أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عاهد جمعة الخطيب - فلسفة السياسة الجنائية كمفهوم مقارنة مع المفاهيم الاخرى















المزيد.....


فلسفة السياسة الجنائية كمفهوم مقارنة مع المفاهيم الاخرى


عاهد جمعة الخطيب
باحث علمي في الطب والفلسفة وعلم الاجتماع

(Ahed Jumah Khatib)


الحوار المتمدن-العدد: 7185 - 2022 / 3 / 9 - 05:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مقدمة:
إن الجريمة ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالإنسان وعرفت منذ القدم، وتطورت وتعقدت أشكالها وتنوعت مناهجها ووسائلها مع تقدم المجتمعات، ومع الثورة التكنولوجية والتقنية في العصر الحاضر أخذت ظاهرة الإجرام بعدا دوليا وأصبحت عابرة للقارات والدول، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في الوسائل التقليدية لآليات العدالة الجنائية وفي القواعد المنظمة للتجريم والعقاب باعتبارها الأدوات الهامة للسياسة الجنائية
لقد اختلف فقهاء القانون في تعريف السياسة الجنائية ، وتعددت التعاريف بتعدد المرجعيات الفلسفية والعلمية ثم الاتجاهات الفكرية والسياسية ، فقد عرفها الفقيه الألماني فويرباخ بأنها "مجموعة الوسائل التي يمكن اتخاذها في وقت معين في بلد ما من أجل مكافحة الإجرام فيه " ، أما مهمة السياسة الجنائية عند فيلبو كراماتيكا هي دراسة أفضل الوسائل العلمية للوقاية من الانحراف الاجتماعي وقمعه.
أما هدف السياسة الجنائية حسب مارك أنسل هي الوصول إلى أفضل صيغة لقواعد القانون الوضعي وتوجيه كل من المشرع الذي يضع القانون الوضعي والقاضي الذي يقوم بتطبيقه والإدارة العقابية المكلفة بتنفيذ ما يقضي به الفضاء.
أما السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية فهي جزء من السياسة الشرعية ، وقد عرفها الدكتور محمد بوساق بأنها العمل على درء المفاسد الواقعة أو المتوقعة عن الفرد والمجتمع بإقامة أحكام الحدود والقصاص وغيرها. والتذرع لتحقيق الأمن بكافة الوسائل الممكنة في ضوء مبادئ الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
وإذا كانت السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية وفي الاتجاهات المعاصرة تتفق في المضمون والأهداف نظرا لكون كل متهما يهدف إلى تحقيق الأمن وسلامة المجتمع ، إلا أنهما يختلفان من حيث الثوابت (الخياط, 2006).
وإذا كانت السياسة الجنائية تتميز بخصائص وسمات منها خاصية الغائية والنسبية والتطور ، فإن لها فروع منها سياسة التجريم وسياسة العقاب وسياسة المنع.
وتعكس السياسة الجنائية المصالح الواجب حمايتها في الدولة والقانون هو الذي يحدد المصلحة الجديرة بالحماية من بين المصالح المتناقضة ، ولما كانت السياسة الجنائية هي السياسة التشريعية في مجال القانون الجنائي و توجه المشرع في اختياره للمصلحة الواجب حمايتها ، فقد تأثرت السياسة الجنائية بالفكر الفلسفي الذي ساد كل مرحلة . فإذا كانت السياسة الكلاسيكية قد تأثرت بشكل كبير بنظريتي العقد الاجتماعي والمنفعة الاجتماعية . انعكس ذلك على معيار التجريم والعقاب، الذي كان قاصرا على حماية المصلحة الاجتماعية ، فإن السياسة النيوكلاسكية تأثرت بنظرية العدالة وخففت من حدة الجمود والتجريد التي ميزت السياسة الكلاسيكية. أما غرامتيكا فقد استعاض عن أفكار السياسة الكلاسكية والوضعية وأسس نظرية شاملة تعالج كلا من السياسة الجنائية والاجتماعية والنظام السياسي في الدولة ، قائمة على واجب الدولة في التأهيل الاجتماعي للفرد بدل حق الدولة في العقاب عن طريق تدابير الدفاع الاجتماعي .
ولم تأخذ سياسة الدفاع الاجتماعي الجديد بالمنهج الميتافيزيقي الذي أخذت به السياستان الكلاسيكية و النيوكلاسيكة ، وسلم مارك أنسل بوجود قانون العقوبات وحق الدولة في العقاب ، وذهب إلى تأسيس العقاب على مبدأ تأهيل المجرم عن طريق إصلاح قانون العقوبات وإدماج العقوبة والتدبير الاحترازي في نظام موحد (سرور, 1972).

