أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي فضيل العربي - قراءة سيميائية و تفكيكيّة لرواية غابات الإسمنت . لذكرى لعيبي *















المزيد.....



قراءة سيميائية و تفكيكيّة لرواية غابات الإسمنت . لذكرى لعيبي *


علي فضيل العربي

الحوار المتمدن-العدد: 7630 - 2023 / 6 / 2 - 08:42
المحور: الادب والفن
    


ختمت الروائيّة ذكرى لعيبي روايتها " غابات الإسمنت " على لسان بطلتها إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساء أدهم عبد الرحيم ) ، قائلة : ( و رغم كلّ ما مرّ .. سأعيش و أنسى المرّ ) .
هناك روايات تجبرنا – كقراء أو نقاد ، أن نقرأها أكثر من مرّة . لا لكونها رواية صعبة المنال ، أو غامضة في ثنايا السرد و الحوار ، بل ، نظرا لتفرّدها و تمرّدها على السرد العربي المألوف . و ما اعتاده القاريء العربي من نصوص سرديّة ، تمتّعه فنيّا ، و لا تستفزّه عاطفيّا . تدغدغ مشاعره و أحاسيسه ، و تزعزع أفكاره ، لكنّها لا تزلزلها ، و لا تزرع فيها كمّا من الأسئلة الحرجة . و إن كان من بين أدوار الفن ّ عامة ، اقتحام المناطق المغلقة في الطبيعة و النفس البشريّة ، و التنقيب في أعماقهما عن المكنونات ، التي لا تبصرها عيون العامة بعين بصيرة .
أجل ، لم تعد الرواية المعاصرة تهادن فلسفة الواقع المعيش ، بل أضحت وسيلة لتعريّة هذا الواقع الإنساني ، الذي يخفي كثيرا من الطابوهات ، و يقمع الحريّات ، و يمارس طقوس النفاق السياسي و الاجتماعي و الثيوقراطي ـ تارة تحت غطاء التقاليد الباليّة و العادات البائدة ، و تارة أخرى تحت طائلة الاستبداد بكل ضروبه و أشكاله .
رواية " غابات الإسمنت " ، للكاتبة ذكرى لعيبي ، و هي كاتبة ميسانية المولد ( نسبة إلى ميسان ** ) ، عراقيّة الموطن و الهويّة ، سندباديّة الترحال . ولدت في زمن العجائب العربيّة . تناولت فيها الكاتبة ، بكل جرأة و شجاعة ، أحد المجتمعات العربية – جعلت المكان الأول عائمًا – لأسباب نعرفها جميعًا – الذي لا تختلف البلاد العربيّة برمّتها - الذي مازالت فيه الذكورة الفوقيّة ، تمارس ( قوامتها ) و رعونتها على الأنثى ( المرأة ) الرازحة تحت نير الدونيّة و النصفيّة ( من النصف ) . فأضحى الذكر هو كلّ المجتمع ، بينا المرأة هي نصفه ، الذي سُلب منها ، و حُرمت منه . و قد صدرت هذه الرواية في طبعتها الأولى شهر أفريل 2023 م ، عن دار الدراويش للنشر و الترجمة / كاوفبويرن - جمهوريّة ألمانيا الاتحادية .
قسّمت الكاتبة الروائيّة ذكرى لعيبي ، روايتها " غابات الإسمنت " إلى قسمين ؛ عنونت قسمها الأول بـ ( الجريمة ) ، و قد توزّع على أربعة عشر فصلا ( هل نلوم القدر ؟ ، رفيقتي ، السجن الكبير ، نائلة ، اللقاء ، نافذة أخرى للحياة ، وعود ، بين الحياة و الموت ، إرادة الموت ، لقاء في المكتب ، عالم العطور و العقارب ، أناملي و الدمى ، العودة إلى السجن ، المهمة الأولى ، ) بينا عنونت الفصل الثاني بعنوان ( الحريّة ) ، و قد ضمّ أحد عشر فصلا ، هي كالتالي : ( الحريّة ، عناق ، البيت ، سكن و عمل ، احتفالية ، زيارة المقبرة ، خبر عن الفرح ، حياة جديدة ؛ لكن بحدود ، لقاء مع العروس ، التمرّد ، حريّة أخرى ) . أما عدد صفحاتها فقد ناهزت 218 صفحة .
و قد صدّرت الكاتبة الروائيّة ذكرى لعيبي روايتها ، بإهداء إلى بطلة روايتها " أنعام عبد اللطيف الحاير " قائلة لها : " الأقوياء هم من يعاصرون أعوام التبعثر .. من دون أن تتشظّى أرواحهم .. نحن متّفقتان أن أيّ علاقة تجعلنا نتخلّى عن قيّمنا و مبادئنا ، لا بد من إعادة النظر فيها ...ثم تضيف : جريمتك لا تنحصر في قتل رجل خائن .. بل في تمزيق صورة إنعام ؛ الأنثى الجميلة التي كانت بداخلك . "
و قبل الولوج في هذا المتن السردي ، المثير لمشاعرنا ، المستفز لعواطفنا و قناعاتنا الفكريّة ، يستوقفنا ، عنوانها الموسوم بـ " غابات الإسمنت " . و إذا كانت الأبواب هي المداخل الشرعيّة القانونيّة للبيوت و المحلاّت ، فإنّ العناوين هي عتبات النصوص الروائيّة ، لا يمكن إغفالها أو تجازوها أو التهوين من قيمتها الفنيّة و الدلالية . إنّ الغابات ( مفردها الغابة ) في سياقها الرمزي و وظيفتها الإنزياحية ، و مفهومها النفسي تدل على الأنوثة غير المستكشفة . فقلب الغابات – غالبا – ما يمثّل الأرض المقطوعة الشجر و الطوق المقدّس . و منها صيغ مصطلح ( قانون الغاب ) ، فهو شريعة تقوم على الفوضى و الأنانيّة المطلقة و أخذ الحقوق بأساليب مختلفة و مشبوهة في وجود أمن ضعيف و سلطة سيّئة الذكر . أما في المفهوم السياسي ، فهي ترمز إلى مكان لترويض العاطفة و الشهوات الحسيّة و الانغماس في في طقوس رومانسيّة و صوفيّة كما هو الشأن في الأدب الفارسي . أما رمزيّة الإسمنت ، فهي تحمل معاني القهر و التضييق و الخنق و القسوة و الاستبداد .
