أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر على الرابط البديل
https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=749945

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - عاهد جمعة الخطيب - مفهوم التغير وعوامله واشكاله وانواعه والفرق بين التغير والتغيير















المزيد.....



مفهوم التغير وعوامله واشكاله وانواعه والفرق بين التغير والتغيير


عاهد جمعة الخطيب
باحث علمي في الطب والفلسفة وعلم الاجتماع

(Ahed Jumah Khatib)


الحوار المتمدن-العدد: 7191 - 2022 / 3 / 15 - 00:50
المحور: المجتمع المدني
    


التغير هو التحول من حالة إلى أخرى, والتحول الذي يطرأ على التنظيم أو البناء الاجتماعي في الوظائف والقيم والادوار الاجتماعية خلال فترة زمنية وقد يكون هذا التغير اما ايجابي أو سلبي. والتغير الاجتماعي ظاهرة عامة مستمرة تحدث من خلالها اختلافات وتعديلات في العلاقات الإنسانية أو القيم الاجتماعية اوالادوار والمراكزالافراد وقد قال الفيلسوف اليوناني هرقليطس " إن التغير قانون الوجود، وإن الااستقرار موت وعدم " فقد شبه فكرة التغير بجريان الماء بالنهر فعندما يكون يجري يبقى نقيا اما عندما يكون لا يتحرك فانه يأسن اي يخرب وتطلع رائحته.
اشكال التغير الاجتماعي
التغير في القيم الاجتماعية
فالقيم هي التي تمنح الشرعية لفعل ما فيكون مقبولاً في المجتمع أو مرفوضاً يُشْنَأُ صاحبه. وهي بهذا تيسر التغيير الاجتماعي أو تعوقه، وترشّده أو تحرفه. والقيم هي مبادئ ومعايير مسلمة بين جميع أفراد المجتمع أو غالبيتهم؛ فهي بهذا تمثل مرجعية للسلوك. أما مصدرها فربما كان الشريعة المنزلة أو اجتهادات العلماء أو ما تواضع عليه المجتمع أو سوى ذلك مما استقر في المجتمع، نتيجة حوادث معينة عبر تاريخه الطويل. وفي تاريخ كل مجتمع تنشأ في حال الرخاء والغنى قيم، وفي حال العوز والفقر تنشأ قيم، وفي حال الخوف تنشأ قيم، وفي حال الأمن تنشأ قيم، وهذه القيم ليست جميعها في مستوى واحد، فبعضها أساسي في ثقافة المجتمع وبعضها هامشي، وغايتها جميعاً ضبط السلوك داخل المجتمع وتيسير التفاعل بين أفراده. والمجتمع لايتسامح في التعدي على قيمه ولاسيما القيم الأساسية، ويتخذ في سبيل حمايتها عدداً من الإجراءات، قد يكون منها معاقبة المخالف عقاباً بدنياً أو عقاباً معنوياً كالإهمال والاحتقار. والقيم مرتبطة بمنظومة من المفاهيم وأنماط من السلوك، وببعض مؤسسات المجتمع. وفي بعض الأحيان يعد المجتمع بعض الشخصيات العامة رموزاً ممثلة لبعض القيم؛ فمثلا رجال السياسة وبعض المؤسسات السياسية يمثلون قيماً سياسية معينة، وبعض علماء الشريعة وبعض المؤسسات الدينية تمثل بعض القيم الدينية. وربما كانت الرموز أماكن أو أشياء أو سلوك وهيئات، ومن أمثلة ذلك الرموز الدينية التي صدر قرار في فرنسا بمنع ارتدائها في المدارس العامة التي تشرف عليها الدولة. فالقيم إذن ليست منفصلة عن الواقع، وإنما هي ماثلة في الأذهان ظاهرة في الأعيان. فهي ماثلة في الذهن بمعناها وما يرتبط بها من مفاهيم وظاهرة في المجتمع من خلال رموز وشخصيات ومؤسسات وسلوك يجسدها في المجتمع. ولو انفصل الوجود المادي للقيم عن وجودها الذهني لما كان للقيم قيمة، ولا انتفى تأثيرها من المجتمع. وهذا يشمل قيم الحق وقيم الباطل، فأي قيمة لابد أن يكون لها وجود ذهني ووجود مادي في المجتمع. ومن عظّم القيم في وجودها الذهني وهوّن من وجودها المادي فهو في الحقيقة يسعى لهدمها، وبعض معارضي القيم يسلكون هذا السبيل، فيعظمونها مجرّدة في الذهن، لأنهم لايستطيعون إنكارها خوفاً من سطوة المجتمع، ولكنهم ينتقصون ما يمثلها من سلوك، وينتقصون ما يمثلها من مؤسسات وهيئات.
تؤثر القيم الاجتماعية في مضمون الادوار الاجتماعية كالانتقال من النمط الاقطاعي للمجتمع إلى النمط التجاري أو الصناعي، ويصاحب ذلك تغيرا في القيم التي ترتبط بأخلاقيات هاتين الطبقتين في النظرة إلى العمل وقيمه والقائمين عليه.