الإطار الفكري للسياسة الجنائية
1- السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية
إن التشريع الإسلامي بما يحتويه من مبادئ سامية يحقق التوازن بين التدابير الوقائية و التدابير الزجرية و يفسح المجال للقيم التربوية و الحوافز المعنوية لان تحتل دورها المتميز للحد من الجريمة و الوقاية منها وإصلاح المجرمين و إعادتهم إلى المجتمع و دلك في ظل سياسة جنائية متكاملة .
سياسة الوقاية و المكافحة .
ادا كانت الوقاية خير من العلاج كما يقال في حقل الصحة البدنية , فإنها أجدر أن تكون في حقل السلوك و العمل للأفراد و الجماعات وصحة العلاقات المتكاثرة فيما بينهم وصحة الحياة الاجتماعية بصفة عامة , وهدا ما يفسر توافر إلحاح الشريعة الغراء على وسائل الوقاية , بل مساحة كبرى من نصوصها و تعاليمها هي مخصصة للعمل الوقائي و في هدا برهان قوي على عظمة الشريعة الإسلامية و تفوقها في التشريع الجنائي .
وهكذا فقد نشأت في الشريعة الإسلامية الكثير من الأنظمة نشأت عنها مؤسسات تكون الميدان لترويض النفوس و تطبيع علاقاتها بحياة المجتمع و نظامه , فمؤسسة الأسرة في ظل نظام الزواج حين تبنى على أسسها الإسلامية , ويلتزم فيها بالأوضاع التي فرضتها الشريعة الإسلامية فإنها تكون مؤسسة دينية لها في الوقاية من الانحراف الدور الأول و الأساسي , ومؤسسة السجد في ظل نظام الصلاة هي مؤسسة عظيمة الفعالية في عملية الوقاية فمن أهدافه التواصل المستمر مع فئات المصلين الأخيار و الاحتكاك معهم و التأثر بخصالهم و مزاياهم .
وفي مجال الانحراف , نظمت الشريعة الإسلامية أنجع الوسائل و أكثر الأجهزة حزما و فعالية لحماية مجتمعاتها و توفير الأمن لهم , وهكذا انشات في حظيرتها نظم قضائية بالمعنى الأعم للقضاء و متشعبة الاختصاص, ومن هده الأنظمة ولاية القضاء بمعناه الخاص وولاية المظالم وولاية الحسبة وولاية الشرطة وهي داخلة في سلط الخلافة أو الإمامة العظمى .
فولاية المظالم: مؤسسة دينية ذات شان مهم, وتتبلور فيها بشكل قوي معنى المكافحة, لأنها تتصدى بصفة خاصة لمقاومة ما يمارس من الانحراف على صعيد رجال السلطة (بيهي, 2005).
أما ولاية الحسبة فهي مؤسسة دينية مثلت على مدار التاريخ الإسلامي نشاطا ايجابيا و فعالية كبيرة في مقاومة الانحراف و ملاحقة المجرمين .
وقد قسم الفقهاء الشرطة الى ثلاث مراتب : الكبرى و الوسطى الصغرى و أقاموا هدا التقسيم على مقتضى الصلاحيات , فالكبرى تنظر في الجنايات و إقامة الحدود على من وجبت إقامتها عليه , و للوسطى مباشرة هده الإقامة للحدود و مباشرة إقامة التعازير و التاديبات , ولصغرى إعانة الحكام و أصحاب الدواويين فيما يريدونه من إلقاء القبض على المذنبين و المنحرفين و إحضارهم للعقاب .
سياسة التجريم و العقاب :