بطلة الرواية ( الراوية ) ، هي إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساء أدهم عبد الرحيم ) ، امرأة مثيرة للجدل ، متمرّدة عن مجتمع ( القطيع ) و ضحيّته في آن واحد . أمرأة باحثة عن حريّتها و كيانها و دورها و مكانتها في مجتمع شرقيّ ـ تقبض على زمامه فلسفة ذكوريّة فوقيّة متخلّفة . تناسى متعاطوها مبدأ ( النساء شقائق الرجال ) ، و تتعامل معهنّ بمباديء مغلوطة و مزيّفة عقليّا و دينيّا و إنسانيّا . قتلت زوجها ، الذي خانها مع عشيقته ، و انتقمت لشرفها و عزّة أنوثتها ، و لسان حالها يردّد في سرّها قول أبي الطيّب المتنبّي :
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ** حتى يراق على جوانبه الدم .
لكنّها بالمقابل ، سعت إلى ترسيم وجودها ، و تأمين حريّتها بوسائل غير شريفة ، و بمبدأ ميكيافيلّي بحت ( الغاية تبرّر الوسيلة ) . و هذا ما أدّى إلى سقوطها في المحظور ، قبل السجن و أثناءه و بعد مغادرته .
حكم القضاء عليها بـ ( 8 ) سنوات سجنا نافذا ، كعقوبة لها على جريمتها الشنعاء تلك ، قضت منها ثلاث سنوات ، بفضل عشيقتها و ( حبيبتها ) النقيب ابتسام علام ، مديرة السجن ، ثم استفادت من الإفراج المسبق ، نظير حسن سيرتها و سلوكها ، كما كُتب في تقرير الإفراج ، و انتهى بها المطاف حرّة ، طليقة في بريطانيا ، منتحلة شخصيّة سيّدة مجتمع و أعمال .
ثنائيّة الصراع بين الذكورة و الأنوثة :
يكتشف القاري ، من خلال تتابع فصول الرواية ، أنّ الكاتبة ذكرى لعيبي ، تثير أزمة العلاقة بين الرجل و المرأة ، أو لنقل بين الذكر و الأنثى ، في المجتمع الشرقي المحافظ خاصة ، و المجتمع العربي برمّته ، من المحيط إلى الخليج . و هي أزمة اجتماعيّة و نفسيّة و ثيوقراطيّة متوارثة أبا عن جدّ ، قائمة على نظرة الرجل الشرقي إلى المرأة الشرقيّة ، تسندها – بقوة – منظومة العادات الخرافيّة البالية و التقاليد الأسطوريّة البائدة ، و تغذيها الفتاوي الدينيّة الباطلة . أزمة إلغاء وجود المرأة و تموضعها في المجتمع الشرقي ، و إنزالها منزلة القطيع السائر خلف الرجل ، و الكائن الثانوي . رغم أنّ كلّ الشرائع السماويّة ، كرّمت المرأة ؛ أمّا و زوجة و أختا و ابنة و عمّة و خالة ، و هلّم جرّا . لكنّ الرجل ( الذكر) الشرقي أبى إلاّ أن يهينها و يحجر عليها حقوقها الفطريّة ، و يغتصب – سرّا و علانيّة – أنوثتها و حرّيتها و كرامها ، و بحجّم دورها في المجتمع الشرقي ، و يحصره في العمليّة الجنسيّة ، الشرعيّة و اللاشرعيّة ، و يحوّلها إلى آلة نسل و خادمة بيت ، هو سيّدها ، منتحلا شخصيّة ( سي السيّد ) كما جاء في ثلاثية نجيب محفوظ الخالدة .
ترصد هذه الرواية صراعا عميقا بين الرجل الشرقي الأرعن ، الظالم و المرأة الشرقيّة المظلومة ، المحرومة من حقوقها الفطريّة . و هو صراع قديم و متجدّد ، متوارث عبر التاريخ ، جذوره تمتدّ إلى الجاهليّة الظلاميّة ، و يستمر في النمو في المجتمع الشرقي ، مجتمع الإماء و الحريم و ما ملكت الأيمان ، حين كانت المرأة سلعة رخيصة ، تباع و تشترى في أسواق النخاسة ، في المجتمعات البائدة – دون استثناء - حتى في أوربا ، التي انعقد فيه مؤتمر يشكّك و يبحث و يسأل : هل المرأة إنسان أم حيوان ؟ .
صراع متطرّف ، علّته الجهل بالمباديء الإنسانية المتعارف عليها شرقا و غربا . لكنّ ما بلفت انتباه القاريء في رواية الكاتبة العراقيّة المتميّزة " غابات الإسمنت " ، هو تحميل الرجل مسؤوليّة جرائم المرأة كلّها ، و تبرئة هذه الأخيرة منها . فكلّ السجينات اللائي لقيتهنّ في السجن و موظفات السجن ، و على رأسهنّ المسؤولة النقيب إبتسام علاّم ، هنّ ضحايا سلوكات الرجل و معاملاته الشائنة .
الخيانة و الجريمة و الابتزاز في الرواية :
منحت الكاتبة ذكرى لعيبي في روايتها ( جريمة الخيانة ) دور المركز ؛ فهي فوهة البركان و بؤرته التي ينفث منها حممه الحارقة ، و في الاتّجاهات كلّها ؛ خيانة الزوج لزوجته ، خيانة رجل السياسة لبلده ، خيانة رجل الأمن لمهمّته ، خيانة رجل الدين لعقيدته و شريعته ، خيانة الفرد لذاته و قناعاته ، خيانة الحبيب لحبيبته ، خيانة الذكورة للأنوثة ، و هلّم جرّا .. لقد عمدت الكاتبة إلى تبرير جرائم النساء السجينات ، و تبرئتهنّ منها ، و أرجعت مسؤوليّة تلك الجرائم إلى الرجل . الذي وصفته على لسان السجينة نجاح قائلة : " تبّا ما أتعسنا ...هناك فرق كبير رجل حقيقي ، و شبه رجل ، نحن وقعنا في وكر أشباه الرجال " ص 62 . فظلم الرجل الشرفي و رعونتهم و جرمه - في نظر النقيب ابتسام علاّم – صنعا مأساة المرأة الشرفيّة . " الرجال مجرمون و الدليل وجودكنّ بالسجن ، أو على المشانق ، نحن نقدر أن نكون رجالا و نساء في الوقت نفسه ، كل واحدة هي رجل و أنثى ، فما حاجتنا لهم ؟ " ص 55 .