عوامل التغير الاجتماعي
اولا العامل الديموغرافي(السكاني) : ويقصد به الاثار المترتبة عن الوضع السكاني في اختلاف حجمه اي عدد سكان لمنطفة ما وكثافته, ومعدلات المواليد والوفيات بالزيادة أو النقصان، وهجراته الداخلية والخارجية، فقد تسبب هذه العوامل تفككا في الحياة الاجتماعية، وقد تسبب حراكا اجتماعيا في مجتمعات أخرى
ثانيا العامل الايدولوجي (الفكري) : تعد الايدولوجيا حركة فكرة هادفة تؤثر على سلوكات وعلاقات وانماط حياة البشر, ولها دور كبير في التغير الاجتماعي، كمان ان للظروف دورا في تشكيل ايديولوجيات الناس.فالايديولوجية الاشتراكية مثلا تكونت بسبب تحكم الرأسمالية في قوى الإنتاج واضطهاد العمال, الامر الذي جعل الطبقة العمالية تتمسك بالنظام الاشتراكي املا في الخلاص من النظام الرأسمالي, ولتحقيق العدالة والمساواة
ثالثا العامل التكنولوجي (التقني) : ان للابتكارات العلمية تأثيرا مباشرا على الحياة الاجتماعية وعلى سلوك الافراد وعلاقاتهم الاجتماعية، فقد أدى استخدام التكنولوجيا في الصناعة مثلا إلى ضخامة الإنتاج والتخصص في العمل، وتركيز القوة في المدن وزيادة الهجرة إليها، وظهور علاقات اجتماعية وقيم فرضتها الحياة الجديدة ساعدت في ايجاد تغير اجتماعي سريع. كما ان التقدم التكنولوجي في المجالات الطبية ساعد في تخفيض معدلات الوفيات وهذا يؤثر على التركيب السكاني وبدوره يؤثر في الحياة الاجتماعية
رابعا العامل الايكولوجي (البيئي) : ان الظروف المناخية والبيئية التي يعيش بها مجتمع ما تتطلب اقامة اشكال اجتماعية تختلف حسب بيئتهم وهذا يوجد تفاوتا بين سرعة التغير الاجتماعي من مجتمع لاخر. فمثلا نرى اختلاف التغير الاجتماعي لسكان إقليم حوض اللبحر المتوسط عن سكان إقليم التندرا أو سكان المناطق الاستوائية من حيث عاداتهم وقيمهم وتطور اساليب معيشتهم.
خامسا العامل الاقتصادي : ان طبيعة النشاط الاقتصادي للسكان يؤثر على العلاقات الاجتماعية التي تنشأ بين الافراد والجماعات لان العامل الاقتصادي هو المحور الاساسي لبناء المجتمع وتطوره وان أسلوب الإنتاج هو الذي يحدد الطابع العام للعمليات الاجتماعية والسياسة والروحية في حياة الافراد. ومن الامثلة على التغير دخول المرأة بقوة إلى سوق العمل في أوروبا حيث لعبت ادوارا مهمة في العمل والوظائف الحكومية والاعمال المهنية الأخرى
سادسا العامل السياسي : ان للاحداث السياسية كانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1990 م والحرب العراقية مع أمريكاوحلفائها، أو اية حروب أو ثورات أو هجرات قسرية اثرا اقتصاديا وفكريا على افراد المجتمع وهذا بدوره يؤثر اجتماعيا على افراد المجتمعات.
سابعا العامل الثقافي : تنتشر بعض السمات الثقافية من منطقة إلى أخرى, أو من مجتمع إلى اخر، سواء اكانت افكارا ام معتقدات ام فنونا ام اية معرفة تنتشر عن طريق وسائل الاتصال، وتحدث تغيرات في نظم المجتمع وافكار افراده وهذا يعرف بالانتشار الثقافي. فانتشار فكرة الحرية والديمقراطية في مجتمعات كثيرة ساعد على تغير شامل في حياة هذه المجتمعات ولنظمتها السياسية والاقتصادية والتعليمية.


