظاهرة عقلية او فعل نفسي لها يتوجه نحو الموضوع القصدي " ، وبعده جاء الفيلسوف هوسرل (ت1938م)، واخيراً جاء مارتن هايدغر (ت1977م) وهو اخر الفلاسفة العظام الذي طور الظاهراتية من منهج لدراسة احوال الشعور لبلوغ الماهيات الى دراسة في الانطولوجيا والتي استوحت دهشة الفلاسفة وعلى رأسهم هوسرل لكنه طورها بشكل أفضل.
اذاً الظاهرة ، حركة فلسفية بدأت في أوائل القرن العشرين ومؤسسها هوسرل، اذ ظهرت ملامحها الاولى عنده في مؤلفة (ابحاث منطقية) ونشرها بجزئيين: الاول عام 1900 والثاني عام 1901 ، هذه الدراسة تختص بتركيب مختلف انواع الخبرات ليس فقط الادراك والتفكير والتخيل ...، بل في الافعال ايضاً ، لان مهمة الفينومينولوجيا هي البحث في كيفية ادراك الشيء أو تذكر شيء ما أو تخيل أو استحضار صورة ذهنية لشيء ما ، واعني البحث في كيف يمكن للشيء ان يبدو كمعطى حسي ، ثم طورها بعد ذلك في كتابه (الفلسفة كعلم دقيق) ، اذن الفينومينولوجيا : كلمة تعني علم الظواهر، وعندما نريد أن نحدد معنى كلمة الظواهر نجد صعوبة في ذلك ، هنا يجب أن نستبعد التصور الكانتي للظواهر والتي تعرف (الشيء في ذاته) ، فعند كانت لفظه ظاهرة هي مظهر سلبي وفيها انتقاص من الوجود ، لأن الوجود في ذاته لا يعرف وإنما ينبئ عن ذاته ، فضلاً الى أن الظواهر عنده تعرف من خلال الاحكام التي تنشئها كموضوعات للمعرفة على اعتبار أن الزمان والمكان ليسا شيئين محسوسين ، وإنما هما معنيان يطبقان على الاشياء المحسوسة فيجعلان منها ظواهر هذا من جانب، ومن جانب اخر يجب أن نستعد تصور التجريبين للظاهرة، لأن الظاهرة عندهم تعرف من خلال مبدأهم الفلسفي القائل بالبحث عن أصل الحواس ، أما عند هوسرل فالعكس من ذلك فيجب أن نعود الى ما قبل الاحكام والافكار التي قال بها كانت ، بل والى ما قبل الموقف الفلسفي لنرى ما يحتويه من ماهيات ، لأن لفظه ظاهرة عند هوسرل هي معنى إيجابي وهو (ما يظهر في ذاته)، فهو صاحب هذه الفلسفة ومن أهم فلاسفة هذا العصر الذين قادوا الانقلاب لا على فلسفة هيجل فحسب ، بل على الفلسفات التجريبية والبركماتية ، التي ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين ، ومن الصعب أن نصف مذهبه تحت اسم محدد ، وأن كان هو في الواقع قد ارتضى لفلسفته أن تصنف مذهباً (وضعياً) ، إذن فالفلسفة الفينومنولوجية وضعية ، بمعنى أنها بحث يريد أن يقوم على ما هو أصيل ومباشر ومن ثم حقيقي أو واقعي.
ولهذا أراد أن يبدأ من المباشر ، لكن هذا المباشر ليس هو العالم المحسوس، كما يذهب إليه التجريبيون - الحسيون ، لأن التجربة الحسية لا توصلنا إلى اليقين ، ولأن العالم ليس عالماً موجود بيقين، فهو أراد أن يؤسس فلسفته بين بين ( لا هي مثالية ولا هي واقعية) وقد عرفها هوسيرل أنها منهج للبحث عن الحقيقة وهذا ما بحثها في كتابه (الفلسفة كعلم دقيق) ، ومن هنا فهو يرفض أولاً الواقعية الساذجة ، ويرفض ثانياً أن نبدأ بالذات كما يذهب اليها اتباع المذاهب الذاتية ، بل أن فلسفته تقوم على عملية رد العالم الخارجي في صورته العادية إلى الذات ، وعملية الرد هذه تشتمل على نوعين من الرد : الرد التصوري _ الذي يجعل الفيلسوف يتعلق بالماهيات والتصورات ويسقط من حسابه الوقائع الجزئية ، وهذا عكس ما يقوله أستاذة برنتانو بأنها مجرد اصطلاحات لغوية، والرد الشارطي _ الذي يتميز بوضع جميع الأشياء المادية بين قوسين، أي لكل عالم يبرهن علماً بطريقة يقينية ، إذ أن هذا المنهج هو الذي يأخذ به هوسرل هو أن يجعل من العالم مجرد ظاهرة ، بعد ذلك أختلف هوسرل مع أستاذه فرانز برنتانو صاحب النزعة النفسية في ثلاث أمور:
سعى هوسرل الى التغلب على مذهب أستاذه برنتانو ، أذ وجد أن تحليله للأفعال النفسية فيه الكثير من الاخطاء والاشتباهات.
يرى هوسرل أن التصورات الكلية توجد حقاً وفعلاً وليس كما زعم أستاذه من أنها مجرد اصطلاحات لغوية .
امن هوسرل أن للفلسفة منهجاً خصباً هو رؤيتها للماهية .
ونتيجة لكل هذا وجدنا أن هوسرل قد نادى في فلسفته بالرجوع إلى الأشياء الظاهرة في الشعور ظهوراً بيناً أمام البداهة، بداهة التجربة الحسية ، لأن مناداته بالتجربة الحسية ، مناداة بالاستماع أليها، وهي تجربة تقوم على الاتصال المباشر بين الذات وبين الأشياء .