فالخيانة - في نظر السجينات و السجّانات ، و على رأسهنّ النقيب ابتسام علاّم – سلوك ذكوري بحت ، و كأنّ المرأة معصومة منها . و هي نظرة نابعة من نفسيّة مريضة و شاذة . إنّ خوف النقيب ابتسام من فقدان حبّها الجديد إنعام ، أو خيانتها لها ، و لو بمجرّد التفكير في الزواج من رجل ، جعلها تصوّر لها عالم الرجال جحيما لا يطاق ، بينا صوّرت لها علاقتها بها جنّة ستنسيها ( بحيرة الدم ) . و ليتأمل معي القرئء الكريم قول الراوية إنعام عبد اللطيف الحاير . " أمامي ثلاث سنوات أروّض نفسي خلالها على الحياة الجديدة ، لقد خانني رجل .. فهل تخونني امرأة ؟ و قد هتفت الليلة ، و هي ترتعش فوقي : أحبّك .. أهيم بك .. إنّك لي إلى الأبد " ص 53 . و في موضع آخر تصفها ، قائلة : " أجدها تلعب دور الإثنين وفق تتابع زمني : الرجل أو المرأة ، فأصبح أنا رجلا أو امرأة وفق هواها " ص 54 .
هذا الحوار الذي دار بين إنعام عبد اللطيف الحاير و النقيب ابتسام علاّم :
- ( ابتسام ) : أووه صغيرتي الجميلة ، أنت أجمل منّي ، لذلك إذا خنتني مع واحدة سأقتلك
- ( إنعام ) : محال .
- ( ابتسام ) : تقسمين .
- ( إنعام ) : أقسم .
- ( ابتسام ) : إذن دعيني أخطط لك مستقبلك ، سأريه صورتك .. ستكونين محظيته ..طبعا ذلك مقابل شيء ، لن تمنحيه نفسك مجانا ، بالمقابل سأتحدّث مع سيادة الوزير ، لتدخلي دورة أمنيّة في الأيام القادمة ، حتى إذا خرجت فتحت صالون حلاقة ، فتأتي إليك النساء ، يجب أن نعرف كلّ شيء ، زوجات موظفين كبار .. مديرين عامين .. مسؤولين .. ستكونين أكبر من مخبرة .. سيّدة أمن ، و ستملكين صالونا ، و تبقى علاقتي بك ، لا يهمني مع من تكونين من الرجال ، أريدك أن تستغلّيهم ، أو تستغلّي المسؤول الذي ستصبحين محظيته بشطارتك ؛ لكنّك ستكونين لي وحدي " ص 55 /56 .
يعكس هذا المقطع من الحوار ، الذي دار بين النقيب أبتسام علاّم و إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساء أدهم عبد الرحيم ) ، ذروة الابتزاز الشنيع بجميع صوره . فمقابل حريّتها ( الإفراج المسبق ) ، تتنازل البطلة ( الراوية ) عن مباديء شخصيّتها ، و شرفها ، و قيّم مجتمعها الدينيّة و الأخلاقيّة و العرفيّة . أمّا النقيب ابتسام علاّم ، فعلاقتها بابتسام لا تتعدّى تحقيق غرضين هما : امتلاك انعام نفسيّا و جسديّا و ليبيديا لإشباع رغبتها الجنسيّة الشاذة ، ( السحاق ) ، و توظيف ( في صورة عبوديّة ) لمهمّات التجسّس القذرة على حياة أسر المسؤولين و المدراء و الموظفين الكبار و جمع معلومات عنهم لابتزازهم بها في حالات عزمت السلطة عزلهم من مناصبهم أو رفضوا طاعة أوامر رؤوس منتفعة و نافذة و متنفّذة في مفاصل المجتمع . و هي من أرخص الوسائل التي تستعملها منظومة المخابرات و رجال الأمن في البلاد العربيّة و غيرها من بلدان العالم الثالث و الرابع ووو .

لم يرحم المجتمع – بكل أطيافه - البطلة إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساء أدهم عبد الرحيم ) ، و لا زميلاتها السجينات . لم يرأف لحالتها . رغم أنّها ، كانت في موضع الدفاع عن شرف الزوجيّة . " الناس و الصحف رأوني مجرمة أستحقّ القصاص ، مشفقين على زوجي " ص 19 . " أمّا أهلي الذين تخلّيت عنهم و تخلّوا عنّي منذ دخلت السجن ، فقد لاموني على فعلتي ، و حجتّهم ، مادام زوجي وفّر لي السكن و العيش و العمل ، فلأدعه يفعل ما يشاء ، لم يعلق بأذهان الجميع سوى بركة الدم و مشهد القتل الشنيع " ص 19 .
هذه إذن هي معايير التعايش الأسري ، و بناء الحياة الزوجيّة ، عند هؤلاء الناس المعتوهين . و هي معايير تفضح النفاق الأخلاقي و التناقض الثيوقراطي و الظلم الاجتماعي المسلّط على المرأة الشرقيّة . شرعوا للرجل حقّ خيانة زوجته ، مادام يوفّر لها الغذاء ( العلف ) و السكن ( الزريبة ) و العمل . وفي دستور أعرافهم و تقاليدهم الميّتة و المميتة ، فإنّه من حقّ امرأة ( القطيع ) ، أن تحاسب زوجها على أفعاله الشنيعة ، و لو زنا بامرأة أمام عينيها . " لأنّ الأفضل للمرأة وفق العادات و التقاليد و العرف السائد ، أن تلتزم الصمت أمام زوجها في كلّ الأحوال ؛ حين يهينها تصمت ، و إن ضربها تصمت ، أمّا إذا رأته متلبسا بالخيانة و الزنا فما عليها ، قبل كل شيء ، إلاّ أن تكبت بنفسها و تستر كأنّها هي المذنبة ، و إلاّ ستكون مضغة للأفواه " ص 27 .
