أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - الحزب السياسي















المزيد.....


الحزب السياسي


سعيد الوجاني
كاتب ، محلل سياسي ، شاعر

(Oujjani Said)


الحوار المتمدن-العدد: 7081 - 2021 / 11 / 19 - 16:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عند تأسيس أي حزب ، ونقصد هنا الأحزاب الأيديولوجية ، تكون الغاية الأساسية والوحيدة من التأسيس ، السيطرة على الحكم ، او ممارسة السلطة ، وهناك فرق بين السيطرة على الحكم ، وبين مجرد ممارسة السلطة .. وقد تكون الغاية من التأسيس ، اقتسام السلطة التي قد تعتبر نوعا ما في البلاد العربية ،باقتسام مخفف للحكم .. لكن لا يمكن تصور تأسيس حزب ، فقط من اجل المشاركة في الحكومة ، للسهر على تنزيل ، وتنفيد برنامج الحاكم الذي لم يشترك في الانتخابات ، التي هي انتخاباته ، ولم يصوت عليه الناخبون .. وهذا يجعل من هذه الأحزاب التي تتضافر للمشاركة في حكومة الحاكم ، الذي عندنا في الدولة السلطانية هو السلطان ، تفقد احد اهم مميزات تعريف الأحزاب ، التي هي غياب البرنامج الحزبي الذي يٌضْرب في الصفر، بمجرد الإعلان عن نتائج العملية الانتخابوية ..
عندما تم تأسيس الأحزاب ، وبالأخص حزب الاستقلال في ثلاثينات القرن الماضي ، كان الهدف من التأسيس ، ليس هو السيطرة على الحكم ، وليس هو ممارسة السلطة ، ولا اقتسامها ... لكن كان الهدف ، هو مواجهة سلطة الحماية بالنضال السلمي البوليميكي ، الموجه الى الغرب ، والى أمريكا ، بعد ان تمت المؤامرة الكبرى على جيش التحرير ، الذي مثلته ثورات القبائل البربرية ، التي ثارت على الدولة الكلونيالية ، وثارت على حليفها النظام السلطاني بفاس .. فالهدف من التأسيس ، بعد حكم علال الفاسي بفشل الكفاح المسلح ، كان هو الاستعداد للمشاركة في الحكومات التي ستتشكل عند الحصول على الاستقلال .. أيْ تحضير طبقة برجوازية مِرْكانتيلية ، للاستئثار بالمغرب ، وبثرواته ، على حساب البرابرة والعروبيين ، الذين سيجدون انفسهم في صراع مع هذه الطبقة ، ومع النظام السلطاني التي تتداخل مصالحه ، مع مصالحها الضيقة عذاة الحصول على استقلال " إيكس ليبان " ..
ان هذه الخطة / المؤامرة التي افتضحت في حينها ، ستعرف تراجعا عندما طفت على مسرح الاحداث ، التناقضات التي بدأت تفرض نفسها في الصراع الأيديولوجي ، الذي عبرت عنه محطات سنة 1947 ، وستبلغ اوجهها في الانشقاق الذي عرفه حزب الاستقلال ، الذي ظل وفيا لمصالحه المتداخلة ، مع مصالح السلطان ، وخروج الجناح التقدمي في بعض عناصره ، الذي تأثر بالنماذج السياسية للبرجوازية الصغيرة العربية ، التي وصلت الى الحكم ، وليس الى السلطة ، بالانقلابات العسكرية ..
فلأول مرة ، سيتم تأسيس حزب كان برنامجه الأساسي ، هو الوصول الى الحكم .. أي بناء جمهورية برلمانية مغربية .. وقد عبرت عدة احداث عن ذلك ، كمحطة 16 يوليوز 1963 ، ومحطة 3 مارس 1973 ، ومحطة المشاركة في انقلاب الطائرة في غشت 1972 ..