انواع التغير الاجتماعي
اولاً: التغير الحتمي
وهي تلك النظريات التي تركز في دراستها للتغير الاجتماعي على عامل واحد، ولذلك فإن هذه النظريات توصف بأنها نظريات اختزالية، أي أنها تختزل كل العوامل في عامل واحد، ويكمن هذا المعنى في مفهوم الحتمية (Determinism) فهذا المفهوم يشتق من الكلمة اللاتينية (Determinant) ومعناها يحدد، ولذلك فإن الحتمية تفترض أن الأمور محددة سلفاً، وأن المهمة الملقاة على عاتق الباحث هي اكتشاف جملة الشروط المسبقة التي تعين حدوث ظاهرة من الظواهر، وعندما استخدمت الكلمة في الفكر الاجتماعي، فإنها أصبحت تعني البحث عن السبب الوحيد، الأصل الكامن خلف حدوث كل الظواهر، أو الذي ترتبط به كل المتغيرات كمتغيرات تابعة بالضرورة.
أ – الحتمية الجغرافية:
هناك اعتقاد قديم بأن ثمة علاقة بين طبيعة الطقس الذي يعيش فيه الإنسان وبين طابعه الاجتماعي ولقد تأثر المنظرون الاجتماعيون الأوائل بهذا الاعتقاد، وحاولوا من خلاله أن يميزوا أوجه التشابه والاختلاف بين البشر، وكانت النتيجة نظرية شاملة في الحتمية الجغرافية.
من أشهر علماء هذه النظرية هنتنجتون حيث استخدمها لا في تفسير تغير الاختلاف بين البشر فحسب بل في تفسير تغير المجتمعات، فقد ذهب إلى القول بأنه إذا كانت الظروف الجغرافية هي التي تحدد صفات الناس وسلوكهم، فإن هذه الصفات وذلك السلوك لن يتغير إلا إذا تغيرت الظروف الجغرافية.
ب – الحتمية البيولوجية:
تأسست على فرضية مؤداها أن الناس في العالم ينقسمون إلى أجناس، وجماعات متميزة بيولوجياً، وأن الأجناس تختلف في قدرتها على تطوير الحياة الاجتماعية وتنميتها، وأن نوعية الحياة لدى شعب من الشعوب هي مؤشر على قدراتها البيولوجية-العرقية، وفي ضوء ذلك تتبلور الفروق بين الشعوب، كما تفسر التغيرات الاجتماعية التي تظهر لدى هذه الشعوب، سواء التغيرات السلبية أو الإيجابية التي تفسر بظهور أشكال من التفوق الكامن في شعب من الشعوب.
وتقوم الحتمية البيولوجية على فرضية سادت في مجتمعات قديمة، وهي تلك الخاصة بتفوق طبقات داخل المجتمع على طبقات أخرى، وارتباط هذا التفوق بالخصائص البيولوجية، وظهرت هذه الفكرة في الحضارة اليونانية التي ظهر فيها الاعتقاد بأن هناك أناساً ولدوا ليحكموا وآخرين كرعية.
ولقد لعب دي جوبيون دوراً في ترويج هذه الفكرة من خلال بحثه عن تفاوت السلالات البشرية الذي ربط فيه بين تفوق شعب على آخر أو انحطاطه.
ومن المتغيرات البيولوجية التي يتم التركيز عليها:
1 – أثر التفاوت الوراثي على التغير الاجتماعي.
2 – أثر التفاوت بين الأفراد في الذكاء والإمكانات الجسمية والنفسية المختلفة (دور الزعامة الكاريزمية).
3 – أثر البيئة الصحية العامة على تطور الشعب ونموه الاقتصادي والاجتماعي.
4 – أثر الانتخاب الطبيعي والاصطناعي على الأشكال المختلفة لهرم السكان.
أوجه النقد الموجه للنظريات الحتمية:
1 – أنها نظريات اختزالية ذات نظرة أحادية.
2 – أنها نظريات متحيزة تميل إلى تبرير أفكار بعينها.
3 – أنها نظريات غير علمية لأنها تؤكد سبباً واحداً دون تمحيص علمي دقيق.
4 – أنها قد أدت إلى كثير من الصراعات بين الشعوب.
5 – أنها ولدت أشكالاً من العنصرية السياسية التي يعاني منها عالمنا المعاصر.
ثانياً: النظرية التطورية:
انتشرت في القرن التاسع عشر، وكانت متوازية مع النظريات الحتمية، وظهرت من خلال الاعتقاد بأن المجتمعات تسير في مسار واحد محدد سلفاً عبر مراحل يمكن التعرف عليها.
أ – النظريات الخطية:
توصف بأنها تهتم بالتحولات التقدمية المستمرة أو المطردة الموصلة في النهاية إلى هدف محدد ويمر المجتمع في حالة تحوله نحو تحقيق هذا الهدف بمراحل أو خطوات ثابتة، وتعتبر هذه الفكرة قديمة ظهرت في فلسفة الإغريق، وأعيد أحياؤها في عصر التنوير، وقويت هذه الفكرة في القرن التاسع عشر عندما انشغل المفكرون الاجتماعيون بالبحث عن الأصول الأولى لمجتمعاتهم.
سار الفكر التطوري المبكر في خطين رئيسيين في تحديده لمراحل التطور:
1 – التركيز على عنصر واحد من عناصر الحياة الاجتماعية أو الثقافية وتحديد المراحل الزمنية التي سارت فيها المجتمعات وفقاً لهذا العنصر.
2 – بدلاً من التركيز على عنصر واحد مال بعض التطوريين إلى النظر للتطور الكلي في البناء الاجتماعي أو الثقافي، وتحديد المراحل بشكل كلي دون التركيز على عنصر بعينه، ومن الأمثلة على ذلك نظرية أوجست كونت في تطور المجتمعات من المرحلة الوضعية، ونظرية ماركس في التحول من المجتمع المشاعي إلى الإقطاعي إلى الرأسمالي إلى الاشتراكي، ونظرية لويس مورجان عن التحول من المجتمع البدائي إلى البربري، إلى الحضارة، ونظرية سبنسر في التحول من المجتمع العسكري إلى الصناعي، ذلك التحول الذي يصاحبه تحول من حالة التجانس المطلق إلى حالة اللاتجانس غير المستقر.
وسواء ركزت النظرية على متغير واحد أو ركزت على المجتمع ككل، فإن التطورية الخطية تتميز بتحديد مراحل تقدمية تسير نحو هدف محدد.
ويكمن الخلاف بين المفكرين التطوريين في عنصرين أساسيين: الأول يرتبط بعدد مراحل التطور، والثاني يرتبط بطبيعة العامل المحرك للتغير.
فأوجست كونت يرى أن الإنسانية تسير سيراً تلقائياً تقدمياً، والتقدم في نظره سير اجتماعي نحو هدف معين، وهذا السير يخضع لقوانين ضرورية هي التي تحدد بالضبط مداه وسرعته، ويستدل كونت على خضوع الإنسانية لظاهرة التقدم والارتقاء المطرد، بأنها مرت بثلاث مراحل هي: الحياة الاجتماعية في العصور القديمة والحياة الاجتماعية في القرون الوسطى المسيحية، ثم التنظيم الاجتماعي الذي قام غداة الثورة الفرنسية.
والتقدم الاجتماعي في نظره مظهر من مظاهر التطور العقلي، وقوانينه مستمدة من قوانين تطور الفكر التي تصور انتقال التفكير الإنساني من المرحلة اللاهوتية إلى المرحلة الفلسفية الميتافيزيقية، ثم المرحلة العلمية الوضعية، وهذا قانون ظاهر الخطأ ومن ثم فكل ما يقوم عليه من آراء وتصورات لا يعد صحيحاً بصورة قاطعة.
وعند هنري مورجان في كتابه (المجتمع القديم) يفترض أن مراحل التطور التكنولوجي ونظم القرابة ترتبط بمختلف المؤسسات الاجتماعية والسياسية.
ولقد وصف تقدم النوع الإنساني من خلال ثلاث مراحل رئيسية للتطور:
المرحلة البدائية والمرحلة البربرية ومرحلة المدنية، كما قسم كلاً من المرحلتين البدائية والبربرية إلى ثلاثة أقسام عليا ووسطى ودنيا:
1 – المرحلة الدنيا من المرحلة البدائية وهي تبدأ منذ نشأة الجذور الإنسانية وحتى بداية الفترة التالية.
2 – المرحلة الوسطى من البدائية وهي تبدأ من مرحلة صيد الأسماك للحصول على الغذاء ومعرفة استخدام النار حتى الفترة التالية.
3 – المرحلة العليا من البدائية وتبدأ من اختراع السهم والقوس وحتى المرحلة التالية.
4 – المرحلة الدنيا من البربرية وهي تبدأ من ابتكار صناعة الفخار إلى الفترة التالية.