ما أغرب هذا المنطق الجاهليّ ، و قد كان الرجل الجاهلي أشرف من رجل هذا العصر ، بغض النظر عن الذكر الجاهلي الذي كان يئد ابنته ، خوفا عليها من السبي . أقول ، ما أغربه من منطق لا تستسيغه النفس الأبيّة ، و لا يتحمّله عقل العاقل .
فبأيّ شريعة سماويّة ، و بأيّ قانون وضعيّ ، حُقّ للزوج الشرقي ، أن يعامل زوجته الشرقيّة بأسلوب الغاب الإسمنتي ؟ فهل زوجته لو كانت غربيّة ، أجنبيّة ، بهذا الأسلوب الفجّ ؟ كلا ، لقد رأينا رجالا شرقيين متزوجين بأجنبيات غربيّات ، يدبّون وراء زوجاتهم كالكلاب الأليفة ، المنزوعة السلاسل . و منهم من ارتدّوا عن دينهم ، أو ضيّعوا طقوسه العباديّة اليوميّة ، ف و تركوا الصلاة و الزكاة و لا الصوم و لا الحج ، امتثالا لرغبات زوجاتهم الغربيّات . فما بال ، هذا الرجل الشرقي يصول أمام زوجته الشرقيّة الطيّبة ، الشريفة ، الأصيلة ، صولة الأسد خارج عرينه ، و يخفي رأسه أمام زوجته الغربيّة ، الأجنبيّة في الرمل مثل النعامة . و قياس الحال ، أنّه هزبر هصور على زوجته الشرقيّة ، و هرّ أجرب أمام زوجته الغربيّة . لقد أسست الكاتبة معمارها الروائي " غابات الإسمنت " و أقامته على تيمتي الكذب الأكبر و الخيانة ( لأنّ الخيانة أصلها الكذب ) ، ( خيانة الأمانة ، خيانة الزوج لزوجته ، خيانة الزوجة لزوجها ، خيانة البلد ، خيانة الوظيفة ، خيانة الذات ، خيانة الدين ، خيانة الأخلاق ، الخ ....) . فكان أن انتقلت الخيانة من سلوك فرديّ غير نمطيّ ، إلى ظاهرة اجتماعيّة ، نمطيّة في دواليب المجتمع الشرقي . و قد عبّرت عن ذلك مديحة لصديقتها إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساء ) قائلة : " بعد مضيّ سنوات حبسي ، و من خبرة تواجدي فوق منصّة الحياة ، اكتشفت أنّنا نعيش في مواجهة تسونامي الكذب الأكبر ، رجل الدين المويّف يكذب .. و السياسي الموالي لغير بلده يكذب ..و المثقف الذي لا يحترم نفسه .. و غير المثقف الذي يتّخذ من الكذب باب سخرية .. و الفقير و الصغير و الكبير ..حتى أنا و أنت نكذب على بعضنا في بعض التفاصيل الخاصة " ص 133 .
في السجن : تحوّل مفهوم السجن في هذا المعمار السردي ، من صورته التقليديّة ، المتعارف عليها لدى العام و الخاص ؛ مؤسسة عقابيّة تأديبية لإعادة التربيّة و الإصلاح و تقويم السلوك المنحرف ، إلى عالم آخر أكثر خطورة على الفرد و المجتمع . مكان لصناعة الفساد ( شذوذ جنسي ( السحاق ) ، استهلاك المخدّرات ، التجسس ، الابتزاز ، المتاجرة بالجسد ، استغلال الجنس .. ) . و هو – لعمري – انحراف عن الرسالة التربويّة المنوطة بها . فما فائدة السجن ، إذا خرج منه الفرد أكثر خطورة على المجتمع ؟ ما جدواه إذا لم يقوّم الفاسدين و المجرمين و المنحرفين و الخائنين للأمانات ، ليقي المجتمع من شرورهم ؟
سيميائية السجن في رواية " غابات الإسمنت " أخذت بعدا نفسيّا ، و تعدّت جغرافيّة المكان . فالسجينات و السجّانات كلهنّ ، يعانين من وطاة السجن النفسي . فمثلا : الراوية إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساء أدهم عبد الرحيم ) سجينة ضميرها الغافي تارة و اليقظ تارة أخرى ، سجينة جريمتها ( فتل الزوج و عشيقته ) ، تلاحقها ليل نهار ، في اليقظة و الأحلام ، سجينة ذاكرتها الملأى بالأحلام المعسولة ، سجينة شذوذها الجنسي ( السحاق ) مع النقيب ابتسام علاّم و تعلّقها الشديد بها ، سجينة الابتزاز ، سجية كرهها للرجل ، سجينة عالم التجسس الذي أولتها إليه ( حبيبتها ) ابتسام علاّم . سجينة اللاإرادة . أمّا النقيب ابتسام علاّم ، فهي السجّانة و السجينة في آن واحد . ذات شخصيّة مريضة ، متناقضة ؛ فهي في نظر السجينات ( داخل السجن ) امرأة القانون و المسؤوليّة و الاستقامة ، هي الآمرة الناهيّة ، الساعيّة لخدمة السجينات و التعاطف معهن و مساعدتهنّ ، هي بمثابة الأخت الكبيرة و المربيّة . لكنّ الحقيقة غير ، و ما خفيّ من شخصيتها لا تعرفه إلاّ إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساء أدهم عبد الرحيم ) و أمثالها . النقيب ابتسام علاّم سجينة شذوذها و هيامها ببنات جنسها منذ طفولتها . هي ، كما قالت عن نفسها : " إنسانة مشوّهة من الداخل " ص 67 . و تروي أيضا عن تجاربها الشذوذية السابقة قائلة : " منذ الصغر أحسست بميول لجارتنا التي كانت رفيقتي ، كنت أشتهي أن أقبّلها و في يوم اكتشفت أنّها .. ارتاحت للأمر " ص 66 . ثم تسألها حبيبتها إنعام : " أطنّ أنّك بقيت طويلا معها ؟ " ص 66 . فتجيبها النقيب ابتسام : " فترة ، ثم مارست سنة مع صديقتي في الثانوية التي انتقل أهلها الى مقاطعة ، ثم مع طالبة أخرى . استمرت علاقتنا ثلاث سنوات و انتهت بزواجها " ص 66 .