فأيّ حزب عند التأسيس ، لا يضع نصب اعينه السيطرة على الحكم ، يبقى مجرد جماعة سياسية تتعيش من السياسية ، لأنها تفتقر الى خاصية أساسية تتميز بها الأحزاب ، التي هي الحكم .
ان مطلب الحكم ، ليس هو مطلب السلطة ، وليس هو مطلب المشاركة فيها ، او اقتسامها .. فهذا التمييز الذي كان السائد فكريا وايديولوجيا ، خلال الستينات والسبعينات ، يعني ان آلية الوصول الى الحكم ، تختلف عن آلية الوصول الى السلطة ، وآلية المشاركة فيها ، او اقتسامها ..
فإذا كانت آلية الوصول الى السلطة ، هي صناديق الاقتراع من خلال الانتخابات ، وهذه الخاصية كانت تعرف بها أحزاب السوسيال ديمقراط الاشتراكية ، والأحزاب الشيوعية الاوربية .. واذا كانت آلية المشاركة في السلطة ، او اقتسامها تخضع للمفاوضات السياسية ، حين يكون الحزب ، او مجموعة أحزاب قوية، فارضة لنفسها في ساحة الصراع السياسي .. فان آلية الوصول الى الحكم ، تبقى هي الانقلاب من فوق ( البلانكية ) ، او المشاركة مع الجيش في انقلاب عسكري ، اوعن طريق ثورة وطنية ، تؤسس لنظام سياسي جديد ، على انقاض النظام الذي تم اسقاطه ..
ان هذا يعني ان الأحزاب التي تنشد الحكم من اجل الحكم ، رغم ان بعضها يتظاهر بالنضال الديمقراطي السلمي ، فان حقيقة آلية تحركه ، تبقى هي العنف الثوري الذي يختلف درجات ، حسب عنف النظام المسيطر على الدولة ..
لذا . فان هذا النوع من الأحزاب ، والمنظمات التي تؤمن بالعنف الثوري ، التي شغلت الساحة طيلة الستينات والسبعينات ، نكاد نقول انها نوعا ما تلاشت ، بتلاشي الاتحاد السوفياتي ، ومعسكر اوربية الشرقية ، وتحول الصين الى اكبر دولة امبريالية ، شرسة ، غازية للعالم اقتصاديا ..
اما الأحزاب التي تنشد السلطة دون الحكم ، وهذه تسود اوربة الغربية ، والولايات المتحدة الامريكية .. فان ممارسة السلطة تقتضي تنزيل برنامج الحزب ، او الأحزاب التي فازت في الانتخابات ، وصوت عليه او عليها الناخبون .. حيث سيصبح برنامج الناخبين الذين صوتوا عليه ، وليس برنامج الحزب او الأحزاب ، التي ستصبح وكلاء ، او وسطاء يتولون تنزيل ما صوت عليه الناخبون .. وهذا يعني ان ممارسة السلطة تقترن بالانتخابات ، وتكون محددة في الزمان والمكان .. وتعني ان الأكثرية التي صوت لها الناخبون ، اذا اخلت بالبرنامج الانتخابي الذي تقدمت على أساسه الى الانتخابات ، فان الناخب الذي صوت على برنامجها ، سيصبح هو َمنْ يتحكم في مسارها ومصيرها ، بحيث يمكنه ان يردها الى مجرد اقلية معارضة ، بعد ان كانت أكثرية حاكمة .. وهذا يعني ان الديمقراطية ، تبقى هي الآلة للوصول الى ممارسة السلطة ، بخلاف العنف الذي يطبع ممارسات الأحزاب التي تنشد الحكم ..