5 – المرحلة الوسطى من البربرية وهي تبدأ منذ استئناس الحيوانات في نصف الكرة الشرقي، وفي الغرب منذ زراعة الذرة والنباتات بواسطة الري إلى المرحلة التالية.
6 – المرحلة العليا من البربرية وتبدأ منذ ابتكار عملية صهر الحديد الخام مع استخدام أدوات جديدة إلى المرحلة التالية.
7 – مرحلة المدنية وهي تبدأ منذ اختراع الحروف الأبجدية المنطوقة واستخدام الكتابة حتى وقتنا الحاضر.
ب – النظريات الدائرية:
يذهب أصاحب هذه النظريات إلى أن التغير صعوداً وهبوطاً في تموجات على شكل أنصاف دوائر متتابعة وبنظام مطرد، بحيث يعود المجتمع من حيث بدأ في دورة معينة، وتنقسم النظريات الدائرية إلى نوعين: بعضها يفسر جانباً محدوداً من جوانب الحياة الاجتماعية أو يشرح ظاهرة أو نظاماً اجتماعياً واحداً، وبعضها الآخر يهدف إلى تفسير المجرى العام للتاريخ، متناولاً جميع الظواهر والنظم والأنساق الاجتماعية دون أن يركز على ظاهرة واحدة أو نظام بذاته، ومن أصحاب النظريات الدائرية: ابن خلدون، وفيكو، وشبنجلر، وتوينبي.
يرى ابن خلدون أن المجتمع الإنساني كالفرد يمر بمراحل منذ ولادته حتى وفاته، وأن للدول أعماراً كالأشخاص سواء بسواء، وعمر الدولة في العادة ثلاثة أجيال، والجيل أربعون سنة، فعمر الدولة إذن مائة وعشرون سنة، وفي هذه الأجيال الثلاثة يمر المجتمع بمراحل ثلاث هي:
1 – مرحلة النشأة والتكوين: وهي مرحلة البداوة، ويقتصر الأفراد فيها على الضروري من المعيشة.
2 – مرحلة النضج والاكتمال: وهي مرحلة الملك، وفيها يتحول المجتمع إلى الحضارة.
3 – مرحلة الهرم والشيخوخة: وهي مرحلة الترف والنعيم أو الحضارة.
نظرية المفكر الإيطالي فيكو الدائرية لتطور المجتمعات:
1 – المرحلة الدينية أو الإلهية: وفيها يرجع الناس كل شيء إلى الآلهة.
2 – المرحلة البطولية: وفيها يرجعون كل شيء إلى العظماء والأبطال.
3 – المرحلة الإنسانية: وفيها أصبحت الجماهير هي المحرك الحقيقي لكل شيء.
ويؤدي منطق نظريته إلى أن الإنسانية لا تستقر ولكنها تسير سيراً دائرياً، فعندما تستقر فترة معينة في المرحلة الأخيرة فإنها سرعان ما تعود القهقرى إلى المرحلة الأولى ولكن بشكل مغاير وبصورة أكثر رقياً، أي أن آخر طور من هذه الأطوار إنما يمهد للطور الأول ولكن بشكل أرقى، ولذلك أطلق على نظريته قانون النكوص.
كما اهتم أوزفالد شبنجلر الذي يعد من أشهر أصحاب النظرية الدائرية في كتابه (سقوط الغرب أو انهيار الغرب بالحضارات) وشبهها بحياة الكائنات الحية التي تمر بمرحلة الشباب ثم الرشد فالشيخوخة المحتومة.
ويمثل الفيلسوف المعاصر أرنولد توينبي أفضل معرفة لتلك النظريات الدائرية، ويتضح ذلك بصورة جلية في كتابه الشهير (دراسة التاريخ) الذي حاول فيه البحث عن الأسباب العامة لارتقاء وانحدار الحضارات، ويؤكد أن فكرة التحدي والاستجابة تمثل سبب نقل القوى فيرى أن الاستجابات الناجحة للتحديات تنتج عنها عناصر النمو.
إن توينبي حصر نطاق التغير في ثلاث أحوال أساسية الأولى هي: حالة التوازن أو التكافؤ، والثانية هي: حالة الانتقال إلى حالة اللا توازن، ثم أخيراً حل الأزمة أو المشكلة أي الانتقال إلى حالة جديدة.
وقد أجمل توينبي طبيعة الانهيار الحضاري في ثلاث نقاط:
الأولى: إخفاق الطاقة الإبداعية في الأقلية المبدعة، وعندئذ تتحول تلك الأقلية إلى أقلية مسيطرة.
الفرق بين التغير والتغيير الاجتماعي
وقد استخدم مفهوم أو اصطلاح التغير الاجتماعي لأول مرة وبصورة عرضية في كتابات آدم سميث- وهو من علماء الاقتصاد- وعلى الأخص في كتابه المشهور: ثروة الأمم ، الذي نشر في القرن الثامن عشر، ولكن لم ينتشر ويصبح كثير التداول إلا بعد أن نشر عالم الاجتماع الأمريكي أوجبرن كتاباً بعنوان: التغير الاجتماعي عام 1922م، ورأي أن التغير الاجتماعي :ظاهرة عامة ومستمرة ومتنوعة ولا حاجة لربطها بصفة معينة، ومن هنا وجد في اصطلاح التغير الاجتماعي مفهوماً متحرراً من القيم، ولا يرتبط بصفات موجبة أو سالبة، وقد اتفق البعض مع تعريف أوجبرن، وعارضة آخرون.
ولن ندخل في اختلاف العلماء حول المصطلح، وسأعرض تعريفاً توفيقياً بين وجهات النظر المختلفة وهو: أن التغير الاجتماعي ظاهرة تلقائية عامة ومستمرة تحدث تدريجياً وتصيب البناء الاجتماعي للمجتمع - القيم، والثقافة-. ومن هنا يتضح أن التغير الاجتماعي يتصف بالتالي:
أنه ظاهرة تلقائية ، أي لاإرادية.
أنه ظاهرة عامة، أي تصيب جميع المجتمعات على وجه الأرض.
أنه ظاهرة مستمرة، أي لا تتوقف.
أنه ظاهرة تحدث تدريجياً، أي بطريقة غير ملحوظة، ولذلك ينتج عنها عنصر المفاجأة.
أنه ظاهرة تصيب البناء الاجتماعي ، أي القيم والثقافة السائدة في المجتمع.
وغالباً يكون للتغير الاجتماعي آثاراً مترتبة عليه، قد تكون سلبية، وقد تكون إيجابية، وقد تكون الاثنان معاً، ومن ثم يصاب المجتمع بحالة من عدم الاتزان، فتحدث القماومة لذلك التغير سواءً كان إيجابياً أو سلبياً.
وهنا يبرز السؤال التالي: ما الأسباب التي تؤدي إلى مقاومة التغير على الرغم من أنه إيجابي؟ والإجابة: لأن التغير يتضارب مع القيم والثقافة التي سادت المجتمع لعقود طويلة. ولذا تحدث المقاومة لأن الأفراد غير مهيئين لتقبل الجديد.
ومن هنا يبرز سؤال آخر وهو: ما الذي ينبغي علينا بعد حدوث التغير ؟
الجواب: لابد من التغيير ، وهنا يصبح لدينا مصطلحاً آخر وهو التغيير . وبالتالي فهناك فرق بين التغير والتغيير.
فالتغير كما قلنا سابقاً ظاهرة تلقائية لاإرادية، أما التغيير فهو عملية مقصودة الهدف منها أمرين رئيسيين هما:
1= الأمر الأول أو الوظيفة الأولى. تهيئة الأفراد وإقناعهم بتقبل الجانب الإيجابي، وذلك من خلال توضيح الفوائد والمنافع التي ستعود عليهم من الأمر الجديد . ولا نتوقع أن هذه التهيئة تحدث في يوم وليلة. والأمثلة كثيرة منها:
المثال الأول: في عهد سيدي رسول الله r عندما حرمت الخمر، وكنت عادة من عادات العرب في الجاهلية وجزء من ثقافتهم، لم تحرم مرة واحدة بل حرمت بالتدريج وعلى ثلاث مراحل والآيات هي.
· المرحلة الأولى جاءت في سورة البقرة الآية219 قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا....{.
والمرحلة الثانية جاءت في سورة النساء الآية43 في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآ ئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً }.
ثم جاءت المرحلة النهائية، وهي مرحلة الاجتناب التام، والتحريم لعادة تضر بمصلحة المسلم، واستئناف لحياة جديدة لا يغيب فيها العقل لحظة واحدة ، ليتمتع الفرد بآدميته، ويقوم برسالته التي خلقه الله U من أجلها على خير وجه، وذلك بعد أن تهيأت النفوس، وذلك في سورة المائدة الآية90 في قوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