في غيهب السجن التقت إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساء أدهم عبد الرحيم ) مجموعة من النسوة السجينات ( المعلّمة مديحة نعمان ، نائلة العاصي ، أم محمد العجوز ، قارئة الكفّ ، أم كامل ، نجاة النشالة ، سليطة اللسان ، أشواق ، أم نظيم ، أم جبّار ، كريمة المحكومة بالإعدام ، رهام سهيل ، ذات شموخ ، و أخريات ) ، كلّ امرأة من هذه النسوة تحمل مأساتها الاجتماعيّة و معاناتها النفسيّة ، لكنّهنّ تجمعهنّ هموم متشابهة ، ظلم المجتمع الذكوري لهنّ . قضاياهن مختلفة ، ( جرائم قتل للأزواج الخائنين ، و الاختلاس ، و المتاجرة بالمخدرات ، و البغاء و غيرها ) . و هذه رهام سهيل ، السيّدة الجميلة ، الشامخة ، ذات الثلاثين من عمرها ، مثلا ، سُجنت في قضيّة اختلاس . " كانت تهمتها الاختلاس ، سيّدة ذات موقع مهم .. مديرة أحد الأقسام في بنك ، راودتها أن تصبح مليونيرة بين عشيّة و ضحاها ، فوقعت في الخطيئة بتحريض من هيئة مستشارين فاسدين " ص 124 . و هاهي إنعام عيد اللطيف الحاير ( ميساء ) ، تعود إلى وعيها ، لحظة ، و تسأل نفسها ، و هي تشاهد تلك الطقوس الشيطانيّة ( قبائح بطقوس و معتقدات غريبة ) التي مارستها طائفة من بنات ذوات ، قائلة : " و رجعت إلى نفسي أحدّثها : و أنت ما تفسيرك للقبائح التي تمارسينها مع سيّدة مثلك ؟ " ص 154 . فتجب و تبرّر ذلك بقولها : " لكنّهن يمارسن معصيّة و شركا ...بينما أنا أمارس حقّي في الحب دون خوف " ص 154 . و تضيف ، و قد صحا ضميرها فجأة و أنّبها : " لا تختلفين عنهن بشيء ، و لا تختلفين عن أخريات يبعن أجسادهنّ و قلوبهنّ مقابل المال ، أو اللائي يقنعن أنفسهنّ بالشرف بعلاقات مشبوهة تحت مبدأ التضحيّة من أجل الغير جميعكنّ بنات هوى و عتمة و ضلال . " ص 154 . و تواصل إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساس أدهم عبد الرحيم ) ، تلقّي ضربات صحوة الضمير في لحظة صفاء النفس ، فتعترف لنفسها أنّها غارقة في عالم الرذيلة من رأسها إلى أخمص قدميها . فتردّد بنفس نادمة ، ضامئة إلى الانعتاق من ظلمة الشذوذ الجنسي ، قائلة : " يا ربّي ، كيف أقحمت نفسي في جريمة ضد الطبيعة ؟ سلوك يدينه مجتمعي و ديني ؟ هل أنا مريضة ؟ ربّما مريضة لأنني أشعر أنّ علاقتي مع ابتسام شيء لا مفر منه ، علاقتي تولّدت من مخاوف الفشل و الخيانة ، خيار جنسي متاح دون عواقب وخيمة ، و بغض النظر عن المحرّمات ، فأنا اخترت الخيار الأكثر إرضاء بالنسبة لي بعد جريمة قتل و سجن و سمعة فرضها عليّ المجتمع . من دون ابتسام ماذا كنت أعمل ؟ كيف أواجه الحياة ؟ ص 160 .

أمّا مديحة ، فقد كانت ضحيّة زوجها السياسي المعارض ، و ضحيّة نظام سياسيّ استبدادي . تخرج من السجن بريئة من تهمة المخدّرات ، لتصيح سيّدة اعمال ، و صاحبة " معمل خياطة ينبض بالحياة و يصب في عصب البلد .. مديحة هي المديرة ، و هي التي تروّض خياطات و مهندسات مكائن ليرافقن مسؤولين كبار و يدخلن البيوت بمهام أخرى .. مربيات .. سكرتيرات . " ص 134 . أما كريمة ، الأم لولدين فقد نفّذ فيها حكم الإعدام ، و لم يُقبل طعنها لتخفيف حكمها ، و لعبت الاعتبارات العشائريّة و الأسباب غير القانونيّة دورا في إعدامها . " في قضية كريمة اعتبارات قانونيّة و عشائريّة ، الدولة نفسها لا تتحكّم بها ، ألم تري أنّي لم أخرجها بحجة المرض أو التحقيق لتبيت مع مسؤول له سلطة على القضاء ، لقد هان عليّ أن تقضي ليلة مع رجل من دون مقابل و هو حياتها " ص 81 . إنّ ما يؤكّد استشراء الفساد في جميع مفاصل السلطة الحاكمة ، و خصوصا جهاز القضاء ، هو غياب الأحكام العادلة . و الغريب – فعلا – هو حكم الإعدام على السجينة كريمة ، بسبب تهمة ملفّقة من زوجها ( زواجها برجلين في
و هذه ضحيّة أخرى من ضحايا الذكورة الشرقيّة ، إنّها السجينة نجاح ، التي اتّهمت بالنشوز و الزواج برجل ثان ، و هي في عصمة زوجها الأول الذي طلّقها قبل سنة ، و ادّعى أنّه أعادها قبل انتهاء مدّة العدّة . " كانت ضحيّة لؤم زوج احترف الكذب و النفاق " ص59 . " طلّقها و تركها مدّة فتزوجت بعد سنة من الطلاق . لكن زوجها أرجعها قبل انتهاء مدّة العدّة من دون أن تدري ، و دون أن يخبرها أنّه أعادها . فأقام عليها دعوى فحوكمت بقضية الزواج من اثنين بوقت واحد . " ص 59 .