اما عن مظهر مطلب اقتسام السلطة ، دون تسمية الاقتسام بالحكم ، فمرد آلياته تبقى هي المفاوضات بين الأحزاب ، او الحزب ، وبين الحاكم ... وهنا فان المفاوضات لن يكون لها طعم وهدف ، اذا لم تكن تلك الاحزاب من القوة التنظيمية ، والأيديولوجية ، واذا لم تكن متغلغلة حتى النخاع وسط الشعب .. وحتى عندما تجري المفاوضات تحت ضغط خلل ميزان القوة ، فان غالبية الدول ، لان مطلب المشاركة في السلطة ، او اقتسامها يوجد في الدول المتخلفة ، ووُجد في بعض الدول العربية ..فان الحاكم الذي يفاوض لانقاد كرسي حكمه ، او لانقاد فقدان عرشه ، غالبا ما يفاوض تحت الضغط .. لكنه ينتهز أي فرصة قد تقلل من قيمة الخصم ، او تضعفه شعبيا ، حتى ينقلب على الجميع ، ويشهر دكتاتوريته التي كانت تهدده دكتاتورية الحزب ، او الأحزاب التي كانت تتفاوض .. وكانت تلجا الى المفاوضات كتكتيك مرحلي ، لان الغاية من لعب جميع التكتيكات ، هو الانقضاض على الحكم لبناء دكتاتورية ، على انقاض دكتاتورية تم اسقاطها ..
بالرجوع الى تاريخ الأحزاب المغربية .. سنجد ان هناك أحزابا رفعت مطلب الحكم ، لبناء نظام على انقاض نظام ، كالاتحاد الوطني للقوات الشعبية ( الانتفاضة المسلحة في 16 يوليوز 1963 ، و انتفاضة 3 مارس 1973 ، وانقلاب الطائرة في غشت 1972 ) .. كما ان هناك تنظيمات رفعت مطلب الحكم ، لبناء نظام جمهوري طبقي ( عمال ) ، ( فلاحين ) ، ( عمال / فلاحين / مثقفين / وشعب كادح ) ... وهناك من رفع مطلب المشاركة في السلطة ، وليس في الحكم الذي يبقى من اختصاص السلطان .. وكان هذا لب التقرير الذي خرج به بالمؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي في يناير 1975 .. ومع مرور الزمن ، ومع زيادة استسلام الحزب الى السلطان ، سيتخلى الحزب عن مطلب المشاركة في السلطة ، وليتحول الى مجرد مطالب بالمشاركة في حكومات السلطان ، لتنزيل برنامجه الذي لم يصوت عليه .. وليصبح الحزب في عهد ادريس لشكر ، في وضع اكثر من مشفق عليه ... فالاتحاد ، وحتى المؤتمر الرابع مات .. وما تبقى بعد المؤتمر ، كان يتحرك بتلكوموند السلطة .. فالحسن الثاني هو من دعا الحزب الى عقد المؤتمر الاستثنائي ، للقطع مع ماضي الاتحاد الراديكالي ، الذي كان يهدف الحكم .. ولتحضير الحزب ان يلعب دوره تحت اشراف القصر في قضية الصحراء .. والحسن الثاني هومن اقترح على عبدالرحيم بوعبيد تسمية الحزب ، بالاشتراكي لطمس تاريخ الاتحاد الوطني ، والحسن الثاني هو من اصدر الامر لخادمه عبدالرحيم بوعبيد ، لتعيين فتح الله ولعلو ، وعبدالواحد الراضي في المكتب السياسي في المؤتمر الخامس .. كما ان الحسن الثاني هو من عين بوستة على رأس حزب الاستقلال .. واسس " التجمع الوطني للأحرار " ، مثلما أسست وزارة الداخلية حزب " الاتحاد الدستوري " ، و" الحزب الوطني الديمقراطي " ، و"جبهة القوى الديمقراطية " ، و" الحزب الاشتراكي " او جماعة اوطيل حسان بزعامة عبدالله ساعف ، والحبيب الطالب ... الخ .. فحقبة الحسن الثاني كانت بحق حقبة الثقافة السياسية ، وحقبة الأحزاب ، والشأن العام .. بخلاف حقبة محمد السادس التي هي حقبة موت السياسة ، وموت الأحزاب التي أصبحت صدفيات فارغة ، بعد ان كانت تلعب" بارشوك " واقي للنظام من الهزات شعبية .. فعهد محمد السادس عهد اليورو ، والدولار ، والبقشيش . وخطورته ستكون مكلفة عند حصول فراغ في الحكم ..