المثال الثاني: تعليم البنات. فكم من سنة مضت وحكومتنا الرشيدة رعاها الله عملت على تهيئة أفراد المجتمع وتقبلهم لتعليم الفتاة، حيث كانت بداية تعليم الذكور بشكل نظامي منذ غرة رمضان عام 1344هـ عندما صدر الأمر بإنشاء مديرية المعارف العمومية، ولكن كان ظهور الرئاسة العامة لتعليم البنات في عام 1381هـ. بعد أن تهيأ أفراد المجتمع لتقبل الوضع الجديد، وأصبح أفراد المجتمع الآن يتسابقون لتعليم بناتهم، لا التعليم العام فقط بل التعليم العالي، وأصبح تعليم الفتاة جزء من قيم وثقافة المجتمع.
وهناك مثال آخر لا نزال بين مؤيد ومعارض، بين قابل ورافض، أتعرفون ماهو؟
إنه قضية قيادة المرأة للسيارة.( نقاش مع الحضور ).
2= الأمر الثاني أو الوظيفة الثانية: علاج المشكلات المترتبة على التغير ، والتي تمثل الجانب السلبي ومن الأمثلة:
- السائقون. وما ترتب على ذلك من مشكلات يعيشها المجتمع.
- الخادمات. وما ترتب على ذلك من مشكلات يعيشها المجتمع،تذخر بها الصحف وأحاديث المجالس.
فبعد أن كانت الزوجة تقوم بشئون زوجها وأولادها ومنزلها ، أصبحت الأم توكل تربية طفلها وشئون منزلها للخادمة، مما ترتب على ذلك العديد من المشكلات.
- التحول من الإنتاجية إلى الاستهلاكية.
- البعد عن القيم الروحية والاهتمام والحرص بالقيم المادية.
* ومن ثم يمكننا الخروج بخلاصة مفادها أن كل تغير لابد أن يتبعه تغيير، سواء كان ذلك التغير إيجابياً أم سلبياً.
وهنا يبرز السؤال التالي: من الذي يقوم بعملية التغيير تلك؟
والجواب: يقوم بذلك جميع المؤسسات التربوية0 المنزل، المسجد، المدرسة، الجامعة،وسائل الإعلام، النوادي...الخ، حيث أن عليها القيام بعملية التغيير.
ولنتعرف على عدد من المظاهر الإيجابية للتغير منها.
- التقدم العلمي والتكنولوجي.
- من الاعتماد على الذات إلى الاعتماد المتبادل.
- من العام إلى الخاص.
- من المحلي إلى العالمي.
- من التكنولوجي إلى الهاي تكنولوجي.
ومن مظاهر التغير السلبية.
= استبدال القيم . ومن ذلك :
تداخل قيم الحداثة مع التقليدية.
تخلخل القيم الأصلية واختيار طرق غير معيارية للوصول إلى الأهداف.
اختفاء بعض القيم الأصيلة التي حافظت على تماسك البناء الاجتماعي، وحل محلها قيم أخرى قد تتسبب في ضعف وتهدم البناء الاجتماعي.(خبز الخبز لمن ليس لها عائل)
= تشوه الهوية الثقافية، وقد ترتب على عليها.
التقليد الأعمى من جانب بعض الشباب .( قصات الشعر، الملابس، الحركات)
= وجود فجوة ثقافية بين جيل الصغار وجيل الكبار، مما أدى لإلى تمرد الصغار على الكبار ، حتى وصل الأمر إلى العقوق في بعض الحالات، والعياذ بالله.
خلاصة القول:
أنه متى وجد التغير لابد من التغيير، حتى ولو كان التغير إيجابيا، حيث يتطلب الأمر تهيئة الناس لاستقبال الجديد الذي أتى به التغير، ليمكن التقليل من الفجوة الثقافية بين جيل الصغار وجيل الكبار.
ولو كان التغير سلبياً تطلب الأمر التدخل بالتغيير لعلاج تلك السلبيات، وبصفة عامة غالباً يأتي بجانب إيجابي وآخر سلبي، أي كما يقول المثل: ليس هناك حلوى بدون نار.
وقبل التحدث عن التغيير،وهو موضوعنا في هذا اللقاء، أود التقديم له بالمقدمة التالية:-
فلقد جاء الإسلام استنادا على خلفية ربط الروح بالمادة، وبالتالي فهو يشكل التوازن الصحيح بينهما مما جعل رسالته الكونية شاملة وكاملة.
إن سؤال إبراهيم u: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) ] البقرة: 2/260 [ وسؤال موسى u (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) ] الأعراف: 7/143 [، هذان السؤالان، والجوابان اللذان ردَّ بهما الله تعالى عليهما يقولان لنا: انظروا إلى الواقع الذي خلقه الله U، ولا تحاولوا أن تنظروا إلى الله U فتقعوا في الخطأ والّلبس والقياس، فالله خارج القياس خارج المثلية.( تفكروا في آيات الله...)
لقد جاء الأنبياء u بفهم جديد للإنسان، جاؤوا بشيء قلب فهم الإنسان، فالإنسان غدا عالماًً جديداً له قوانينه الخاصة، وتغييره يكون بتغيير ما بنفسه، وتغير نفسه صار ممكناً دون قتل للنفس ودون سفك للدماء.
إنه من الممكن أخذ العسل دون قتل النَّحل، وإن مجرد الإيمان بإمكان تغيير ما بالأنفس صار موقفاً يفتح لصاحبه طريقاً إلى تغيير وإزالة ما بنفس الإنسان من غير إزالة نفسه.
هذه النقلة هي ما جاء به الأنبياء عليهم السلام حين فصلوا إزالة ما بالنفس عن إزالة النفس، فزال بذلك النزاع والخلط بين الأمرين.هل يمكن أن يكون هذا هو الفرقان الذي آتاه الله تعالى لأنبيائه عليهم السلام؟ ولأنهم جميعاً جاؤوا به فنحن كما قال تعالى:(لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) ] البقرة:2/136[.
ولعلّ قول زيد بن عمرو بن نفيل : حين وقف بين ظهراني القوم في مكّة معلناً : يا أهل قريش ما منكم من أحدٍ على دين إبراهيم غيري . يسلّط الكثير من الضوء على الحالة الاجتماعية و الروحية لمجتمع مكّة.
لقد مثّلت الجزيرة العربية المعقل الأخير للضمير الاجتماعي و الإنساني، حيث كانت هناك بقايا الحنيفيّة تتمثّل في بعض دعاةِ الرشاد و التغيير في المجتمع المدني العربي.
كما أنّ الطبع العربي الرجولي و الإنساني، حفظ للمجتمع العربي البدائي بعض معالم الإنسان فكان الكرم ، و النجدة ، و العفّة ، و الفروسية... كانت تمثّلُ مفارز، ومحاضن لنشوء تغيير اجتماعي عالمي يبدأ من أرض العرب الأكثر روحانية بين سائر بلدان الأرض . تلك الصفة الروحانية العربيّة نالت شهادة النبي الكريم فيما بعد بقوله r " إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق " فقد كان القرنُ السادس الميلادي مخاضاً لتغيير كبير ، يطال كل جزئيات الإنسان ، و يعيد ترتيب أجندة الحضارة و الروح من الأبجديّة الأولى حتى منتهاها .. بمعنى أن التغييرَ كان مطلباً جماعيّاً و حتميّةً حضارية تقتضي نقض كل عوالق الذهن و الممارسة ، وتبني ميداناً جديداً لإنسان جديدٍ في الروح و المادة. .
لقد كان على النبي الكريم r أن يخرج إلى الناس ـ بهذا الدين يتحسس السؤال العريض : من أين أبدأ ؟ و كيف أبدأ ، وبمن أبدأ ؟ ..
النبي الكريم r يرى أنّ أدوات الخطاب الروحي و الاجتماعي الذي ينتهجه قد اكتملت ، وأنّ حقائقه مشروحةٌ بتفصيلٍ فيه من الذكاء و العلْميّة ما يكفي لإحداث انقلاب فكريّ عالمي، فقد استطاع البيان القرآني و التفصيل النبوي أن يطارد كل تلكآ تهم واعتذاراتهم عن الإتباع و ناقشهم بكل هدوء و علميّة عارضاً حيثيات رفضهم، و سارداً في أسلوب عبقريٍّ حججهم و فلسفاتهم حتى أوصلهم في نهاية كل خطابٍ إلى واحدةٍ من حقيقتين تتمترسان خلف هذا الجحود و الإنكار بل و الرغبة في اقتلاع الآخر المخالف عقديّاً و من حيث المبدأ .
و هاتان الحقيقتان هما : .
- الحقيقة الأولى قولهم: إنّا وجدنا آباءنا على أمّة و إنا على آثارهم مقتدون ...فحين تسيطر ثقافة التقليد و التبعيّة على ذهنية مجتمع ما ، كما هو الحال في مجتمع مكة حين البعثة، يصبحُ التغيير جنيناً مشوّهاً .
و من هنا ، فإنه لحقيقٌ بأن تضع الحركات الإصلاحية التغييرية في اعتبارها إعادة صياغة التحدّي أمام المجموع المتلقّي للخطاب ، و عرض السائد المتبّع كمقدمة منطقية للهزيمة.