خاتمة:
نستنتج في الأخير :
- تُعدّ نظرية المعرفة من أكثر الموضوعات ثراءً، ولا يمكن أن يسعها تقرير واحد على أية حال، فنتبع ذلك التقرير بتقارير أخرى تبحث في مصادر المعرفة ومجالاتها وأدواتها عند الفلاسفة والمفكرين وحين نشأت المذاهب الفلسفية نشأ كل مذهب لمرحلة معينة وكل مذهب أثرى الفكر الإنساني من ناحيته الخاصة.
- التطور التاريخي لنظرية المعرفة لقد حدثت بالتوازي مع تطور الفلسفة. كلاهما له جذوره في اليونان القديمة ويرتبط بالعلوم المجرد و نظرية المعرفة هي دراسة المعرفة نفسها: فهي تدرس الطبيعة واكتساب المعرفة. تعود جذور نظرية المعرفة إلى اليونان القديمة، وقد تطورت لتصبح علمًا في حد ذاتها.
- تكمن أهمّية نظريّة المعرفة التي تهدف إلى تحقيق الوعي اللازم؛ لفهم المعارف ضمن إطار الواقع، والبراهين؛ فالمعرفة بالشيء تقتضي التيقُّن به، وإزاحة الشكوك عنه؛ حتى يصل صاحبه إلى إدراك حقيقته، ويُؤسِّس ما يُسمّى بالنموذج المَعرفيّ عندما يصبح مصدر المعرفة مُؤكَّداً، ومُثبَتاً، كأن نقول: إنّ النموذج المعرفيّ الإسلاميّ يتبدّى بكون إجابة التساؤُلات تعود إلى أساس واحد، وهو الوحي، والشريعة، وبذلك يكون النموذج المعرفيّ قد تأسَّس بتوحيد مرجعيّة المصادر المعرفيّة التي يكتسبُها الإنسان، أو يبحث عنها.



#حبطيش_وعلي (هاشتاغ)       Habtiche_Ouali#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأملات فلسفية وعلمية على الذكاء الاصطناعي
- الذكاء الاصطناعي والفلسفة: هل الذكاء الاصطناعي أحد تمثيلات ا ...
- تطور العلاقة بين عناصر العملية التعليمية و التعلمية
- عملية النقل الديداكتيكي في الدرس الفلسفي
- عمليات التفكير الفلسفي
- تطور مفهوم التعليمية
- فلسفة الرياضيات
- هل الفكر موجود في اللغة؟
- الفرق بين العلم و الفلسفة
- مشكلة الاحساس و الادراك
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى :
- مسألة حالة الأنثى في ديغا
- من الخوف إلى حلوله
- نحو تأبين للفوضى
- مقدمة عامة إلى الفلسفة الحديثة
- كيف تصوغ موضوع فلسفي؟
- القراءة المنهجية الفلسفية: مثال لمفهوم ما بين الجور
- المؤلفين والمصنفات الشفوية العلاجية
- المساهمة في تعليم شفوي عاكس
- نعي: الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان


المزيد.....




- ?? مباشر: عملية رفح العسكرية تلوح في الأفق والجيش ينتظر الضو ...
- أمريكا: إضفاء الشرعية على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة ال ...
- الأردن ينتخب برلمانه الـ20 في سبتمبر.. وبرلماني سابق: الانتخ ...
- مسؤولة أميركية تكشف عن 3 أهداف أساسية في غزة
- تيك توك يتعهد بالطعن على الحظر الأمريكي ويصفه بـ -غير الدستو ...
- ما هو -الدوكسنغ- ؟ وكيف تحمي نفسك من مخاطره؟
- بالفيديو.. الشرطة الإسرائيلية تنقذ بن غفير من اعتداء جماهيري ...
- قلق دولي من خطر نووي.. روسيا تستخدم -الفيتو- ضد قرار أممي
- 8 طرق مميزة لشحن الهاتف الذكي بسرعة فائقة
- لا ترمها في القمامة.. فوائد -خفية- لقشر البيض


المزيد.....

- فيلسوف من الرعيل الأول للمذهب الإنساني لفظه تاريخ الفلسفة ال ... / إدريس ولد القابلة
- المجتمع الإنساني بين مفهومي الحضارة والمدنيّة عند موريس جنزب ... / حسام الدين فياض
- القهر الاجتماعي عند حسن حنفي؛ قراءة في الوضع الراهن للواقع ا ... / حسام الدين فياض
- فلسفة الدين والأسئلة الكبرى، روبرت نيفيل / محمد عبد الكريم يوسف
- يوميات على هامش الحلم / عماد زولي
- نقض هيجل / هيبت بافي حلبجة
- العدالة الجنائية للأحداث الجانحين؛ الخريطة البنيوية للأطفال ... / بلال عوض سلامة
- المسار الكرونولوجي لمشكلة المعرفة عبر مجرى تاريخ الفكر الفلس ... / حبطيش وعلي
- الإنسان في النظرية الماركسية. لوسيان سيف 1974 / فصل تمفصل عل ... / سعيد العليمى
- أهمية العلوم الاجتماعية في وقتنا الحاضر- البحث في علم الاجتم ... / سعيد زيوش


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حبطيش وعلي - المسار الكرونولوجي لمشكلة المعرفة عبر مجرى تاريخ الفكر الفلسفي