اختلفت أهداف العقوبة باختلاف الفلسفات و القيم التي سادت في المجتمعات كما أن ترتيب هده الأهداف و إعطاء الأولوية لهدف منها دون الأخر تعرض أيضا لتطور ملحوظ.
أما في الشريعة الإسلامية فان أهداف العقوبة ظلت كما هي مند نزول الشريعة, غير أن هده الأهداف تختلف باختلاف نوع العقوبة .
و يعرف فقهاء الشريعة الأقدمون العقوبات بأنها موانع قبل الفعل زواجر بعده و هدا التعريف يجمع بين هدفي الردع العام و الخاص , ويتعين حتى تكون العقوبة مشروعة أن تتوافر فيها خصائص ثلاث هي :
جرائم الحدود : وهي كما يعرفها الفقهاء المسلمون محظورات شرعية زجر الله عنها بعقوبة مقدرة تجب حقا لله تعالى , وقد اختلف الفقهاء في تعدادها , فبعضهم يجعلها سبع جرائم هي : السرقة و الحرابة و الزنا , القذف , و شرب الخمر و الردة و البغي , وبعضهم يجعلها ستة جرائم مستثنيا منها البغي , و آخرون يقصرونها على الجرائم الأربع الأولى فحسب و يعتبرون شرب الخمر و الردة جريمتين تعزيريتين.
أما جرائم القصاص : وهي التي تقع على اعتداء على النفس و تشمل جرائم القتل و الجرح و الضرب , و القصاص عقوبة محددة في القران و السنة و هي مقررة لولي الدم إن شاء أخد به فهدا حقه و إن شاء أخد الدية و إن شاء عفا.
جرائم التعازير و تشمل كل معصية لم تقرر لها عقوبة محددة في القران والسنة,
و عرف بعض الفقهاء المسلمين العقوبة التعزيرية بأنها عقوبة غير مقدرة تجب حقا لله تعالى او لآدمي عن كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة (السياسة الجنائية في التشريع الإسلامي, سلسلة الدفاع الاجتماعي, 1982). و يكو ن للردع العم الأولوية في عقوبات الحدود و القصاص لدلك حرصت الشريعة على ان يتم تنفيذ هده العقوبات علانية و يرى الفقهاء أن علة التنفيذ العقابي هي منع الكافة من ارتكاب الجرائم.
أما بالنسبة للعقوبات التعزيرية فالإجماع على أن التأديب و التهذيب هو الهدف الأساسي لها , فالأصل في الشريعة أن التعزير للتأديب , وبخصوص قاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص فانه لم يرد في الكتاب أو السنة نص بلفظه يقرر الاخد بهده القاعدة , غير أنها تستنتج بوضوح من بعض الآيات القران الكريم منه قوله تعالى ** و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ** و قوله ** لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل **.
و تفيد هده الآيات أن استحقاق العقاب في الشريعة الإسلامية توقف على سبق الاندار به , واستخرج الفقهاء منها قاعدتين أصوليتين تفيدان مضمون قاعدة لا جريمة و لا العقوبة إلا بنص و هما قاعدة لا تكليف قبل ورود الشرع وقاعدة ** أن الأصل في الأشياء الإباحة * , وقد طبق مضمون قاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص * تطبيقا دقيقا في جرائم الحدود القصاص , أما جرائم التعازير فتوجد مرونة كبيرة في تطبيق القاعدة حتى يمكن مواجهة ما يطرأ من تغيير في المجتمعات الإسلامية.