- أما الحقيقةُ الثانية فتتمثل في ثقافة: ـ " لولا أنزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم .." إذن فهنا المعنى الحقيق لرفضهم المطلق و مناهضتهم الأبديّة، الدافع الاقتصادي المادي لجماعات الضغط على صانعي القرار من كبار قريش والمحيطات المجاورة ، أولئك الذين يمتلكون تكييف و توجيه المجتمع نحو المشيئة العليا للإرادة السياسية في سبيل خدمة رأس المال و حركته. و هو دافعٌ مهم لرفض التغيير .. ليس لأن التغيير خطرٌ عليه، بل لأن الدافع الاقتصادي هو الجدير بالأتباع و التقصّي ، و الاعتناق . فالتعامل المادي يعرضُ كل منتوج على ميزان الربحيّة والنفعيّة ، و من هنا كان التحوّل الثقافي محض ترف هم في غنى عنه.
والجدير بالذكر أنه توجد في الفلسفة مدرستان، أحداهما تقول بالثبات، وثانيهما تقول بالتغيير. الأولى هي مدرسة (بارمنيدس) التي تقول أن طبيعة الكون هي الثبات.
على عكس المدرسة الثانية وكان على رأسها (هيراقتليطس) الذي يقول بالحركة. والتغيير في كل شيء، فالحركة الدائمة والتغيير المستمر هما الطابع الأساسي للوجود، فكل شيء يسير ولا شيء يبقى. والناس لا ينزلون إلى نفس النهر مرتين لأن مياهه تتجدد في كل لحظة في طريقها من المنبع إلى المصب. . إن التغيير يكفل التأقلم مع الزمن وما يجري فيه من تغيرات، فإذا كان الناس لا ينزلون إلى النهر نفسه مرتين، ذلك لأن مياهه تتجدد في كل لحظة في طريقها من المنبع إلى المصب. .
* ولنأخذ مثالاً على ما نقول دولة من دول العالم المتقدم، ولتكن الولايات المتحدة الأميركية فالدستور الأمير كي يقدس فكرة التغيير، ويرفض فكرة الثبات، وعندما يأتي الرئيس الأمير كي لولاية ثانية، فإنه لا يبقي على أفراد حكومته نفسهم، بل يجري تغييرات جوهرية في إدارته رغبة في تغيير الدماء، ولتغيير ملامح النظام، لإعطاء دفعة للعمل السياسي والاقتصادي، هذا رغم نجاح الطاقم الأول في الولاية الأولى، ورغم أنه هو الذي أوصله للحكم لولاية ثانية.
وإذا نظرنا في حالة للتغيير في الولايات المتحدة الأميركية، نجد أن (بوش) الابن قد أعيد انتخابه لكنه قام بالتغيير في طاقم رجاله وحكومته. ومن ملامح هذا التغيير استغناؤه عن (كولن باول) وزير خارجيته، فهو لم يعد في حاجة إلى (باول) لكي يضيف له بعضاً من التأييد بين تيار الوسط من الجمهوريين، ومن أكثر أسباب التغيير يرتبط بأن فضيلة التغيير المستمر هي أفضل الفضائل الأميركية، هذه الفضيلة تدعو إلى تحقيق الإنجاز في توقيتاته المحددة دون انتظار لسنوات طويلة من التجربة والخطأ، واللاعمل على الإطلاق، كما أنها تمنع وجود أنواع مختلفة من الجمود نتيجة البقاء في الموقع لسنوات طويلة، وبالتأكيد فإنها توفر عملية سريعة لنقل الخبرة. .
وبدلاً من البقاء لفترات طويلة لتقديم خبرة لا يمكن الاستغناء عنها، فإن الأفضل دائماً أن يكفل النظام نقل الخبرة دون انتظار من خلال ذاكرة جمعية تسجلها وتقننها وتنقلها من جيل لآخر. .
وربما كانت هذه هي الحكمة من اختيار (كونداليزا رايس) وغيرها من المعاونين الجدد في مجلس الأمن القومي ووزارة العدل ووزارة الأمن الداخلي والعديد من مناصب وكالة المخابرات المركزية، صحيح أن (بوش) حاول في تغييراته تحقيق درجة أعلى من الانسجام الفكري، وحتى النفسي داخل إدارته، إلا أنه من جانب آخر قد أحضر من المعاونين الجدد من يعتقد أنهم قادرون على التعامل مع نتائج سياسته خلال فترته الأولى، فالسياسة الأميركية تؤمن بأهمية التغيير في المواقع وفي الأشخاص، وفي الأفكار أيضاً، وهذا ما كان وراء التغيير في منصب وزير الخارجية وفي غيره من مناصب الحكومة، وربما يرى بعضنا أن تعيين (رايس) في منصب وزير الخارجية الأمير كي لا يشكل جديداً، وأنها كانت تقوم بعمل مشابه من خلال منصبها كمستشارة للرئيس للأمن القومي، ولكن من يقول بذلك لا يعرف الفرق بين المنصبين فالمستشارة كانت مهمتها التنسيق، أما وزيرة الخارجية فهي تشارك في صنع السياسة. .
* وسوف أضرب مثلاً يعرفه غالبية الحضوروهو قرار تغيير لاعبي كرة القدم أثناء سير المباراة، والذي عادة ما نقيم على أساسه كفاءة المدرب وحكمته وقدرته على الفوز، فإذا ما هزم فإنه سوف يلام لأن قراراته بالتغيير لم تكن في محلها. .
وهنا فإن صانع القرار هو المدرب ، وموضوع القرار هو إجراء التغييرات في الفريق الذي يمثل موضوعيا المجتمع، وهدف القرار هو الفوز في معظم الأحوال، أو تجنب الهزيمة إذا كانت موازين القوى لا تسمح بالفوز.
ولعله الآن أتضح موضوع اللقاء بشكل إجمالي، ولنتطرق له بالتفصيل في الدقائق التالية، ولكن في البداية أود طرح بعض الأسئلة مثل:-
هل تفكر كثيرا في تغيير العالم من حولك؟ (ماهي الإجابة؟)
هل تحدث نفسك أن هذا ليس زمنك ولو أنك وجدت في زمن آخر لكنت أفضل.؟ (ماهي الإجابة؟)
هل تفكر في تغيير المحيطين بك لأنهم ليسوا كما ينبغي أن يكونوا؟ (ماهي الإجابة؟)
هل فكرت أن تغيير العالم والحياة بكل مفرداتها يبدأ من عندك؟ (ماهي الإجابة؟)
تأمل إذن قول الله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"..
وهنا يبرز السؤال التالي: كيف أعرف أني أحتاج تغييرا؟ً
ربما يخبرك الآخرون بذلك، من خلال ملاحظاتهم على سلوكك.
ربما مررت باختبار لم تعجبك نتائجه.( كحال الطالب في الاختبارات)
ربما لاحظت فرقا في أدائك أو استجاباتك عن الآخرين.
ربما لديك بعض المشاعر التي تود التخلص منها: الغضب، الخوف، التوتر، الملل....
ربما شعرت أنك غير منطقي، متردد، مشوش..
ربما لديك أهداف لا تعرف كيف تحققها..
أو تشعر أنك بلا أهداف واضحة في الحياة..
اسأل نفسك: هل ما أفعله الآن من الممكن فعلا أن يوصلني لما أريد؟
إن أجبت: لا
فاسأل نفسك: ما الذي أحتاج أن أفعله لأبدأ الطريق لما أريد؟.
إن بداية التغيير يبدأ من رغبتك فيه؛ فلن يمكنك أن تتغير إلا إذا رغبت أنت في ذلك!
ولكن كيف تكون بداية رحلة التغيير؟
يجب أن تكون محددا..أي تعرف ماذا تريد.
وما الذي تريد تغييره؟ أهو سلوك أو عادة سلبية، أومهارة، أومشاعر سلبية، أو عمليات عقلية كالأفكار، والحديث مع النفس، والقيم، والتوقعات، و صورة الذات
أي عليك أن تصف الفعل الذي تريد، وليس الصفة التي تتمنى، بعبارة أخرى أن تقول إنني أريد أن أتحدث بصوت منخفض وليس: أريد أن يصبح صوتي منخفضا.
فالحالة الأولى حالة فعل من قبلك، والثانية مجرد صفة تتمنى أن تتحلى بها.
وعليك أيضاً صياغة العبارة في صيغة إثبات بأن تقول: أريد أن أهدأ في حديثي، لا في صيغة نفي كأن تقول: لا أريد أن أتعصب في حديثي.
بعد ذلك تخيل أثر ذلك التغيير في تفصيلات حياتك.
نحن نتغير لنحل مشكلاتنا بطريقة أفضل؛ وبالتالي نحيا حياة أفضل، بحول الله تعالى.
وتذكر دوما أن التحول صعب، ولكن التغيير ممكن.
وأن عملية التغيير ليست عملية خطية، بل كل تغيير يحدث تغييرات أخرى تترافق معه.
وعليك البدأ بأشياء صغيرة.. وبشكل تدريجي، أي خطوة خطوة.