إذن ، كلّهنّ ضحايا ثقافة شرقيّة تقليديّة ظلاميّة ، و نظرة دونيّة ، و تأويل ظلامي للدين . تتساءل الراوي إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساء ) متعجّبة ، و محتجّة و بحنق و غرابة . " أي دين هذا الذي يسمح للرجل أن يطلّق زوجته ثم يعيدها لعصمته دون سؤالها ؟ دون علمها . دون رضاها ربّما . هل نحن نعيش بمعزل عن العالم أم نسكن كوكبا آخر ؟ " ص 59 .
ثقافة باليّة الأفكار ، ميّتة ، مميتة ، لا تصلح لتسيير قطيع من النعاج ، ثقافة لا تعترف بالمرأة ككائن مساو للرجل ، في الجزاء ، خيره و شرّه . فإذا خان الرجل زوجته و زنا ، فلا يحقّ للمرأة أن تحتجّ ، بل من واجبها الصمت و الكتمان و الرضا . أمّا إذا خانت هي زوجها و وقعت في جريمة الزنا ، فمن حقّ الرجل و واجبه أن يقتلها دفعا للعار و دفاعا عن الشرف ، أو يطلّقها او يشتكيها للقضاء في أحسن الأحوال . و كأنّ العار لصيق بالمرأة فقط ، و الشرف للرجل دونها . و السجن ، في حقيقة غاية وجوده ، هو مؤسسة عقابيّة و ردعيّة و تربويّة . لأنّه بُني ليحمي المجتمع المدني من المجرمين و الفاسدين و الخارجين عن القانون و المتمرّدين على النسيج الاجتماعي السليم . و بالتالي فهو وسيلة و ليس غاية . هدفه إعادة السجين إلى وعيه و استقامته و تقويم سلوكه ، لدمجه في المجتمع ، لأداء رسالته الانسانيّة في جوّ من الأمن و الطمأنينة و الصدق و القناعة . غير أنّنا نلاحظ - كما روت لنا البطلة إنعام عبد اللطيف الحاير - أنّ السجن قد تحوّل إلى بؤرة فساد ، و ليس عالم إصلاح . فيه وقعت البطلة إنعام عبد اللطيف الحاير ، ضحيّة شذوذ جنسي شنيع ( السحاق ) ، بسبب جمالها الذي أبهر النقيب ابتسام علاّم ، مسؤولة السجن . و لم تمانع في ممارسة السحاق مع الضابطة ، في بيتها . حيث كانت تأخذها إليه ، و تمارس معها شذوذها الجنسي . إنّ هذا السلوك المقزز ، سببه ، كما تقول البطلة إنعام و الضابطة ابتسام ، كرههما للرجال . و هكذا تقع الضابطة ابتسام في حمأة الخيانة . حيث تخون وظيفتها و مركزها ، من كونها امرأة تمثل القانون و الدولة ، و تحرص على تنفيذه و حمايته . إلى امرأة خائنة . لكنّ خيانتها للقانون و الأخلاق سببه الرجل الشرقي ، و بالتالي فهي بريئة من سلوكاتها و أفعالها الشاذة . " ماذا نفعل ؟ أنا عاطفتي معك ، مشاعري دلتني على نساء مثلي . و عندما تحرّكت نحو رجل أحببته و غدر بي ، تيقنت أنّهم وباء ، و ثبت لدي أنّ مشاعري الحقيقية لا بد أن تكون مع بنات جنسي ، حتى وصلت إليك . " ص 158 .
السياسة و الخيانة و الجنس :
و في الرواية ، ارتبطت السياسة بالخيانة . فالمسؤولون يسوسن البلد ، و يتحكّمون في مصيره و خيراته انطلاقا من الغرف المظلمة ، لصالحهم و لمصلحة أزواجهم و أبنائهم و عشيقاتهم . لهذا السبب زرع جهاز الأمن جواسيسه في كلّ مكان ، و خاصة أماكن تواجد المسؤولين الكبار . تقول الراوية إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساء أدهم عبد الرحيم ) عن وظيفتها الجديدة ، التي كلّفتها بها النقيب إبتسام علاّم و عن منزل رئيس غرفة التجارة : " هذا المنزل للعهر و عمل الصفقات ، وظيفتي أن أنقل للسيّدة النقيب ما بداخله " ص 118 . و تصف النقيب ابتسام علاّم رئيس غرفة التجارة بقولها : " الوقح يعقد صفقات لدول أخرى بأرباح من الطرفين " ص 120 .
انتحلت الراوية إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساء أدهم عبد الرحيم ) - و هي المرأة القاتلة لزوجها و عشيقته و العاهرة و الشاذة جنسيّا - دور الجاسوسة و المخبرة . و هو دور حرّكته نزوات الابتزاز ، " لا تظني أنّك جاسوسة أو مخبرة .. أنت مثلما نقول رجل أمن ، سيّدة أمن ، و قد جعلت شعبة الأمن الوطني تتطلع على أسرار كثيرة ، غير العري ، سيفاجئون السيّد رئيس غرفة التجارة بها حين يشعرون أنّهم لا بد من أن يزيحوه " ص 120 . " عليّ ان أثبت كفاءتي ؛ أنا السجينة الموظفة " ص 107 . هكذا تحوّلت إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساء أدهم عبد الرحيم ) بسبب الابتزاز المالي و الجنسي و الوعد بالإفراج المسبق ، من أجل الحريّة ، " حريّة مغمّسة بتجسس و زنا و محرّمات " ص 211 ، بعد تخفيض المدّة إلى ثلاث سنوات سجنا فقط ، بدل ثماني سنوات . إلى عنصر من عناصر الأمن لحماية البلد من الخيانة و الفساد السياسيين . و هي لا تكاد تصدّق . ( حاميها حراميها ) . إنّ البلد ، أي بلد ، في حاجة إلى أناس شرفاء لحمايته ؛ شرفاء في الوطنيّة و العرض و الدين و الفكر و الثقافة . أمّا أمثال النقيب ابتسام علاّم و إنعام عبد اللطيف الحاير و مثيلاتهما من عناصر الأمن و المخبرين و المخبرات ، فهم شخصيات مريضة ، في حاجة ماسة إلى من يحميهم من ذواتهم ، و يعالجهم من أمراضهم النفسيّة الخطيرة . هل من المعقول ، أن تدير امرأة ( ضابطة ) ( كابتسام علاّم ) ، سحاقيّة ( من السحاق ) ، شاذة جنسيّا ، مؤسسة عقابية لإعادة التربيّة ؟ هل من المنطق أن تتحوّل امرأة – كإنعام - من مجرمة ، قاتلة ، عاهرة ، شاذة جنسيّا ( سحاقيّة ) – بين عشيّة و ضحاها – إلى جاسوسة أو مخبرة لمصلحة البلد ؟ إنّه لأمر عجاب يشيب له الولدان .