الأحزاب التي تنشد الحكم ، والأحزاب التي تنشد المشاركة في السلطة ، او اقتسامها ، تعرف بكثرة مثقفيها .. لذا فالثقافة كانت مزدهرة ، وكانت تزدهر مع موجات المعارضة للحكم القائم .. والثقافة كانت طاغية حتى في السجون ، حيث كانت الكتابات ، والاشعار ، والروايات ، والرسومات .. تخرج من قلب السجون .. لكن عندما تحول الجميع من مطلب الحكم ، او من مطلب اقتسام الحكم ، الى مطلب المشاركة في الحكومة ، وحصل الاستسلام للنظام ، ستغيب الثقافة ، وسيغيب المثقف العضوي ، وليحل محله المناضل الزمار ، والطبال ، والمصفق لجميع خرجات النظام .. حتى تلك التي كانت تكشر عن انيابها .. وبغياب المثقف ماتت الثقافة ، لان الثقافة قضية ، ومن لا قضية له ، لا ثقافة له كذلك ...
اذن الحزب الذي لا ينشد الحكم لإقامة نظام حكمه ، لا يعتبر حزبا . بل هو مجرد جماعة سياسية تتعيش من السياسة ، شان أحزاب السوسيال ديمقراط الاشتراكية ، والأحزاب الشيوعية الاوربية .. ففرق بين ان يسيطر الحزب على الحكم ، وبعد ترشيح الطبقة التي سيتم الحكم باسمها ، وبين الحزب الذي ينشد المشاركة في السلطة ، لتنزيل برنامج الحزب الذي يخضع لحكم ، وتقييم الناخبين ، ولا يخضع للقيادة الثورية التي تنظر فقط الى الحكم .. وفي بعض البلاد العربية ، رغم ان بعض الأحزاب التي وصلت الى الحكم عن طريق الانقلابات ( سورية ) ، اوعن طريق الانقلاب من فوق ( العراق ) ( اليمن الجنوبي ) .. فحتى تتم التغطية عن الدكتاتورية التي فرضها الانقلاب ، فغالبا ما يلجأ الحزب الذي قاد الانقلاب مع الجيش ، او انقض على السلطة من فوق ، للتغطية على دكتاتوريته ، بخلق ديمقراطية بمجموعة من الأحزاب ملتف عليها من قبل الحزب الحاكم ، تحت مسميات ك " الجبهة الوطنية الديمقراطية التقدمية " ، التي يؤسسها الحاكم من مجموعة أحزاب موالية له ، بأسماء شتى ، كالحزب القومي ، الناصري ، والبعثي ، والديمقراطي ، والشيوعي خالد بكداش ، والقومي الاجتماعي .... وهذا ما حصل بالعراق ، وحصل بسورية ، وحصل باليمن الجنوبي ... وكانت هذه الجبهة المصطنعة ، تقف حائلا ضد أحزاب المعارضة الحقيقية للنظام القائم .. ومنها قيادات تقدمية من نفس الحزب ، اعدمها صدام حسين بدم بارد ... وهو نفس التهديد هدد به عبدالرحيم بوعبيد معارضيه في الحزب ، حين عقب فجري الهاشمي قائلا لبوعبيد .. هذا حزب طبقي . أيْ يقصد الاتحاد الاشتراكي ، فرد عبدالرحيم بوعبيد سريعا قائلا . هذا حزب عربي .. والاحالة هنا طبعا كان تشير الى اعدام صدام حسين لقيادات تقدمية ، كانت تعمل على الوحدة القطرية بين حزب البعث السوري ، وحب البعث العراقي .. فاعتبر صدام حسين الدعوة الى الوحدة مع الجناح اليساري ، الذي كان يمثله حزب البعث السوري ، تحضيرا للانقلاب عليه ..