الخاتمة:
تناولنا في هذا الموضوع التغير والتغيير الاجتماعي والنظريات التي تبحث وتفسر التغير الاجتماعي. وكذلك تناولنا الفرق بين التغير والتغيير. وقد تمت الاشارة الى انه أنه متى وجد التغير لابد من التغيير، حتى ولو كان التغير إيجابيا، حيث يتطلب الأمر تهيئة الناس لاستقبال الجديد الذي أتى به التغير، ليمكن التقليل من الفجوة الثقافية بين جيل الصغار وجيل الكبار.
ولو كان التغير سلبياً تطلب الأمر التدخل بالتغيير لعلاج تلك السلبيات، وبصفة عامة غالباً يأتي بجانب إيجابي وآخر سلبي، أي كما يقول المثل: ليس هناك حلوى بدون نار.

المراجع:
كتاب التربية الوطنية والاجتماعية 9 فصل الأول
دراسات في علم الاجتماع القاهرة : مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، كلية الآداب، جامعة القاهرة، 2003.
مقدّمة الماكروديناميكا الاجتماعية: النمذجة الرياضية لتطوّر المنظومة العالمية قبل سبعينيّات القرن الماضي مجلة كلية الآداب لجامعة القاهرة- مجلد 68 - سنة ٢٠٠٨ ٬ الجزء الثاني ٬ صفحات ص148-181(بالعربية).
أندريه كاراطائف - مقدمة المكروديناميكا الاجتماعية. النمذجة الرياضية لتطور المنظومة العالمية.
عبدالحميد عبدالمجيد عبدالحميد حكيم. التغـــــــــــــيير
مفهومه/ أسبابه/ أهدافه/ قادته/ مقاومته.