خاتمة :
تقّول الكاتبة الروائية ذكرى لعيبي ، بعد الإهداء مباشرة : " من يعتقدون أنّ الأدب الجريء إثارة للغرائز؛ و ابتذال و خدش لحياء مصطنع ؛ و المتطرّفون ، المتشدّدون ، القريبون من ديناميت السياسة ؛ أنصحهم بعدم قراءة هذه الرواية " . و قد ذكّرتني هذه النصيحة ، التي أسدتها الكاتبة ببعض القنوات التلفزيّة ، التي تعرض أفلاما سينمائيّة ، على الجمهور ، و تضع ملاحظة { ممنوع على أقل من 10 أو من 18 سنة ) . و هي تعتقد – واهمة - أنّ نصيحتها ستطاع و يؤخذ بها . إنّ الأدب الجريء ، لا ينحصر في الجنس فقط ، رغبة في إثارة الغزائز ( الليبيدو ) ، بل إن الكتابة الإبداعيّة في حدّ ذاته عمليّة جريئة ، عندما يمارسها المبدع بعيدا عن خيانة ضميره و مجتمعه و أحلامه . أمّا الذين يضعون القيود و الأغلال في معصميّ الكاتب ، فإنّهم يحرمون أنفسهم – قبل الكاتب – من الحياة الإنسانيّة الحرّة ، الصادقة .
و ختام القول ، فإنّ رواية " غابات الإسمنت " ، من بنات أنامل كاتبة عراقيّة شرقيّة ، عاشت طفولتها و شبابها في خضمّ مجتمع شرقيّ ، أنهكه الجهل و التخلّف و أدمته التقاليد البائدة ، و العادات البالية ، و الأزمات النفسيّة و الاجتماعيّة و مزقت نسيجه الأزمات السياسيّة و الحروب الأهليّة و الإقليميّة و الإثنيّة . ( و شهدت شاهدة من أهله ) . رواية ، جمعت فيها الكاتبة بين ، المعقول و اللامعقول . بين الجرأة و الحريّة ، بين المسكوت عنه و المفصَح عنه في واقع المعيش ، غلب عليه السواد . هي رواية فضحت زوايا مظلمة ، جدرانها الاستبداد ، و سقفها الفساد ، و أرضيتها الاستعباد ، و حرّاسها الخونة و المال القذر و الجنس الحرام . لكنّها ، بالمقابل ، ليست مرآة للمجتمع الشرقي بكل أطيافه و أعماقه و أزماته المختلفة ( رواية نمطيّة ) - فكم في الشرق من مساحات مضيئة ، يغار منها الغرب - و إنّما هي غوص ( جريء ) في بعض أدغاله الاجتماعيّة و النفسيّة الخفيّة ، و تعريّة لبعض الطابوهات المسكوت عنها خجلا أو خوفا أو لامبالاة . و هي ، و إن كانت في المجتمع الشرقي من الطابوهات الممنوع الجهر بها ، فهي في المجتمعات الغربيّة أشدّ استفحالا ، و قد انفلتت من قيود الخفاء و التحفّظ ، و خرجت إلى الشارع و العلن ، و لعلّ تنامي ظاهرة المثليّة الجنسيّة خير دليل على الانهيار الأخلاقي عند طائفة من الغربيين ، الخارجين عن الفطرة الإنسانيّة السليمة . إنّ الحريّة مكسب إنسانيّ عظيم ، لا غنى عنه ، في مسار الحياة البشريّة . حتى الطبيعة لا يمكنها الاستغناء عنها . و لكنّ الحريّة دون ضوابط أخلاقيّة و قيّم إيجابيّة و مسؤوليّة راشدة ، تفضي إلى عوالم الفوضى ، و تقود البشريّة إلى الفناء عاجلا أم آجلا .
و من إيجابيات هذه الرواية ، كشفها للمستور و الخفيّ . فإنّ قصص السجون في العالم العربي ، و في العوالم الشرقيّة و الغربيّة ، أغرب من حكايات ألف ليلة و ليلة ، قصص منحطة ، لا يكاد العاقل تقبّلها و تصديقها ، لكونها ترتقي إلى عالم الخرافات و الأساطير و أحلام اليقظة . و حسب ، علمي ، فإنّ رواية " غابات الإسمنت " لذكرى لعيبي لها فضل السبق الأدبيّ و الإبداعيّ في ساحة الرواية العربيّة المعاصرة ، لتناول ( طابوهات السجن ) في العراق ، الذي لا تختلف عنه السجون العربيّة من المحيط الهادر إلى الخليج العربي الثائر . إنّها رواية اتّسمت كاتبتها بالجرأة الأدبيّة و الفكريّة و الأخلاقيّة ، انطلاقا من التزامها بالشجاعة الأدبيّة ، في قول الحقيقة ، و عدم خيانة مجتمعها و قرّائها ، من مختلف القناعات الايديولوجيّة .
و إذا تفحصنا أسلوب الروائيّة ذكرى لعيبي ، في هذه الرواية ، التي بين أيدينا ، وجدناها أسلوبا أقرب إلى أسلوب التحقيق الصحفي ، اسلوب سهل ممتنع ، فيه من السلاسة و الإنسيابيّة ما يدفع القاريء و يغريه لمواصلة قراءة الرواية ، و ربّما ، يدفعه شغفه بها إلى إعادة قراءتها .