السياسة الجنائية في المذاهب الفكرية

إن البحث في الأساس الفكري لكل سياسة جنائية يضعنا أمام العديد من التساؤلات والافتراضات تصب من أساس حق الدولة في العقاب وفي صياغة قوانينها الجنائية،أو بتعبير أعم في صياغة سياستها الجنائية.
مدرسة السياسة الجنائية التقليدية
أمام الوحشة التي كان عليها النظام الجنائي في العالم الغربي في القرن 18 والقسوة والحكم المطلق والتعسف الذي لا مبرر له،بحيث كانت للقضاة سلطة لا ضوابط لها تطغى عليها رغباتهم وأهوائهم، وكانت المساواة بين المواطنين مفقودة والتناسب بين شدة العقوبة وجسامة الجرم معدومة، وتعسف القضاة قد تجاوز الحدود وساد الهوى وصار قانون العصر(جلال, 1989)، ظهرت المدرسة التقليدية للحد من هدا التعسف.
أمام هذا الوضع الوحشي والقاصي للنظام الجنائي السائد، تعالت أصوات كبار الفلاسفة والمفكرين متأثرين في ذلك بالنهضة الفكرية مثل جون جاك روسو ومنتسيكيو لتنادي بتغيير السياسة الجنائية السائدة وهو ما حدث بالفعل منذ أواخر القرن 18 ، وكان ذلك على يد مؤسس المدرسة التقليدية بكاريا صاحب كتاب " في الجرائم والعقوبات" التي تضمن أفكارا تهدف لإصلاح المنظومة الجنائية ونادى بالحيلولة دون تحكم القضاة وتعسفهم عن طريق سلبهم سلطة فرض العقوبات وطالب بإسنادها إلى جهات تشريعية( بوساق, ص 29) حيث يصبح دور القاضي هو تنفيذ القانون فقط وتطبيق العقوبات المتضمنة فيه دون أي اجتهاد، ويعد بكاريا أول من نادى بمبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا نص الذي كان له مكانة عظيمة في السياسة الجنائية المعاصرة كما نادى بإلغاء عقوبة الإعدام.
السياسة الجنائية في ضوء المدرستين : الوضعية و حركة الدفاع الاجتماعي

ادا كانت السياسة الجنائية عبر الاتجاهات الفلسفية قد تحددت و فقا لمبادئ ثلاثة : مبدأ الشرعية و مبدأ النفعية و مبدأ الحرية , فإنها عبر المدرستين الوضعية و الدفاع الاجتماعي اعتمدت الاتجاه العلمي الذي يرتكز على التجربة والملاحظة عوض التجريد , ولدلك سوف نقوم بدراسة السياسة الجنائية " أولا " عبر المدرسة الوضعية , ثم حركة الدفاع الاجتماعي " ثانيا-".
أولا : السياسة الجنائية عبر المدرسة الوضعية :
إن الخط العلمي للسياسة الجنائية الوضعية أخد طريقه بفضل الأعمال الجليلة التي قام بها ثلاثة من رجال ايطاليا و هم سزاري لومبروزو صاحب كتاب الإنسان المجرم سنة 1876 , و انريكو فيري صاحب كتاب السوسيولوجيا الجنائية سنة 1881 و أخيرا رافيل جاروفا لوا صاحب كتاب علم الإجرام (بنحدو, 1994). فمثلا لومبروزو : من خلال كتابه السابق صنف المجرمين على أساس نوع الخطورة و تحديد تدابير الملائمة لكل صنف منها على النحو التالي :
-1- المجرم بالميلاد أو بالطبيعة .
هو مجرم بشع دو طبيعة خاصة عن الآخرين غير مبال بالمسؤولية , يتخذ في مواجهته تدبير استئصالي = الإعدام , النفي , الإبعاد إلى مستعمرة زراعية يعمل بها طوال حياته = هنا تبرز أهمية السياسة التي اعتمدها لومبروزو المثمتلة في الفكر الجديد ألا وهو الانسنة
-2- المجرم المجنون :
وهو الذي لا يفرق بين الخير و الشر و لا يميز طبيعة أعماله و نتائجها نتيجة لانعدام إدراكه , هدا النوع يودع في مصحة عقلية حتى يشفى من مرضه .
-3- المجرم المعتاد :
هو الذي يرتكب الجريمة بصفة متكررة حتى تصبح بالنسبة إليه شيء معتاد يستطيع القيام به في أي وقت , و يتخذ في حقه تدابير مثل المجرم بالميلاد .
-4- المجرم بالعاطفة :
هو الشخص الذي يرتكب الجريمة نتيجة أحاسيسه , و هو سريع الندم وقد يصل به الأمر في بعض الأحيان إلى الانتحار, و يتخذ في حقه تدبير الإقامة في مكان معين أو منعه من الإقامة في أماكن محددة .
-5- المجرم بالصدفة :
هو إنسان خال من رواسب إجرامية وإنما يرتكبها نتيجة خلل عضوي أو بسسب الفقر أو البطالة , ويتخذ في حقه تدابير الإقامة في مستعمرة زراعية أو صناعية (نجم, 2006).
أما فيري: في نظره الجريمة هي نتيجة لتراكم عوامل داخلية * العضوية و النفسية * وأخرى خارجية * اجتماعية اقتصادية *مرتبطة بالمحيط الذي يعيش فيه و تتميز نظريته بأمرين :
-1- اهتمامها بتأثير العوامل الاجتماعية في الإجرام.
-2- تأكيد على تفاعل كل من العوامل العضوية النفسية و الأسباب الخارجية في ارتكاب الجريمة بحيث أن كل عامل من هاته العوامل تكون مجتمعة.
أما جروفالو: يعتبر من أقطاب السياسة الجنائية الوضعية و هو يميز بين الجريمة الطبيعية و المصطنعة , وعلى ضوء هدا التمييز اعتبر أن المجرم الحقيقي هو الذي يرتكب الطبيعية , و الذي يقوم بسلوك أخلاقي ضار الذي ينضر إليه المجتمع بوصفه جريمة منافية لمشاعر العدل و الإنسانية تعاقب عليها القوانين الجنائية , وقد اقر بأهمية العوامل الداخلية في ارتكاب الجريمة , وينادى بضرورة التمييز المعاملة العقابية بين مرتكب الجريمة الطبيعية و الجريمة المصطنعة (الغياط, 2006).