#عاهد_جمعة_الخطيب (هاشتاغ)       Ahed_Jumah_Khatib#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر العراقي ضياء الشكرجي حول العلمانية والدين والاحزاب الاسلامية في العراق والشرق الاوسط
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نهج فلسفي جديد في فهم السياق من خلال تطبيق نظرية الاحتمالات ...
- مميزات الاصلاح المجتمعي وعيوبه واهم التحديات التي تواجهه في ...
- الاكتئاب لدى مرضى الإدمان في الأردن
- مراجعة كتاب طبائع الاستبداد لعبد الرحمن الكواكبي والتركيز عل ...
- النظريات العاملة في التغيير الاجتماعي
- فلسفة السياسة الجنائية كمفهوم مقارنة مع المفاهيم الاخرى
- علم الجريمة التكويني
- التسويق الاجتماعي والتباعد الاجتماعي: تجربة الأردن في مكافحة ...
- الأساليب الجديدة في تسويق الرعاية الصحية
- الجوانب المالية المرتبطة بالإفراط في استخدام الموارد الصحية
- التدخين وفايروس كورونا: دليل محتمل من عملنا
- دور تورط الجهاز العصبي في الأنسجة الخبيثة: تدهور العمارة الن ...
- الأدوار غير الكلاسيكية للميكروبات
- المنظورات الثقافية لنماذج التدخين: تدخين السجائر وتدخين الشي ...
- انخفاض الوعي الذاتي والقهر: فرضية طبية نفسية جديدة
- السكري والاعتلال العصبي السكري حدثان مستقلان: فرضية طبية جدي ...
- الاستخدام المناسب للفحم المنشط في الأساليب الصيدلانية والسمي ...
- الجوانب العصبية والفسيولوجية للمرض: الدماغ كمفتاح متعدد الرو ...
- هل الدين هو الجزء المفقود في نظريات سلوك المواطنة والقيادة و ...
- تحديثات فيروس كورونا: التحقيقات الأساسية والسريرية


المزيد.....




- الرئيس الفلسطيني: سنواصل الانضمام للمنظمات الدولية والتوجه ل ...
- تعديلات واسعة تنتظر قانون حرية التعبير والتظاهر
- قصف تركي يستهدف مخيم للاجئين شمالي العراق
- الاحتلال أصدر 242 قرار اعتقال إداري خلال الشهر الماضي ويرفض ...
- عقوبة مخالفتها الترحيل الفوري.. بلدة لبنانية تفرض 12 قيدا عل ...
- منظمات حقوقية فلسطينية تقيم فعالية بعنوان “فلسطين في المحكمة ...
- اعتقال 40 من أفراد عائلة -سعد الجبري- بالسعودية لإكراهه على ...
- ألمانيا تشكو من صعوبة استقبال اللاجئين الأوكرانيين وتطالب با ...
- ألمانيا تشكو من صعوبة استقبال اللاجئين الأوكرانيين وتطالب با ...
- الإعدام لقاتل القيادي في حركة -العصائب- وسام العلياوي


المزيد.....

- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي
- فراعنة فى الدنمارك / محيى الدين غريب
- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - عاهد جمعة الخطيب - مفهوم التغير وعوامله واشكاله وانواعه والفرق بين التغير والتغيير