و مهما قيل أو كُتب عن رواية " غابات الإسمنت " للكاتبة العراقيّة ذكرى لعيبي ، من نقد ، سواء أكان مدحا أم ذمّا . و مهما تعرّضت إلى النقد اللاذع ، فإنّ هذه الرواية ، المتخمة بالرموز و الأحداث ( المدهشة ) ، قد باحت للمتلقي العربي ، بكلّ توجّهاته الإيديولوجيّة ، بما لم تبح به شهرزادُ لشهريارَ . و لم تطق السكوت عن الكلام المباح و اللا مباح في هذا الزمن العربي المترهّل .


هامش :
* ذكرى لعيبي : كاتبة و روائيّة و قاصة و شاعرة عراقيّة لامعة و غزيرة الإنتاج الإبداعي . من مواليد ميسان . هاجرت من العراق عام 2000 م ، و هي تقيم بين ألمانيا و دبي . عضو في كل من : إتحاد كتاب وأدباء العراق ، و اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ، و اتحاد الصحفيين العراقيين و اتحاد الصحفيين والكتّاب العرب في أوربا. و دارة الشعر المغربي ومؤسسة حميد بن راشد النعيمي لجنة الطفولة والشباب( عضو سابق) مؤسسة المثقف العربي/ سيدني – أستراليا ، مؤسسة وشبكة صدانا الثقافية / نائب رئيس إدارة مجلس المؤسسة لجنة دعم كتاب الطفل / القيادة العامة لشرطة الشارقة / عضو مؤسس نادي دبي للصحافة . بيت الشعر في الشارقة.
من إصداراتها : لقد جاوزت إصدارتها 36 منجزا أدبيا ، توزّع بين مجموعات قصصيّة للكبار و للأطفال و روايات و دواوين شعريّة و نصوص مفتوحة ، و كتب مشتركة ) . نذكر على سبيل المثال ، لا الحصر ، مجموعات قصصيّة ( الضيف ، حبّ أخرص ، ثامن بنات نعش ، رسائل حنين ، للخبز طعم آخر ) ، إضافة إلى مجموعة من الروايات ( خطى في الضباب ، يوميات ميريت ، غابات الإسمنت ،) كما لها إسهامات كثيرة في أدب الطفل ( شمس و رحلة الأمس ، حكاية الطاووس و الثعلب ، اللصوص و القلم المعطّر ، قطرة الماء السعيدة ) ، أما إسهاماتها الشعرية ، فنذكر لها ما يلي : ( امرأة من كوز و عسل ، يمامة تتهجّى النهار ، بوح في خاصرة الغياب ) .أما الكتب المشتركة ، فنذكر : ترانيم سومريّة المشتركة ، العبور إلى أزمنة التيه ، حكايات ميشا ) و غيرها من الكتب .
لها لقاءات و أمسيات أدبيّة و شعريّة في كل من :
معرض الشارقة الدولي للكتاب .
مهرجان الشارقة القرائي للطفل .
إتحاد كتاب وأدباء الإمارات .
جمعية المثقفين العراقية / مالمو- السويد
النادي الثقافي العربي / الشارقة
قناة الشارقة الفضائية .
قناة الاتجاه العراقية .
قناة الشرقية من كلباء – هيئة الشارقة للإذاعة والتلفزيون .
** ميسان : إحدى محافظات العراق في شرق البلاد على الحدود الإيرانية ، عاصمتها العمارة ، الواقعة على نهر دجلة . و قبل عام 1976 م ، كانت تُعرف بمحافظة العمارة .



#علي_فضيل_العربي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صورة المرأة المنتميّة في المجموعة القصصية ( إيلا ) * للقاصة ...
- تحرير الحريّة
- تأمّلات في التقشف و الزهد
- وجهة الفلسفة الغربيّة . إلى أين ؟
- الظاهرة الحزبيّة في البلاد العربيّة ما لها و ما عليها .
- امرأة من زمن العمالقة
- لماذا نكتب ؟ و ماذا نكتب ؟
- أم الخير
- يوميّات معلّم في مدرسة ريفيّة ( 8 )
- ربيع إيكوزيوميّ *
- يوميّات معلّم في مدرسة ريفيّة ( 7 )
- يوميّات معلّم في مدرسة ريفيّة ( 6 )
- يوميّات معلّم في مدرسة ريفيّة ( 5 )
- يوميّات معلّم في مدرسة ريفيّة ( 4 )
- يوميّات معلّم في مدرسة ريفيّة ( 3 )
- يوميّات معلّم في مدرسة ريفيّة ( 2 )
- يوميّات معلم في مدرسة ريفيّة ( 1 )
- فلسفة الوقت في حياتنا
- أكتب لكم من الجنوب ( 10 )
- التعليم قبل الديمقراطيّة .


المزيد.....




- فادي جودة شاعر فلسطيني أمريكي يفوز بجائزة جاكسون الشعرية لهذ ...
- انتهى قبل أن يبدأ.. كوينتن تارانتينو يتخلى عن فيلم -الناقد ا ...
- صورة فلسطينية تحتضن جثمان قريبتها في غزة تفوز بجائزة -مؤسسة ...
- الجزيرة للدراسات يخصص تقريره السنوي لرصد وتحليل تداعيات -طوف ...
- حصريا.. قائمة أفلام عيد الأضحى 2024 المبارك وجميع القنوات ال ...
- الجامعة الأمريكية بالقاهرة تطلق مهرجانها الثقافي الأول
- الأسبوع المقبل.. الجامعة العربية تستضيف الجلسة الافتتاحية لم ...
- أرقامًا قياسية.. فيلم شباب البومب يحقق أقوى إفتتاحية لـ فيلم ...
- -جوابي متوقع-.. -المنتدى- يسأل جمال سليمان رأيه في اللهجة ال ...
- عبر -المنتدى-.. جمال سليمان مشتاق للدراما السورية ويكشف عمّا ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي فضيل العربي - قراءة سيميائية و تفكيكيّة لرواية غابات الإسمنت . لذكرى لعيبي *