السياسة الجنائية عبر حركة الدفاع الاجتماعي

نشأت هده الحركة سنة 1945 و هي مدرسة للدفاع الاجتماعي تهدف إلى حماية المجتمع و المجرم جميعا من الظاهرة الإجرامية بخلاف المدارس التقليدية التي حصرت معنى الدفاع الاجتماعي في حماية المجتمع من المجرم .
و من هدا التاريخ ظهر الدفاع الاجتماعي كحركة جديدة في السياسة الجنائية تهدف إلى الوقاية من الجريمة وعلاج الجانحين, و قد ظهر من خلال المناقشات و المؤتمرات الدولية أن هناك اتجاهين رئيسين في الدفاع الاجتماعي .
الأول : اتجاه جرماتيكا :
ويهدف هدا المذهب إلى إبدال نظام قانون العقوبات التقليدي بنظام للدفاع الاجتماعي , بهدف القضاء على فكرة الجريمة والجانح , والمسؤولية و العقوبة و هده الأفكار القديمة يراد استبدالها بأفكار أخرى : وهي المناهضة للمجتمع , و الذاتية , و التدابير العلاجية و الوقائية .
و على هدا , فمذهب جرماتيكا يتضمن تغييرا كليا في نظم القانون الجنائي و الإجراءات الجنائية, و النظام العقابي (يس, 1983).
و على هدا الأساس فجرماتيكا أنكر حق الدولة في العقاب و أكد على واجب الدول في التأهيل الاجتماعي , فإنكار حق الدولة في العقاب يعني في نضره تسلط الدولة على حقوق الفرد و الإنسان الذي انشأ الدولة , وبما أن الإنسان هو حر اجتماعي بطبعه وبدلك لا مجال لاعتراف بالجريمة و المسؤولية الجنائية , وقد ألح على ضرورة إصلاح الشخص المناهض للمجتمع و دلك من خلال التدابير الإصلاحية عوض معاقبته .
فطالما أن الدولة هي المسؤولية عن السلوك المنحرف و أن صاحب هدا السلوك كان ضحية ظروف اجتماعية غلبت عليه , فانه لا يحق للدولة معاقبته بل عليها واجب تأهيله عن طريق التدابير الاجتماعية , هده التدابير يجب أن تراعي مكانة الإنسان فلا يجب أن تكون قاسية و إنما يجب أن يكون هدفها هو الإصلاح و التأهيل , و يجب وضع ملف خاص لشخصية المنحرف اجتماعيا يوضع لدى القاضي حتى يكون على علم كامل عند تحدي التدبير الاجتماعي الذي يقضي به عليه و الذي يتلائم وتلك الشخصية(نجم, 2006).