بالرجوع الى الساحة السياسية اليوم ، لتقييم الظاهرة الحزبية المغربية في الدولة السلطانية ، نكاد نجزم ان السلطان محمد السادس ، وجه بالفن اكبر ضربة للظاهرة الحزبية ، حين افرغ جميع الأحزاب من مضامينها ، ونجح في تحويلها الى جزء منه ، لا الى ضده .. فبألقاء نظرة على الخريطة الحزبية ، نخلص الى نتيجة موت الأحزاب المعارضة ، كما كان عليه الحال في الستينات والسبعينات ... واصبح الجميع مستعدا للانخراط في إجراءات الملك ، وليس في مشروعه الغير موجود أصلا ، ومنه النموذج اللاّتنموي الذي اصبح ، وباعتراف الملك في خطابه مجرد اطار للتفكير ، في النموذج التنموي الذي لا احد يعرف اين يوجد ..
اليوم لم يعد في الساحة أحزاب تدعو الى المشاركة في السلطة ، وليس في الحكم ، فأحرى ان ننتظر وجود أحزاب تدعو للسيطرة على الحكم .. أيْ غابت بالمرة الأحزاب الجمهورية ، وباعتراف الأستاذ الساسي عندما قال . لا احد اصبح ينادي بمطلب الجمهورية .. طبعا كان هذا في عز اللقاء مع صديق الملك فؤاد الهمة ، حين عرض عليهم المشاركة في الحكومة ، وهي كولسة كانت تجري من وراء الستار .. وعندما طلعوا الجبل ، وجدوا انفسهم قد اضاعوا فرصة لم تكن تعوض بثمن ، وكانت ستغنيهم عن سنوات العجاف التي عاشوها بأسماء مختلفة ، منذ الخروج عن حزب الاتحاد الوطني الى اليوم .. وما يبين ندمهم . انهم رغم انهم كانوا منذ الستينات ، يقاطعون عمليات السلطان الانتخابوية ، متضرعين بغياب الدستور الديمقراطي ، عادوا مؤخرا ليشاركوا مرتين في انتخابات سلطانية ، وضمن دستور الذي لا يختلف عن سابقيه من الدساتير .. وكانت النتيجة التي حصدها حزب الطليعة مرتين ، وحصدها الحزب الاشتراكي الموحد، وكل أحزاب الفدرالية .. صفعة مدوية حين لم يصوت عليهم احد .. فكانت النتيجة بعد جدبة الانتخابات المفلسة ، ان توارت أحزاب الفدرالية ، ولتختفي من الساحة من دون سابق اندار ..
لقد انقرضت الأحزاب الجمهورية التي كانت تدعو الى الجمهورية ، وليتحول الجميع الى عارضين لخدمتهم ، لخدمة مولانا السلطان ظل لله في ارضه ، وخدمة الدولة السلطانية التي لا تلتفت على عروضهم السخية .. فاصبح وضعهم شبيها بالأحزاب التي كانوا ينعتونها مرة بالحزب السري ، ومرة بأحزاب الإدارة ، ومرة بأحزاب اليمين .. وهي ليست يمينية ، لان اليمين فلسفة ومدرسة .. واصبح الجميع يتسابق لخدمة برنامج السلطان ، الذي اصبح وحده من يختار من يحظى بشرف خدمة برنامجه . أيْ ان ثمن السُّومة تدنى الى الحضيض .. ولم يعد السلطان يولي أحدا أهمية او معنى . لأنه انتصر ، وتقوى ، واصبح فعلا سلطانا وحده يحكم ، وكل الأحزاب .. وبما فيها أحزاب الفدرالية تبارك ذلك ، عندما شاركت في الانتخابات السلطانية ، كي تدخل برلمان السلطان ، وتأتي في الجمعة الثانية من شهر أكتوبر ، عند افتتاح السلطان دورة الخريف التشريعية ، لابسة اللباس السلطاني ، ليصدر لهم الامر اليومي ، الذي سيحدد لهم مجال اشتغالهم ، لخدمة برنامج السلطان الذي لم يشارك في الانتخابات ، ولم يصوت عليه احد .. والسؤال . اين برنامج الفدرالية الانتخابي ...