من خلال هاته الأفكار يتبين أن جرامتيكا قد غالى حين طالب بإلغاء قانون العقوبات, و المسؤولية , وبصفة خاصة إهداره لمبدأ شرعية الجرائم و العقوبات , علاوة على أن تجريده للجزاءات الجنائية من أي إيلام معناه إلغاء وظيفة العدالة و الردع العام و الخاص , ونقول أن هده الانتقادات أدت إلى ظهور حركة الدفاع الاجتماعي الحديث بقيادة مارك انسل.

الثاني : اتجاه مارك انسل :
أما الاتجاه الثاني فهو حركة الدفاع الاجتماعي الجديد التي يتزعمها مارك انسل و تقوم هده الحركة في جزء منها على بعض الأفكار الاتحاد الدولي لقانون العقوبات , فقد سبق للاتحاد الدولي لقانون العقوبات أن تبني ضرورة صياغة سياسة جنائية وقد كان " ليست" احد زعماء هده الحركة يقصد بدلك تكييف الجزاء الجنائي مع شخصية الجانح , وقد التقطت حركة الدفاع الاجتماعي هده الفكرة , ولكنها تعطي لفكرة السياسة الجنائية مفهوما أكثر اتساعا على ضوء المفهوم الذي قدمه أنصار الدفاع الجديد إلى الصراع ضد الجريمة بطريقة عقلانية و علمية اى بالاستفادة من جهود علوم الإنسان .
و بالنسبة للسياسة التي اعتمدها "مارك انسل" فانه يلتقي مع جراماتيكا في أغراض التدابير الجنائية المتمثلة في تهذيب و إصلاح المجرم وخاصة الحد, وان الطابع الإنساني ومراعاة أدمية المجرم و كرامته هو الطابع المميز لهده التدابير , و رغم دلك فان مارك انسل لا يتفق مع جراماتيكا في إلغاء قانون العقوبات و المجرم و العقوبة و المسؤولية الجنائية و غيرها من المصطلحات القانونية المسلم بها في التشريعات الجنائية المعاصرة , فمارك انسل يبقي على قانون العقوبات و المجرم و الجريمة , علاوة على أن أساس المسؤولية لديه هو حرية الاختيار المدعمة بالعناصر الشخصية , و يقول مارك انسل أن المجتمع عليه واجب محاربة الإجرام بوسائل عامة تقلل من فرص الوقوع فيه كمحاربة الكحول و المخدرات ووضع سياسة للرعاية و المساعدة الاجتماعية للأفراد .
و أن اتخاذ التدابير الاحترازية يراعي فيه العوامل العضوية و النفسية و الاجتماعية التي المجرم إلى الجريمة , و يجب أن تخضع هده التدابير لمبدأ الشرعية حماية للحقوق و ضمانا للحريات الفردية , لان هدف التدابير التأهيل و الإصلاح, و يتم تأهيل المجرم و إصلاحه بإحدى المهن أو تثقيفه أو علاجه ادا اقتضى الأمر دالك , وهدا معناه إنكار تحقيق العدالة و الردع العام كهدف من أهداف التدابير الاحترازية (نجم, 2006).

الخاتمة:
تناولنا في هذه الدراسة مفهوم السياسة الجنائية من المنظورات المختلفة من الاسلامية الى الوضعية. وكذلك استعرضنا جهود المفكرين ونظرياتهم في علم الاجتماع والسياسة الجنائية.








المراجع:


1- -محمد الغياط ، السياسة الجنائية وحماية حقوق الحدث الجانح في المغرب بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة، كلية علوم التربية ، الرباط ،2006 ص27 إلى 31 .
2 -أحمد فتحي سرور ، أصول السياسة الجنائية ، دار النهضة العربية 1972 ص 42 إلى 49.
3- لحسن بيهي ، مفهوم السياسة الجنائية في ضوء المادة 51 من ق المسطرة الجنائية ، السياسة الجنائية بالمغرب ، واقع وآفاق المجلد 2 ، العدد 4، 2005 ، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية ، الطبعة الأولى ، ص 515 وما بعدها .
4- السياسة الجنائية في التشريع الإسلامي سلسلة الدفاع الاجتماعي العدد 4 طبعة 1982
5-جلال ثروت ، الظاهرة الإجرامية "دراسة في علم الإجرام والعقاب" ط 1989 ص194.
6- محمد بن المدني بوساق " اتجاهات السياسة الجنائية المعاصرة " الرياض ص 2 ص 29.
7- عبد السلام بنحدو دكتور في الحقوق كتاب " بحثا عن جذور السلوك الإجرامي " طبعة 1994 مطبعة السنتيسي .صفحة 28-29
8- محمد نجمي صبحي نجم دكتور كلية الحقوق الأردنية كتاب " أصول علم الإجرام و العقاب " طبعة 2006 مطبعة – دار الثقافة - .ص 113 -114
9- محمد الغياط " السياسة الجنائية وحماية حقوق الحدث الجانح في المغرب .طبعة 2006 مطبعة طوب بريس -صفحة 44-45
10- السيد يس "كتاب السياسة الجنائية المعاصرة دراسة تحليلية لنظرية الدفاع الاجتماعي " صفحة 26 الطبعة الأولى 1983 دار الفكر العربي



#عاهد_جمعة_الخطيب (هاشتاغ)       Ahed_Jumah_Khatib#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- علم الجريمة التكويني
- التسويق الاجتماعي والتباعد الاجتماعي: تجربة الأردن في مكافحة ...
- الأساليب الجديدة في تسويق الرعاية الصحية
- الجوانب المالية المرتبطة بالإفراط في استخدام الموارد الصحية
- التدخين وفايروس كورونا: دليل محتمل من عملنا
- دور تورط الجهاز العصبي في الأنسجة الخبيثة: تدهور العمارة الن ...
- الأدوار غير الكلاسيكية للميكروبات
- المنظورات الثقافية لنماذج التدخين: تدخين السجائر وتدخين الشي ...
- انخفاض الوعي الذاتي والقهر: فرضية طبية نفسية جديدة
- السكري والاعتلال العصبي السكري حدثان مستقلان: فرضية طبية جدي ...
- الاستخدام المناسب للفحم المنشط في الأساليب الصيدلانية والسمي ...
- الجوانب العصبية والفسيولوجية للمرض: الدماغ كمفتاح متعدد الرو ...
- هل الدين هو الجزء المفقود في نظريات سلوك المواطنة والقيادة و ...
- تحديثات فيروس كورونا: التحقيقات الأساسية والسريرية
- توقع تحليلات البيانات الضخمة (BDA) على وسائل التواصل الاجتما ...
- فلسفة الحياة اليومية الشاملة (Tdlp): المفاهيم والأساسيات الج ...
- أوهام الأمل-قصة قصيرة
- قصة قصيرة: ولهذا صنع لي حسان فنجان القهوة
- قصة قصيرة: لزقة جرح
- قصة قصيرة: فرصة حب


المزيد.....




- جبال من الملابس والأحذية والسيارات المتروكة.. تعرف على أكبر ...
- واشنطن تلغي زيارة مبعوثة خاصة بمجتمع الميم إلى إندونيسيا بعد ...
- -نهاية دولة كروية عظمى-.. انتقادات الصحافة الألمانية لأداء - ...
- روسيا وأوكرانيا: الكرملين يشترط الاعتراف بضمّ أقاليم أوكراني ...
- جنوب أفريقيا: اجتماع للحزب الحاكم لتقرير مصير رئيس البلاد بع ...
- شاهد: عنف وشتائم داخل البرلمان السنغالي بعد صفع نائب زميلة ل ...
- البلاغ الختامي الصادر عن مؤتمر التجمع الديمقراطي العراقي في ...
- رحلات الحكومة الألمانية إلى قمة المناخ أنتجت 308 أطنان من ال ...
- شولتس يطلب من بوتين سحب قواته من أوكرانيا لإتاحة -حل دبلوماس ...
- الجمعة سوداء فعلا في كاليفورنيا.. كاميرا تسجل سرقة عشرات هوا ...


المزيد.....

- وجهات نظر في نظريات علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية - نق ... / حسام الدين فياض
- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عاهد جمعة الخطيب - فلسفة السياسة الجنائية كمفهوم مقارنة مع المفاهيم الاخرى