لقد اختفت الأحزاب الجمهورية ، واختفت الأحزاب التي كانت تدعو الى اقتسام السلطة ، ومنها الى اقتسام الحكم ، قبل السيطرة على كل الحكم .. كما خطط لذلك الفقيه محمد البصري .. واصبح الجميع من خلال الدعوة الى الملكية البرلمانية ذات الخصوصية المغربية ، والدعوة لاحتفاظ السلطان بالحقل الديني ، الذي هو أصل الحكم ، لأنه يعطي للسلطان كامير ، وإمام كبير ، سلطات استثنائية تتعدى وتتفوق ، حتى على دستور الملك ، الذي شرع فيه لنفسه السلطات التي يرغب فيها .. وهذا الإقرار بالاحتفاظ بالسلطات الدينية التي ينص عليها عقد البيعة الغير مكتوب ، وتتعارض مع الدولة المدنية الديمقراطية .. هو دعوة من قبل الفدرالية ، لاستمرار نظام السلطنة ، كما عرفها المغرب السلطاني ما قبل سنة 1912 ، وحتى سنة 1956 ، وبالضبط حتى اول دستور سلطاني ، سينصص فيه على امارة المؤمنين ، وامير المؤمنين ..
ان غياب الأحزاب الجمهورية ، والأحزاب المطالبة باقتسام السلطة ، والأحزاب التي تدعو الى المشاركة في السلطة ، وانتشار كثرة الأحزاب التي تنشد المشاركة في حكومة الملك ، لتطبيق برنامج الملك الساقط من فوق .. لا يعني ان خطر مطلب الجمهورية قد زال بالنسبة للنظام ، ولا يعني ان النظام السلطاني يجسد طقوسه السلطانية ، برضى ورغبة الجميع . بل ان الصراع الغير معلن ، مستمر ، وقد يتطور الى اشكال مختلفة ، عندما تفرض بعض المعطيات المعروفة ، نفسها في ساحة الصراع الذي سيتطور ، ليصبح معلنا ، وباستعمال آلات ، ووسائل تتناسب ، وتستجيب لطبيعة المرحلة التي اصبح عليها الصراع ، ولرد السلطنة اذا اتسم بالعنف المفرط ، لان إعادة مجازر 1965 ، و 1981 ، و 1984 ، و 1991 .. تبقى محفوفة بالمخاطر ، خاصة انتظار تدخل المجتمع الدولي ، الذي سيكون يراقب الأوضاع ، وتطورات الاحداث التي قد تتسارع لتصبح مطالب الخرجات اليومية ، وفي كل المغرب الهامشي ، ليس هو الكهرباء ، او الماء ، او الخدمات الأساسية من تعليم ، وتطبيب ، وطرقات رديئة .. رغم الضرائب التي يؤديها الشعب جبرا ، وتتجاوز طاقته البسيطة .. لتتحول الى مطلب بالدولة الديمقراطية في شكلها الديني ، الذي سيعم الانزالات ، والمسيرات ، والاعتصامات ... فعند حصول فراغ في الحكم اذا غاب السلطان .. فانتظار جميع المفاجئات يبقى وحده سيد الموقف ... وغياب الأحزاب الجمهورية ، والأحزاب التي تدعو الى اقتسام الحكم ، باقتسام السلطة ، او تدعو الى المشاركة في السلطة ، عن طريق المشاركة في التدبير ، والتسيير ، والوقوف ندا لخرجات الحكم ، من خلال الرقابة البرلمانية ، او اللجان المختلفة ، او عن طريق الصحافة .. لا يعني ان الفوضى ستعم القادم من اشكال الصراع .. بل ان المبادرات الفردية التي ستصبح جماعية ، وستتوسع من خلال خلق التنسيقيات ، واللجان المختلفة ، من لجان الحي ، والازقة ، والمناطق ، وبالمدن الكبيرة ، والمتوسطة ، والصغيرة ، وبالمداشر ، والارياف .. سيعوض غياب الأحزاب الجمهورية ، والأحزاب الداعية الى اقتسام الحكم ، من خلال اقتسام السلطة .. وبسبب ترديد الشعارات التي ستكون إسلامية ، سيزيد هذا في درجة الشحن ، الذي سيزيد من تهييج الناس ، وستصبح المعركة بين الإسلام ، وبين النظام الذي يعتبرونه متعارضا مع الإسلام .. وهنا سيكون لحاملي الشواهد الجامعية المعطلين ، الذين يتواجدون بكل المغرب الهامشي ، كلمة الفصل في درجة الشحن ، والاندفاع الذي قد يربك النظام ، لأنه لا يستطع اطلاق النار لقتل المتظاهرين السلميين ، الغير عنيفين .. وسنصبح شئنا أوأبينا نواجه الحالة الإيرانية ، في صورتها القبيحة ..
لقد انعكس غياب الأحزاب الجمهورية ، والأحزاب التي تدعو الى اقتسام السلطة ، كخطوة لاقتسام الحكم ، على الدعوات للمسيرات التي تنظم في كل ارجاء المغرب . فما يلاحظ انّ انعكاس هذا الغياب ، انعكس على طبيعة الشعارات الخجولة التي يرددها الداعون الى هذه المسيرات من قبيل " سلمية / سلمية – لا حجرة لا جَنْويّة " . " الاحتجاج حق مشروع / وا المخزن مالكْ مخلوعْ " . " بالوحدة والتضامن – اللّي بْغيناهْ يْكونْ يْكونْ " ... لخ .. لكن ما يلاحظ في هذه المسيرات التي تشرف عليها تنسيقيات .. للعديد من أعضاءها روابط مع جماعات تدين بالفكر اليساري ، بروافده المختلفة ، والتي تبقى دون أهمية لضحالة الثقافة ، وللفقر الإيديولوجي ، والتنظيمي .. تغيب عنها اليوم الشعارات الاسلاموية اتقاء لإيثار انتباه النظام ، وايقاظه من غفلته .. فيتضح ومن خلال الشعارات ، ومن خلال التنسيقيات ، ان من يحتكر الساحة هم العلمانيون واليساريون .. في حين انهم قلة قليلة ستفر ، يوم يشرع النازلون الى الشوارع ، اذا حصل الفراغ في الحكم ، يرددون الشعارات الاسلاموية بسبب السيطرة المطلقة للاسلامويين على الساحة ... فالاتباع سيكونون بالألاف عند تأزم الوضع ، واشتداد المواجهات .. فالمواجهة كما هي اليوم ، هي بين النظام السلطاني الذي يدعي انتسابه الى الإسلام ، والى النبي ، وبين جماعات الإسلام السياسي بمختلف روافدها ، التي حلت محل اليسار ، في السيطرة على الرعايا الدراويش .. لان الخطاب الإسلامي ابسط وأسهل للترويج ، والابتلاع بدون مضغ . أيْ كمن يدس السم في العسل ، دون علم السلطان الذي سيصبح في واد ، وفي الواد الاخر الاسلامويون الذين يحنون لنظام الخلافة الرجعي ، ومنهم الداعشي ، والقاعدي .. ومنهم الوهابي ، ومنهم حتى الشيعي ...
اذن يبدو من خلال المعطيات ، ان الساحة فارغة اليوم ، الاّ من النظام الذي يسيطر على الدولة .. لكن هذا الفراغ الذي ساهم فيه النظام بقسط كبير ، عندما اعتقد ان افراغ الساحة من أحزاب المعارضة الاصلاحوية ، وحين حولها الى مجرد صدفيات فارغة ، سيمكنه من الاستئثار لوحده ، بالثروة ، والجاه ، والنفود ، والحكم .. خلق نقيضه الأكثر تهديدا ، عندما اصبح البديل هو الإسلام السياسي ، ذي القاعدة الغير مرئية الكبيرة ... وهذا خطير للنظام، لأنه اضحى وحده يواجه الخطر الذي لم يستشعر درجته بعد .. في حين انه برميل بارود ينتظر الانفجار .. فعندما يشكك الاسلامويون في نسب السلطان ، وحين يجردونه من البيعة ، ومن الامارة ، والامامة .. فالصراع اضحى دينيا في جلباب سياسي ، بين نظام السلطنة الذي يدعي انتسابه الى الدين ، وبين معارضي النظام السلطاني الذي يفرضون نفسهم ، انهم البديل الإسلامي المجسد لنظام الخلافة ..



#سعيد_الوجاني (هاشتاغ)       Oujjani_Said#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جبهة البوليساريو خسرت الحرب ، فخسرت قضيتها ، وعليها ان تعترف ...
- هل بدأ الإلتفاف على قرار محكمة العدل الاوربية ..
- من كومونة باريس الى كومونة الرباط
- تحليل خطاب الملك بمناسبة مرور ستة واربعين سنة من انطلاق المس ...
- النظام الجزائري . استعراض للعضلات ، ام تحضير للحرب ..
- إسقاط النظام . إسقاط الدولة . إسقاط الاستبداد ، أم إسقاط الج ...
- تحليل قرار مجلس الامن 2602 حول الصحراء .
- الجميع يدعو الى التغيير من دون وجود مشروع للتغيير
- إسرائيل لا تعترف بمغربية الصحراء ، لكنها تعترف بالبوليساريو ...
- من يرفض النقد الذاتي بدعوى العصمة ، ويرفض النقد بدعوى الطهار ...
- من السهل ان تردد كالببغاء الصحراء ليست مغربية . لكن من المست ...
- البوليس السياسي يمنع تعسفيا الناشط السياسي المعطي منجيب من م ...
- فشل المبعوث الشخصي للامين العام للامم المتحدة - ستيفن دو مست ...
- النظام الجزائري يطلب من النظام المغربي الرحيل عن معبر / منفد ...
- هل تدور الحرب في الصحراء ؟
- هل الرئيس المورتاني جاد في رأب الصدع بين النظام المغربي والن ...
- قرار مجلس الامن المنتظر في آخر اكتوبر الجاري بشأن نزاع الصحر ...
- قرار محكمة العدل الاوربية
- بين خطاب وزير خارجية النظام الجزائري لعمامرة بالامم المتحدة ...
- مجرد تساؤل ، والتساؤل والسؤال حق مشروع


المزيد.....




- تُرصد بالكاميرا للمرة الأولى.. شاهد حيتان أوركا القاتلة تفتر ...
- #MeToo - خمس سنوات على -هاشتاغ- هزّ العالم
- التطعيم ضد الإنفلونزا ـ ما سر أهميته هذا العام أكثر من الساب ...
- تطورات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وأصداؤها ...
- بايدن يلفظ -كلمة نابية- في حوار مع مسؤول في فلوريدا
- الحزب الحاكم يرشح توكايف للانتخابات الرئاسية في كازاخستان
- تبون وشتاينماير يبحثان توسيع التعاون بين الجزائر وألمانيا وخ ...
- صحيفة: تراس أصبحت بطلة -الميمات- بسبب الخلفية الزرقاء
- وزارة الصحة الروسية تسجل رسميا أول دواء محلي مضاد للجدري
- المغرب - أوروبا: هل تسمّم أزمة التأشيرات العلاقات؟


المزيد.....

- مسرحية إشاعة / السيد حافظ
- الميراث - مسرحية تجريبية - / السيد حافظ
- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - الحزب السياسي